تاريخ الاستشهاد : 16 - 02 -2003

من قيادة العمل الجماهيري في حي الزيتون إلى صفوف القسام

ولد شهيدنا محمد بتاريخ 8/2/1979 لأسرة متديّنة ، التزم بتعاليم الإسلام منذ صغره و نعومة أظافره ، لم يعهد عليه المشاكل و العصيان و الانحراف.

لم يكن شهيدنا محمد اسماعيل سلمي الشهيد الأول الذي تقدّمه عائلة سلمي خلال انتفاضة الاقصى المباركة منذ اندلاعها في سبتمبر 2000 ، فقد سبق و أن قدّمت الشهيد القائد القسامي عوض سلمي "أبو مجاهد" في بداية الانتفاضة و تحديداً في الثالث من ديسمبر 2000 خلال قيامه بزرع عبوة موجّهة قرب جبل المنطار بعد تاريخ جهاديّ حافل ، تلاه الشهيد المجاهد محمد أكرم سلمي و الذي استشهد برصاص ذوي القربى من السلطة الفلسطينية في عام 2001 عندما حاولت فرض الإقامة الجبرية على شيخ المجاهدين الشيخ أحمد ياسين فتصدّت لها جماهير الشعب الفلسطيني فأطلقت النار عليهم مما أدّى إلى استشهاد محمد ، و أكمل الثلاثية شهيدنا محمد إسماعيل سلمي "أبو إسماعيل".

التزم منذ صغره برفقة والده الشيخ إسماعيل سلمي في مسجد الصديقين بحيّ الزيتون و هو المسجد الذي احتضن القائد القسامي الحاج ياسين نصار ، و نجله الشهيد المجاهد محمد ، و خرّج العديد من مجاهدي و مطاردي القسّام ، و شارك شهيدنا محمد في كافة نشاطات المسجد المختلفة و كان ذو نشاط و همّة عالية بين إخوانه مما دفع بقيادة منطقة الزيتون أن توكِل إليه مهمة إمارة المسجد و كان عند حسن الظن به.

كان محمد مثالاً للأخلاق الحميدة ، حيث أنهى دراسته الثانوية من المدارس التابعة للحكومة بتفوقٍ و امتياز ، إلا أن عمله للإسلام و المسلمين شغله عن إكمال و مواصلة تعليمه الجامعي فكان جلّ وقته للعمل في خدمة دعوته المباركة .

التحق شهيدنا محمد بصفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس ، و شارك بفعالية في كافة نشاطات العمل الجماهيري للحركة في منطقة الزيتون ، بحيث لم يترك مسيرة تشييع لشهيد إلا و كان على رأس المشاركين فيها من خلال ترأسه لسيارة الإذاعة فيها الخاصة بحركة حماس ، أو قيادة الفعاليات المختلفة في الانتفاضة خاصة في بدايتها ، و ترأس العمل الجماهيري في حيّ الزيتون ، و في هذه الأثناء انتقل شهيدنا محمد للالتزام من مسجد الصديقين إلى مسجد مصعب بن عمير و هو المسجد الذي شهد العملية النوعية و المشهودة للقائد القساميّ عماد عقل عام 1993 و التي أسفرت عن مقتل ثلاثة من الصهاينة ، و هو ذات المسجد الذي تخرّج منه العديد من شهداء القسام على رأسهم (صقر البل ، محمد فتوح ، مفيد البل) إضافة إلى الشهيد قائد لواء العاصفة في فتح محمد كشكو أبو كفاح.

مع القائد عوض سلمي :

تعرّف شهيدنا محمد منذ صغره على القائد القسامي الشهيد "عوض سلمي" بحكم القرابة بينهما ، بحيث تربّى على يدِ أبو مجاهد الذي كان يعمل لدى والد محمد في مهنة الخياطة ، و كم تأثّر شهيدنا محمد عندما أقدمت سلطة الحكم الذاتي على الزج بالقائد عوض في غياهب السجون لمدة زادت على الأربع سنوات ظلماً و بهتاناً ، فلم يطق ذلك فكان دائماً على رأس الزائرين له في السجن ، و ذكر بعض المقرّبين من شهيدنا محمد أن للقائد عوض الفضل الكبير في دفعه للعمل العسكري – رغم استشهاد عوض المبكر في بداية الانتفاضة – حيث كان محمد يعتبر أبو مجاهد القدوة الأولى له.

و من شدة حزنه على فراق أبي مجاهد بعد استشهاده خلال زرعه لعبوة ناسفة موجّهة على جبل المنطار ، أصر محمد في عرس استشهاد القائد عوض على التحدث باسم عائلة سلمي بكلمة حماسية جهادية ألهبت مشاعر الحضور و قال فيها "قسماً لألحقن بك يا أبا مجاهد".

و بعد انتهاء العزاء حرص و بشكلٍ مستمر على زيارة أبناء الشهيد عوض في منزلهم و الاطمئنان عليهم و تفقّد أحوالهم و بالذات مجاهد نجل الشهيد.

الاعتقالات و المضايقة :

نظراً لنشاطه الملحوظ في العمل الجماهيري ضمن صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس في منطقة حيّ الزيتون تعرّض للاعتقال من قبل سلطة الحكم الذاتي ثلاث مرات في اعوام 96 ، 97 ، 98 .. و تعرّض للمضايقات من أجل ثنيه على وقف نشاطه إلا أن ذلك لم يثنه عن مواصلة عمله.

و لم يقتصر الأمر على ذلك بل وصل إلى ملاحقته في الشارع من أجل إلقاء القبض عليه و اعتقاله خاصة في المناسبات حيث يكثر النشاط الإعلامي و العمل الجماهيري .

تزوّج شهيدنا من ابنة عمه عام 2001 ، و شاءت الأقدار أن يكون يوم زفافه يوم قيام السلطة الفلسطينية بمحاولة فرض الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين ، و قد حاول أهله منعه من الخروج للمشاركة في منع السلطة من فرض الإقامة على الشيخ ياسين كونه عريساً جديداً ، إلا أنه أصر على الخروج.

كان حريصاً على معرفة أخبار الفن الإسلامي و الفرق و المنشدين خاصة المنشد الإسلامي الكبير "محمد أبو راتب" ، و كان شغوفاً بأنشودة "إيه أمي لو أراكي" لدرجة أنه أنشدها في يوم عرسه و أمه تزفه عريساً لعروسه.

رفيق الشهداء :

كان من أعز أصدقائه الشهداء القسّاميين (محمد الدحدوح ، سمير عباس ، القائدين زاهر و ياسين نصار) إضافةً إلى علاقته المتميزة مع القائد القسامي نضال فرحات ، و كم تأثر شهيدنا محمد عندما سمع خبر استشهاد أخيه و رفيق دربه محمد الدحدوح أثناء قيامه بواجبه الجهادي في حيّ الزيتون برفقة الشهداء "سمير عباس ، أحمد الدهشان ، صلاح نصار، حسين شهاب" ، و تمنّى لو كان معه أو استشهد بدلاً منه ، و لم يكن يدري أنه سيلحق به بعد فترة وجيزة.

التحق شهيدنا محمد في صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام و شارك في التصدّي للاجتياحات الصهيونية المتكرّرة على حيّ الزيتون و الشجاعية ، إلا أن ذلك لم يظهر للعيان فقد كان كتوماً لا يتحدّث كثيراً.

عائلة الشهيد أوضحت أنها لم تلحظ أي اختلاف في تصرّفات نجلها محمد قبيل استشهاده فكان سلوكه عادياً ، إلا أن جدّه قال : "شعرت أن حفيدي محمد يودّع الدنيا في الأيام الأخيرة من حياته من خلال ابتساماته المتكرّرة ، إضافة إلى قيامه بشراء الهدايا لأمه و زوجته و أخواته ، و كذلك حرص على تقبيل يدي كلما دخل البيت أو خرج منه".

و قبل استشهاده بأيام كتب كافة الديون المستحقة عليه و المتعلّقة به لزوجته و بعض الأفراد فتيقّن أهله أن محمد على موعد قريب مع الشهادة.

الاستشهاد :

عصر يوم الأحد 16/2/2003 تسلّم القائد نضال فرحات الجزء الثاني من طائرة صغيرة ضمن استعدادات الكتائب لتطوير عملياتها ضد قوات الاحتلال و انطلق إلى منزل يقع في حيّ الزيتون بمدينة غزة.

و بحسب مصادر مطلعة فقد تسلّم نضال الجزء الأول من الطائرة قبل فترة بسلامٍ من قبل مورد للسلاح داخل فلسطين المحتلة عام 48 ، رغم الشكوك التي ساورت نضال حول مورد الطائرة نتيجة أحداث سابقة لكنه مضى بسيارته لفحصها و وصل إلى منزل في حيّ الزيتون و تصادف وجود مجموعتين من كتائب القسام في نفس المكان أحدهما القائد نصار ، رفض نضال كلّ محاولات إخوانه السماح لهم بفحصها قبله لكن القائد فرحات أبى إلا فحصها بنفسه ، و بحسب مقرّبين منه فقد كان يجمع قطع الطائرة وفقاً لارشادات مرسلها على الهاتف النقال الذي شدّد عليه أنه يجب عليه هو أن يقوم بتجميعها .. اطمأن نضال إلى الطائرة قليلاً و اقترب القائد نصار و إخوانه المجاهدين من فرحات ، فقد كانوا فرحين بها لدرجة أنها ألهتهم عن الإجراءات الوقائية المتبعة عادة في مثل هذه القضايا ، في هذه الأثناء كانت طائرة مراقبة صهيونية تجوب سماء المنطقة.

لحظات و حدث الانفجار بفعل عبوة ناسفة متطوّرة زرعت فيها يبدو أنها تلقّت إشارات من الطائرة و أودى الانفجار بحياة كلّ من القائد نصار و القائد فرحات من حيّ الشجاعية و القائد أيمن إبراهيم مهنا من حيّ الشيخ رضوان من قادة كتائب القسام و الشهيد محمد إسماعيل سلمي الذي كانت إصابته في الرقبة و الرأس و الجبين الأيسر من الشظايا المتناثرة ، و مفيد عوض البل و إياد فرج شلدان .. و جميعهم من حي الزيتون.

مورد السلاح الذي ساعد في جريمة الاغتيال تعرفه قلة من قيادة كتائب القسام و بالتأكيد لن يفلت من العقاب القسامي و قبلهم عقاب من لا يغفل و لا ينام ، فقد اعتدى على مجموعة ممن جاهدوا لرفع لوائه و دينه و تحرير المقدسات الإسلامية.

الدكتور عبد العزيز الرنتيسي حمّل العدو الصهيوني و وزير جيشها الإرهابي شاؤول موفاز مسئولية اغتيال القسّاميين الستة ، و انتقد أي لقاءات مع شارون تجري في هذه الأوقات مشدداً أنه لا يجوز الالتقاء معه بينما يغتال أبناء شعبنا ليل نهار ، و مشدّدا أن حماس ستنتقم لدماء شهدائها . و أصدرت كتائب الشهيد عز الدين القسام بياناً نعت فيه كوكبة الشهداء الذين قضوا نحبهم غدراً في عملية اغتيال مدبرة.

50 ألف فلسطيني شيّعوا المجاهدين :

و شارك أكثر من 50 ألف فلسطيني بعد ظهر يوم الإثنين 17/2/2003 تقدّمهم أكثر من مائة مجاهد من المسلحين من أبناء كتائب الشهيد عز الدين القسام في مسيرة تشييع ستة من كوادر و أعضاء كتائب القسام.

و انطلقت عشرات الآلاف من الجماهير المحتشدة من الفلسطينيين في المسيرة من أمام مستشفى دار الشفاء بمدينة غزة و هم يحملون جثامين الشهداء الستة و في مقدّمتهم المئات من المسلحين الفلسطينيين و الشيخ المجاهد أحمد ياسين و الدكتور عبد العزيز الرنتيسى و الأستاذ إسماعيل هنية و عدد كبير من القادة العسكريين و السياسيين في الحركة ، و هم يحملون الرايات الخضراء و الأعلام الفلسطينية و شعارات حماس ، و توجّهت المسيرة باتجاه منازل الشهداء حيث ألقى ذووهم نظرة الوداع الأخيرة عليهم ، وسط صيحات الغضب المتوعدة بالانتقام و الثأر للشهداء و دموع الحزن على فراقهم.

و أدّى المشاركون صلاة الجنازة على أرواح الشهداء في المسجد العمرى الكبير بالمدينة ، و من ثم انطلق المشاركون باتجاه مقبرة الشيخ رضوان ، و هم يردّدون الهتافات المندّدة بالاحتلال و جرائمه البشعة ، فيما أطلق مئات المسلحين النار بكثافة في الهواء ، متوعّدين "بالانتقام" و تصعيد العمليات الاستشهادية في قلب الكيان الصهيوني.

و أكد الدكتور الرنتيسى أحد قادة حركة حماس في كلمة له عقب مواراة الشهداء الثرى : "سنواصل تدمير الدبابات و ليتبنّى من يتبنى" و بأن هذه الجماهير المحتشدة خرجت من بيوتها لتقول للمفاوضين لا للمفاوضات الهزلية نعم لاستمرار المقاومة و البندقية ، مؤكّداً أن المقاومة مستمرة و أن العمليات الاستشهادية و قصف المستوطنات بصواريخ القسام مستمر و لن يحول دون الوصول للأهداف الصهيونية حائل مهما كان.

و أكد رفضه لما يقوله التلفزيون الفلسطيني من أكاذيب و تفاهات بأن الشعب ملّ من الانتفاضة و أن الذين يفجّرون الدبابات و يطلقون صوريخ القسام و الهاون هدفهم تدمير منازل المواطنين و أراضيهم ، مشدّداً على أن الشعب الفلسطيني رضيَ بخيار الاستشهاد و المقاومة و أنه يرفض كلّ أشكال الانهزام من مفاوضات و ما يسمّى بالسلام.

و دفن جثمان الشهيد محمد سلمي في مقبرة الشهداء شرق المدينة بجوار قبر قائدئه و أستاذه نضال فرحات . و قدمت مجموعات مسلحة من كتائب القسام عروضاً عسكرياً بعد إتمام إجراءات عملية الدفن ، وسط صيحات التهليل و التكبير من قبل جموع المشاركين .. و لم تطلق الرصاص حفظاً لها لميدان الجهاد و مقاومة الاحتلال.


المراجع

موقع مملكة القصص الواقعية

التصانيف

قصص