الجزء الأول - وحكى علي بن موسى القمي أن داود الأصفهاني قال : " يجب على من أفطر يوما من رمضان لعذر أن يصوم الثاني من شوال ، فإن ترك صيامه فقد أثم وفرط " فخرج بذلك عن اتفاق السلف والخلف معا وعن ظاهر قوله تعالى : ( فعدة من أيام أخر ) وقوله : ( ولتكملوا العدة ) وخالف السنن التي روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ؛ قال علي بن موسى : فقلت له : لم قلت ذلك ؟ قال : لأنه إن لم يصم اليوم الثاني من شوال فمات فكل أهل العلم يقولون إنه آثم مفرط فدل ذلك على أن عليه أن يصوم ذلك اليوم ؛ لأنه لو كان موسعا له أن يصومه بعد ذلك ما لزمه التفريط إن مات من ليلته .

قال : فقلت له : ما تقول في رجل وجب عليه عتق رقبة فوجد رقبة تباع بثمن موافق ، هل له أن يتعداها ويشتري غيرها ؟ فقال : لا فقلت : لم ؟ قال : لأن الفرض عليه أن يعتق أول رقبة يجدها ، فإذا وجد رقبة لزمه الفرض فيها ، وإذا لزمه في أول رقبة لم يجزه غيرها إذا كان واجدا لها . فقلت : فإن اشترى رقبة غيرها وهو واجد للأولى ؟ فقال : لا يجزيه ذلك .

قلت : فإن كان عنده رقبة فوجب عليه عتق رقبة هل يجزيه أن يشتري غيرها ؟ قال : لا فقلت : لأن العتق صار عليه فيها دون غيرها ؟ فقال : نعم فقلت : فما تقول إن ماتت هل يبطل عنه العتق كما أن من نذر أن يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره ؟ فقال : لا بل عليه أن يعتق غيرها ؛ لأن هذا إجماع فقلت : وكذلك من وجب عليه رقبة بالإجماع أن له أن يعتق غيرها .

فقال : عمن تحكي هذا الإجماع ؟ فقلت له : وعمن تحكي أنت الإجماع الأول ؟ فقال : الإجماع لا يحكى . فقلت : والإجماع الثاني أيضا لا يحكى وانقطع .

قال أبو بكر : وجميع ما قاله داود من تعيين فرض القضاء باليوم الثاني من شوال وأن من وجب عليه رقبة فوجدها أنه لا يتعداها إلى غيرها خلاف إجماع المسلمين كلهم ، وما ادعاه على أهل العلم بأنهم يجعلونه مفرطا إذا مات ، وقد أخره عن اليوم الثاني فليس كما ادعى ، فإن من جعل له التأخير إلى آخر السنة لا يجعله مفرطا بالموت ؛ لأن السنة كلها إلى أن يجيء رمضان ثان وقت القضاء موسع له في التأخير كوقت الصلاة أنه لما كان موسعا عليه في التأخير من أوله إلى آخره لم يكن مفرطا بتأخيره إن مات قبل مضي الوقت ، فكذلك يقولون في قضاء رمضان .

- ص 294 - فإن قيل : لو لم يكن مفرطا لما لزمته الفدية إذا مات قبل مضي السنة ولم يقضه . قيل له : ليس لزوم الفدية علما للتفريط ؛ لأن الشيخ الكبير يلزمه الفدية مع عدم التفريط ، وقول داود " الإجماع لا يحكى " خطأ ، فإن الإجماع يحكى كما تحكى النصوص ،

وكما يحكى الاختلاف ، فإن أراد بذلك أن كل واحد من المجمعين لا يحتاج إلى حكاية أقاويلهم بعد أن ينشر القول عن جماعة منهم وهم حضور يسمعون ولا يخالفون ، فإن ذلك على ما قال ؛ ومع ذلك لا يجوز إطلاق القول بأن الإجماع لا يحكى ؛ لأن من الإجماع ما يحكى فيه أقاويل جماعتهم فيكون ما يحكيه من إجماعهم حكاية صحيحة ، ومنه ما يحكى أقاويل جماعة منهم منتشرة مستفيضة مع سماع الآخرين لها وترك إظهار المخالفة ، فهذا أيضا إجماع يحكى ؛ إذ كان ترك الآخرين إظهار النكير والمخالفة قائما مقام الموافقة ؛ فهذان الضربان من إجماع الخاصة والفقهاء يحكيان جميعا .

وإجماع آخر ، وهو ما تشترك فيه الخاصة والعامة كإجماعهم على تحريم الزنا والربا ووجوب الاغتسال من الجنابة والصلوات الخمس ونحوها ، فهذه أمور قد علم اتفاق المسلمين عليها وإن لم يحك عن كل واحد منهم بعينه اعتقاده والتدين به ؛ فإن عني هذا الضرب من الإجماع فقد يسوغ أن يقال : إن مثله لا يحكى ، وقد يسوغ أن يقال : إن هذا الضرب أيضا يحكى لعلمنا بإجماع أهل الصلاة على اعتقاده والتدين به ، فجائز أن يحكى عنهم اعتقادهم لذلك والتدين به وأنهم مجمعون عليه ، كما إذا ظهر لنا إسلام رجل وإظهار اعتقاده الإيمان أن يحكى عنه أنه مسلم ؛ وقال الله تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) وبالله التوفيق .


المراجع

[http://feqh.al-islam.com/Page.aspx?pageid=278&TOCID=2&BookID=53&PID=165 موسوعة الإسلام ]

التصانيف

المعرفة-الفقه