الجزء الأول - باب الصيام في السفر قال الله تعالى : ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) في هذه الآية دلالة واضحة على أن الإفطار في السفر رخصة يسر الله بها علينا ، ولو كان الإفطار فرضا لازما لزالت فائدة قوله : ( يريد الله بكم اليسر ) فدل على أن المسافر مخير بين الإفطار وبين الصوم كقوله تعالى : ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) وقوله : ( فما استيسر من الهدي ) فكل موضع ذكر فيه اليسر ففيه الدلالة على التخيير .
وروى عبد الرحيم الجزري عن طاوس عن ابن عباس قال : " لا نعيب على من صام ولا على - ص 295 - من أفطر ؛ لأن الله قال : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) فأخبر ابن عباس أن اليسر المذكور فيه أريد به التخيير ، فلولا احتمال الآية لما تأولها عليه .
وأيضا فقال الله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ثم عطف عليه قوله : ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) فلم يوجب عليه الإفطار ولا الصوم ، والمسافر شاهد للشهر من وجهين : أحدهما : العلم به وحضوره ، والآخر : أنه من أهل التكليف ، فهذا يدل على أنه من أهل الخطاب بصوم الشهر ، وأنه مع ذلك مرخص له في الإفطار . وقوله : ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) معناه : فأفطر فعدة من أيام أخر ، كقوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام ) المعنى : فحلق ففدية من صيام .
ويدل على أن ذلك مضمر فيه اتفاق المسلمين على أن المريض متى صام أجزأه ولا قضاء عليه إلا أن يفطر ، فدل على أن الإفطار مضمر فيه . وإذا كان كذلك فذلك الضمير بعينه هو مشروط للمسافر كهو للمريض لذكرهم جميعا في الآية على وجه العطف ، وإذا كان الإفطار مشروطا في إيجاب العدة فمن أوجب على المسافر القضاء إذا صام فقد خالف حكم الآية . واتفقت الصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار على جواز صوم المسافر غير شيء يروى عن أبي هريرة أنه قال : " من صام في السفر فعليه القضاء " وتابعه عليه شواذ من الناس لا يعدون خلافا . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر المستفيض الموجب للعلم « بأنه صام في السفر » وثبت عنه أيضا إباحة الصوم في السفر ، منه حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : أن حمزة بن عمرو الأسلمي « قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أصوم في السفر ؟ فقال عليه السلام : إن شئت فصم وإن شئت فأفطر » وروى ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وأبو الدرداء وسلمة بن المحبق صيام النبي صلى الله عليه وسلم في السفر .
واحتج من أبى جواز صوم المسافر وأوجب عليه القضاء بظاهر قوله : ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) قالوا : فالعدة واجبة في الحالين ؛ إذ ليس في الآية فرق بين الصائم والمفطر ، وبما روى كعب بن عاصم الأشعري وجابر بن عبد الله وأبو هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ليس من البر الصيام في السفر » ، وبما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال : حدثنا إبراهيم بن منذر الحزامي قال : حدثنا عبد الله بن موسى التيمي عن أسامة بن زيد ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن - ص 296 - عبد الرحمن ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الصائم في السفر كالمفطر في الحضر » ، وبما روى أنس بن مالك القشيري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع » . فأما الآية فلا دلالة لهم فيها ، بل هي دالة على جواز صوم المسافر لما بيناه .
وأما ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال : « ليس من البر الصيام في السفر » فإنه كلام خرج عن حال مخصوصة ، فهو مقصور الحكم عليها ؛ وهي ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال : حدثنا شعبة عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ، عن محمد بن عمرو بن الحسن ، عن جابر بن عبد الله : أن « رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يظلل عليه والزحام عليه ، فقال : ليس من البر الصيام في السفر » .
فجائز أن يكون كل من روى ذلك فإنما حكى ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال ، وساق بعضهم ذكر السبب وحذفه بعضهم واقتصر على حكاية قوله عليه السلام . وقد ذكر أبو سعيد الخدري في حديثه أنهم صاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان ، ثم إنه قال لهم : « إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا » فكانت عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال أبو سعيد : لقد رأيتني أصوم مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وبعد ذلك ؛ حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا ابن وهب قال : حدثني معاوية عن ربيعة بن يزيد ، أنه حدثه عن قزعة قال : سألت أبا سعيد الخدري عن صيام رمضان في السفر ؛ وذكر الحديث .
فذكر أيضا في هذا الحديث علة أمره بالإفطار ، وأنها كانت ؛ لأنه أقوى لهم على قتال عدوهم وذلك ؛ لأن الجهاد كان فرضا عليهم ولم يكن فعل الصوم في السفر فرضا ، فلم يكن جائزا لهم ترك الفرض لأجل الفضل . وأما حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه ، فإن أبا سلمة ليس له سماع من أبيه ، فكيف يجوز ترك الأخبار المتواترة في جواز الصوم بحديث مقطوع لا يثبت عند كثير من الناس ؟ ومع ذلك فجائز أن يكون كلاما خرج على سبب وهو حال لزوم القتال ، مع العلم بالعجز عنه مع فعل الصوم ، فكان حكمه مقصورا على تلك الحال ؛ لمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولما يؤدي إليه من ترك الجهاد . وأما قوله : « إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع » فإنما يدل على أن الفرض لم يتعين عليه لحضور الشهر ، وأن له أن يفطر فيه ، ولا دلالة فيه على نفي الجواز إذا صامه كما لم ينف جواز صوم الحامل والمرضع .
المراجع
موسوعة الإسلام
التصانيف
المعرفة-الفقه