- الجزء الأول - وأما السعوط والدواء الواصل بالجائفة أو الآمة فالأصل فيه حديث لقيط بن صبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : « بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما » فأمره بالمبالغة في الاستنشاق ونهاه عنها لأجل الصوم ، فدل ذلك على أن ما وصل بالاستنشاق إلى الحلق أو إلى الدماغ أنه يفطر ، لولا ذلك لما كان لنهيه عنها لأجل الصوم معنى مع أمره بها - ص 267 - في غير الصوم . وصار ذلك أصلا عند أبي حنيفة في إيجاب القضاء في كل ما وصل إلى الجوف واستقر فيه مما يستطاع الامتناع منه ، سواء كان وصوله من مجرى الطعام والشراب أو من مخارق البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان ، أو من غيرها ؛ لأن المعنى في الجميع وصوله إلى الجوف واستقراره فيه مع إمكان الامتناع منه في العادة ، ولا يلزم على ذلك الذباب والدخان والغبار يدخل حلقه ؛ لأن جميع ذلك لا يستطاع الامتناع منه في العادة ، ولا يمكن التحفظ منه بإطباق الفم .
فإن قيل : فإن أبا حنيفة لا يوجب بالإفطار في الإحليل القضاء .
قيل له : إنما لم يوجبه ؛ لأنه كان عنده أنه لا يصل إلى المثانة ؛ وقد روي ذلك عنه منصوصا ، وهذا يدل على أن عنده إن وصل إلى المثانة أفطر . وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما اعتبرا وصوله إلى الجوف من مخارق البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان .
وأما وجه إيجاب القضاء على من استقاء عمدا دون من ذرعه القيء ، فإن القياس أن لا يفطره الاستقاء عمدا ، لأن الفطر في الأصل هو من الأكل ، وما جرى مجراه من الجماع كما قال ابن عباس " إنه لا يفطره الاستقاء عمدا ؛ لأن الإفطار مما يدخل ، وليس مما يخرج " والوضوء مما يخرج ، وليس مما يدخل ، وكسائر الأشياء الخارجة من البدن لا يوجب الإفطار بالاتفاق ، فكان خروج القيء بمثابتها وإن كان من فعله ، إلا أنهم تركوا القياس للأثر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولا حظ للنظر مع الأثر والأثر الثابت هو حديث عيسى بن يونس ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من ذرعه القيء لم يفطر ولا قضاء عليه ، ومن استقاء عمدا فعليه القضاء » .
فإن قيل : خبر هشام بن حسان عن ابن سيرين في ذلك غير محفوظ ، وإنما الصحيح من هذا الطريق في الأكل ناسيا ، قيل له : قد روى عيسى بن يونس الخبرين معا عن هشام بن حسان ، وعيسى بن يونس هو الثقة المأمون المتفق على ثبته وصدقه . وقد حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : روى أيضا حفص بن غياث عن هشام مثله .
وروى الأوزاعي عن يعيش بن الوليد أن معدان بن أبي طلحة حدثه : أن أبا الدرداء حدثه : « أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال : فلقيت ثوبان فذكرت له ذلك ، فقال : صدق ، وأنا صببت له وضوءه » .
وروى وهب بن جرير قال : حدثنا أبي قال : سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرزوق ، عن حبيش ، عن فضالة بن عبيد قال : « كنت عند - ص 268 - رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب ماء ، فقلت : يا رسول الله ألم تك صائما ؟ فقال : بلى ولكني قئت » . وإنما تركوا القياس في الاستقاء لهذه الآثار .
فإن قيل : قد روي أن القيء لا يفطر ؛ وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم ، عن رجل من أصحابه ، عن رجل من الصحابة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم » .
قيل له : قد روى هذا الحديث محمد بن أبان عن زيد بن أسلم عن أبي عبيد الله الصنابحي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أصبح صائما فذرعه القيء فلم يفطر ، ومن احتلم فلم يفطر ، ومن احتجم فلم يفطر » .
فبين هذا الحديث القيء الذي لا يوجب الإفطار ، ولو لم يذكره على هذا البيان لكان الواجب حمله على معناه ، وأن لا يسقط أحد الحديثين بالآخر وذلك لأنه متى روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبران متضادان ، وأمكن استعمالهما على غير وجه التضاد استعملناهما جميعا ، ولم يلغ أحدهما . وإنما قالوا : إنه إذا استقاء أقل من ملء فيه لم يفطره ، من قبل أنه لا يتناوله اسم القيء ؛ ألا ترى أن من ظهر على لسانه شيء بالجشاء لا يقال إنه قد تقيأ ؟ وإنما يتناوله هذا الاسم عند كثرته وخروجه ؛ وقد كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى يقول في تقدير ملء الفم : " هو الذي لا يمكنه إمساكه في الفم لكثرته فيسمى حينئذ قيئا " .
وأما الحجامة فإنما قالوا : إنها لا تفطر الصائم ؛ لأن الأصل أن الخارج من البدن لا يوجب الإفطار ، كالبول والغائط والعرق واللبن ؛ ولذلك لو جرح إنسان أو افتصد لم يفطره ، فكانت الحجامة قياس ذلك ؛ ولأنه لما ثبت أن الإمساك عن كل شيء ليس من الصوم الشرعي ، لم يجز لنا أن نلحق به إلا ما ورد به التوقيف أو اتفقت الأمة عليه .
وقد ورد بإباحة الحجامة للصائم آثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك : ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا عبيد بن شريك البزاز قال : حدثنا أبو الجماهر قال : حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاث لا يفطرن الصائم : القيء والاحتلام والحجامة » .
وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا حفص بن عمر قال : حدثنا شعبة عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائما محرما » .
وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا حسين بن - ص 269 - إسحاق قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم قال : حدثنا عيسى بن يونس عن أيوب بن محمد اليماني ، عن المثنى بن عبد الله ، عن أنس بن مالك قال : « مر رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة ثماني عشرة من رمضان برجل ، وهو يحتجم فقال عليه السلام : أفطر الحاجم والمحجوم ثم أتاه رجل بعد ذلك فسأله عن الحجامة في شهر رمضان فقال : إذا تبيغ بأحدكم الدم فليحتجم . » وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا محمد بن الحسن بن حبيب أبو حصن الكوفي قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون قال : حدثنا أبو مالك عن الحجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : « احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم فغشي عليه فلذلك كرهه » وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا القعنبي قال : حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة عن ثابت قال : قال أنس : " ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد " .
فإن قال قائل : قد روى مكحول عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أفطر الحاجم والمحجوم » .
وروى أبو قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثماني عشرة خلت من رمضان فقال : أفطر الحاجم والمحجوم » . قيل له : قد اختلف في صحة هذا الخبر ، وهو غير صحيح على مذهب أهل النقل ؛ لأن بعضهم رواه عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان ، وبعضهم رواه عن أبي قلابة عن شداد بن أوس ؛ ومثل هذا الاضطراب في السند يوهنه .
فأما حديث مكحول فإن أصله عن شيخ من الحي مجهول عن ثوبان ؛ وعلى أنه ليس في قوله « أفطر الحاجم والمحجوم » إذا أشار به إلى عين دلالة على وقوع الإفطار بالحجامة لأن ذكر الحجامة في مثله تعريف لهما ، كقولك : أفطر القائم والقاعد ، وأفطر زيد ؛ إذا أشرت به إلى عين ؛ فلا دلالة فيه على أن القيام يفطر ، وعلى أن كونه زيدا يفطره .
كذلك قوله : « أفطر الحاجم والمحجوم » لما أشار به إلى رجلين بأعينهما فلا دلالة فيه على وقوع الفطر بالحجامة ، وجائز أن يكون شاهدهما على حال توجب الإفطار من أكل أو غيره فأخبره بالإفطار من غير ذكر علته ، وجائز أن يكون شاهدهما على غيبة منهما للناس فقال إنهما أفطرا ، كما روى يزيد بن أبان عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الغيبة تفطر الصائم » وليس المعنى فيه عند الفقهاء الخروج منه ، وإنما المراد منه إبطال ثوابه ، فاحتمل أن يكون ذكر إفطار الحاجم والمحجوم لهذا المعنى ، وعلى أن الأخبار التي روينا فيها ذكر تاريخ الرخصة - ص 270 - بعد النهي .
وجائز أيضا أن يكون النهي عن الحجامة كان لما يخاف من الضعف ، كما نهى عن الصوم في السفر حين رأى رجلا قد ظلل عليه . وأما وجه قولهم فيمن بلع شيئا بين أسنانه لم يفطره ، فهو أن ذلك بمنزلة أجزاء الماء الباقية في فمه بعد غسل فمه للمضمضة ، ومعلوم وصولها إلى جوفه ، ولا حكم لها كذلك والأجزاء الباقية في فمه هي بمنزلة ما وصفنا ، ألا ترى أن من أكل بالليل سويقا أنه لا يخلو إذا أصبح من بقاء شيء من أجزائه بين أسنانه ، ولم يأمره أحد بتقصي إخراجها بالأخلة والمضمضة ؟ فدل ذلك على أن تلك الأجزاء لا حكم لها .
وأما الذباب الواصل إلى جوفه من غير إرادته ، فإنما لم يفطره من قبل أن ذلك في العادة غير متحفظ منه ، ألا ترى أنه لا يؤمر بإطباق الفم وترك الكلام خوفا من وصوله إلى جوفه ؟ فأشبه الغبار والدخان يدخل إلى حلقه فلا يفطره .
وليس هو بمنزلة من أوجر ماء وهو صائم مكرها فيفطر ، من قبل أنه ليس للعادة في هذا تأثير ؛ وإنما بينا حكم وصول الذباب إلى جوفه معلوما على العادة في فتح الفم بالكلام ، وما كان مبنيا على العادة مما يشق الامتناع عنه فقد خفف الله عن العباد فيه ، قال الله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) .
وأما الجنابة فإنها غير مانعة من صحة الصوم ، لقوله : ( فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) فأطلق الجماع من أول الليل إلى آخره ، ومعلوم أن من جامع في آخر الليل فصادف فراغه من الجماع طلوع الفجر أنه يصبح جنبا ، وقد حكم الله بصحة صيامه بقوله : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) .
وروت عائشة وأم سلمة : أن « رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم يومه ذلك » .
وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ثلاث لا يفطرن الصائم : القيء ، والحجامة ، والاحتلام » وهو يوجب الجنابة ، وحكم النبي عليه السلام مع ذلك بصحة صومه ، فدل على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم .
وقد روى أبو هريرة خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أصبح جنبا فلا يصومن يومه ذلك » إلا أنه لما أخبر برواية عائشة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا علم لي بهذا أخبرني به الفضل بن العباس ، وهذا مما يوهن خبره ؛ لأنه قال بديا : ما أنا قلت ورب الكعبة " من أصبح جنبا فقد - ص 271 - أفطر " محمد قال ذلك ورب الكعبة وأفتى السائل عن ذلك بالإفطار ، فلما أخبر برواية عائشة وأم سلمة تبرأ من عهدته وقال : لا علم لي بهذا إنما أخبرني به الفضل .
وقد روي عن أبي هريرة الرجوع عن فتياه بذلك ؛ حدثنا عبد الباقي قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل قال : حدثنا ابن شبابة قال : حدثنا عمرو بن الهيثم قال : حدثنا هشام عن قتادة عن سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة رجع عن الذي كان يفتي من أصبح جنبا فلا يصوم . وعلى أنه لو ثبت خبر أبي هريرة احتمل أن لا يكون معارضا لرواية عائشة وأم سلمة ، بأن يريد : " من أصبح على موجب الجنابة بأن يصبح مخالطا لامرأته " ومتى أمكننا تصحيح الخبرين واستعمالهما معا استعملناهما على ما أمكن من غير تعارض .
فإن قيل جائز أن يكون رواية عائشة وأم سلمة مستعملة فيما وردت بأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بذلك دون أمته ؛ لأنهما أضافتا ذلك إلى فعله ؛ وخبر أبي هريرة مستعمل في سائر الناس .
قيل له : قد عقل أبو هريرة من روايته مساواة النبي صلى الله عليه وسلم لغيره في هذا الحكم ؛ لأنه قال حين سمع رواية عائشة وأم سلمة : " لا علم لي بهذا وإنما أخبرني به الفضل بن العباس ولم يقل إن رواية هاتين المرأتين غير معارضة لروايتي ؛ إذ كانت روايتهما مقصورة على حال النبي صلى الله عليه وسلم وروايتي إنما هي في غيره من الناس ؛ فهذا يبطل تأويلك .
وأيضا فإنه صلى الله عليه وسلم مساو للأمة في سائر الأحكام إلا ما خصه الله تعالى به وأفرده من الجملة بتوقيف للأمة عليه بقوله تعالى : ( واتبعوه ) وقوله : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) .
فهذه الأمور التي ذكرنا مما تعبدنا فيه بالإمساك عنه في نهار رمضان ، هي من الصوم المراد به في قوله تعالى : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل وقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فهي إذا من الصوم اللغوي والشرعي جميعا .
وأما ما ليس بإمساك مما وصفنا ، فإنما هو من شرائطه ، ولا يكون الإمساك على الوجوه التي ذكرنا صوما شرعيا إلا بوجود هذه الشرائط ، وذلك الإسلام والبلوغ والنية وأن تكون المرأة غير حائض ، فمتى عدم شيء من هذه الشرائط خرج عن أن يكن صوما شرعيا .
وأما الإقامة والصحة فهما شرط صحة لزومه ، ووجود المرض والسفر لا ينافي صحة الصوم وإنما ينافي لزوم الصوم على جهة الوجوب ، ولو صاما لصح صومهما . وإنما قلنا : البلوغ شرط في صحة لزومه ؛ لقول - ص 272 - النبي صلى الله عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى يحتلم » ولا خلاف أنه لا يلزمه سائر العبادات ، فكذلك الصوم .
وقد يؤمر به المراهق على وجه التعليم ليعتاده وليمرن عليه لقوله تعالى : ( قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) قيل في التفسير : أدبوهم وعلموهم ؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها لعشر » وليس ذلك على وجه التكليف ، وإنما هو على وجه التعليم والتأديب .
وأما الإسلام فإنما كان شرطا في صحة فعله لقوله تعالى : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) فلا يصح له قربة إلا على شرط كونه مؤمنا

المراجع

[http://feqh.al-islam.com/Page.aspx?pageid=278&TOCID=2&BookID=53&PID=156 موسوعة الإسلام ]

التصانيف

المعرفة-الفقه