الجزء الأول - باب الغلام يبلغ والكافر يسلم في بعض رمضان قال الله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وقد بينا أن المراد شهود بعضه . واختلف الفقهاء في الصبي يبلغ في بعض رمضان أو الكافر يسلم ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس في الموطأ وعبيد الله بن الحسن والليث والشافعي : " يصومان ما بقي ، وليس عليهما قضاء ما مضى ولا قضاء اليوم الذي كان فيه البلوغ أو الإسلام " .
وقال ابن وهب عن مالك : " أحب إلي أن يقضيه " . وقال الأوزاعي في الغلام إذا احتلم في النصف من رمضان : " إنه يقضي ما مضى منه ، فإنه كان يطيق الصوم " وقال في الكافر إذا أسلم : " لا قضاء عليه فيما مضى " . وقال أصحابنا : " يستحب لهما الإمساك عما يمسك عنه الصائم في اليوم الذي كان فيه الاحتلام أو الإسلام " . قال أبو بكر رحمه الله تعالى : قال الله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وقد - ص 260 - بينا معناه ، وأن كونه من أهل التكليف شرط في لزومه ، والصبي لم يكن من أهل التكليف قبل البلوغ ، فغير جائز إلزامه حكمه .
وأيضا الصغر ينافي صحة الصوم ، لأن الصغير لا يصح صومه وإنما يؤمر به على وجه التعلم ، وليعتاده ويمرن عليه ، ألا ترى أنه متى بلغ لم يلزمه قضاء الصلاة المتروكة ولا قضاء الصيام المتروك في حال الصغر ؟ فدل ذلك على أنه غير جائز إلزامه القضاء فيما تركه في حال الصغر ، ولو جاز إلزامه قضاء ما مضى من الشهر لجاز إلزامه قضاء الصوم للعام الماضي إذا كان يطيقه ، فلما اتفق المسلمون على سقوط القضاء للسنة الماضية مع إطاقته للصوم ، وجب أن يكون ذلك حكمه في الشهر الذي أدرك في بعضه .
وأما الكافر فهو في حكم الصبي من هذا الوجه لاستحالة تكليفه للصوم إلا على شرط تقديم الإيمان ومنافاة الكفر لصحة الصوم ، فأشبه الصبي ؛ وليسا كالمجنون الذي يفيق في بعض الشهر في إلزامه القضاء لما مضى من الشهر ؛ لأن الجنون لا ينافي صحة الصوم ، بدلالة أن من جن في صيامه لم يبطل صومه ؛ وفي هذا دليل على أن الجنون لا ينافي صحة صومه ، وأن الكفر ينافيها فأشبه الصغير من هذا الوجه ، وإن اختلفا في باب استحقاق الكافر العقاب على تركه ، والصغير لا يستحقه .
ويدل على سقوط القضاء لما مضى عمن أسلم في بعض رمضان قوله تعالى : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) وقوله صلى الله عليه وسلم : « الإسلام يجب ما قبله والإسلام يهدم ما قبله » . وإنما قال أصحابنا : يمسك المسلم في بعض رمضان والصبي بقية يومهما عن الأكل والشرب ، من قبل أنه قد طرأ عليهما ، وهما مفطران حال لو كانت موجودة في أول النهار كانا مأمورين بالصيام ،
فواجب أن يكونا مأمورين بالإمساك في مثله إذا كانا مفطرين ؛ والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء فقال : « من أكل فليمسك بقية يومه ، ومن لم يأكل فليصم » وروي أنه أمر الآكلين بالقضاء وأمرهم بالإمساك مع كونهم مفطرين ؛ لأنهم لو لم يكونوا قد أكلوا لأمروا بالصيام ، فاعتبرنا بذلك كل حال تطرأ عليه في بعض النهار ، وهو مفطر بما لو كانت موجودة في أوله كيف يكون حكمه ؛ فإن كان مما يلزمه بها الصوم أمر بالإمساك ، وإن كان مما لا يلزمه لم يؤمر به ؛ ومن أجل ذلك قالوا في الحائض إذا طهرت في بعض النهار ، والمسافر إذا قدم ،
وقد أفطر في سفره ، إنهما مأموران بالإمساك ؛ إذ لو كانت حال الطهر - ص 261 - والإقامة موجودة في أول النهار كانا مأمورين بالصيام ، وقالوا : لو حاضت في بعض النهار لم تؤمر بالإمساك إذ الحيض لو كان موجودا في أول النهار لم تؤمر بالصيام . فإن قيل : فهلا أبحت لمن كان مقيما في أول النهار ثم سافر أن يفطر ؛ لأن حال السفر لو كانت موجودة في أول النهار ثم سافر كان مبيحا للإفطار ، قيل له : لم نجعل ما قدمنا علة للإفطار ولا للصوم ، وإنما جعلناه علة لإمساك المفطر ، فأما إباحة الإفطار وحظره فله شرط آخر غير ما ذكرنا .
المراجع
[http://feqh.al-islam.com/Page.aspx?pageid=278&TOCID=2&BookID=53&PID=151 موسوعة الإسلام
]
التصانيف
المعرفة-الفقه