الجزء الأول - وفيها حكم آخر : ومن الناس من يقول إنه إذا لم يكن عالما بدخول الشهر لم يجزه صومه ، ويحتج بقوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) قال : فإنما ألزم الفرض - ص 262 - على من علم به ؛ لأن قوله ( فمن شهد ) بمعنى شاهد وعلم ، فمن لم يعلم فهو غير مؤد لفرضه ، وذلك كنحو من يصوم رمضان على شك ثم يصير إلى اليقين ولا اشتباه ، كالأسير في دار الحرب إذا صام شهرا فإذا هو شهر رمضان ، فقالوا : لا يجزئ من كان هذا وصفه ؛ ويحكى هذا القول عن جماعة من السلف .

وعن مالك والشافعي فيه قولان : أحدهما : أنه يجزئ ، والآخر : أنه لا يجزئ . وقال الأوزاعي في الأسير إذا أصاب عين رمضان : " أجزأه " وكذلك إذا أصاب شهرا بعده . وأصحابنا يجيزون صومه بعد أن يصادف عين الشهر أو بعده ، ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أنه إذا تحرى شهرا وغلب على ظنه أنه رمضان ثم صار إلى اليقين ولا اشتباه أنه رمضان أنه يجزيه ، وكذلك إذا تحرى وقت صلاة في يوم غيم وصلى على غالب الظن ثم تيقن أنه الوقت يجزيه .

وقوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وإن احتمل العلم به فغير مانع من جوازه ، وإن لم يعلم به ، من قبل أن ذلك إنما هو شرط في لزومه ومنع تأخيره ، وأما نفي الجواز فلا دلالة فيه عليه ، ولو كان الأمر على ما قال من منع جوازه لوجب أن لا يجب على من اشتبهت عليه الشهور ، وهو في دار الحرب ولم يعلم برمضان القضاء ؛ لأنه لم يشاهد الشهر ، ولم يعلم به ، فلما اتفق المسلمون على لزوم القضاء على من لم يعلم بشهر رمضان دل ذلك على أنه ليس شرط جواز صومه العلم به كما لم يكن شرط وجوب قضائه العلم به ، ولما كان من وصفنا من فقد علمه بالشهر شاهدا له في باب لزومه قضاءه إذا لم يصم ،

وجب أن يكون شاهدا له في باب جواز صومه متى صادف عينه وأيضا إذا احتمل قوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر ) أن يعني به كونه من أهل التكليف في الشهر على ما تقدم بيانه ، فواجب أن يجزيه على أي حال شهد الشهر ، وهذا شاهد للشهر من حيث كان من أهل التكليف ، فاقتضى ظاهر الآية جوازه وإن لم يكن عالما بدخوله . واحتج أيضا من أبى جوازه عند فقد العلم بقوله عليه السلام « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين » قالوا : فإذا كان مأمورا بفعل الصوم لرؤية متقدمة ، فإنه متى لم يره أن يحكم به أنه من شعبان فغير جائز له صومه مع الحكم به من شعبان ؛ إذ كان صوم شعبان غير مجزئ عن رمضان .

وهذا أيضا غير مانع جوازه كما لا يمنع وجوب القضاء إذا علم بعد ذلك أنه من رمضان ؛ وإنما كان محكوما بأنه من شعبان على شرط فقد العلم ، فإذا علم بعد ذلك أنه من رمضان فمتى علم أنه من رمضان فهو محكوم له به من الشهر - ص 263 - وينتقض ما كنا حكمنا به بديا من أنه من شعبان فكان حكمنا بذلك منتظرا مراعى ، وكذلك يكون صوم يومه ذلك مراعى ؛ فإن استبان أنه من رمضان أجزأه وإن لم يستبن له فهو تطوع .

فإن قيل : وجوب قضائه إذا أفطر فيه غير دال على جوازه إذا صامه ؛ لأن الحائض يلزمها القضاء ولم يدل وجوب القضاء على الجواز قيل له : إذا كان المانع من جواز صومه فقد العلم به ، فواجب أن يكون هذا المعنى بعينه مانعا من لزوم قضائه إذا أفطر فيه كالمجنون والصبي ؛ لأنك زعمت أن المانع من جوازه كونه غير شاهد للشهر وغير عالم به ، ومن لم يشهد الشهر فلا قضاء عليه إن كان حكم الوجوب مقصورا على من شهده دون من لم يشهده ، ولا يختلف على هذا الحد حكم الجواز إذا صام وحكم القضاء إذا أفطر .

وأما الحائض فلا يتعلق عليها حكم تكليف الصوم من جهة شهودها للشهر وعلمها به ؛ لأنها مع علمها به لا يجزيها صومه ، ولم يتعلق مع ذلك وجوب القضاء بإفطارها ؛ إذ ليس لها فعل في الإفطار ؛ فلذلك لم يجب سقوط القضاء عنها من حيث لم يجزها صومها .


المراجع

[http://feqh.al-islam.com/Page.aspx?pageid=278&TOCID=2&BookID=53&PID=153 موسوعة الإسلام ]

التصانيف

المعرفة-الفقه