الجزء الأول - وقد اختلف في الشهادة على رؤية الهلال ، فقال أصحابنا جميعا تقبل في رؤية هلال رمضان شهادة رجل عدل إذا كان في السماء علة ، وإن لم تكن في السماء علة لم يقبل إلا شهادة الجماعة الكثيرة التي يوجب خبرها العلم " وقد حكي عن أبي يوسف أنه حد في ذلك خمسين رجلا .

وكذلك هلال شوال وذي الحجة إذا لم يكن بالسماء علة ، فإن كان بالسماء علة لم يقبل فيها إلا شهادة عدلين يقبل مثلهما في الحقوق . وقال مالك والثوري والأوزاعي والليث والحسن بن حي وعبيد الله : " لا يقبل في هلال رمضان وشوال إلا شهادة عدلين " . وقال المزني عن الشافعي : " إن شهد على رؤية هلال رمضان عدل واحد رأيت أن أقبله للأثر فيه ، والاحتياط والقياس في ذلك أن لا يقبل إلا شاهدان ، ولا أقبل على رؤية هلال الفطر إلا عدلين " .

قال أبو بكر : إنما اعتبر أصحابنا إذا لم يكن بالسماء علة شهادة الجمع الكثير الذين - ص 281 - يقع العلم بخبرهم ؛ لأن ذلك فرض قد عمت الحاجة إليه ، والناس مأمورون بطلب الهلال ، فغير جائز أن يطلبه الجمع الكثير ولا علة بالسماء مع توافي هممهم وحرصهم على رؤيته ، ثم يراه النفر اليسير منهم ولا يراه الباقون مع صحة أبصارهم وارتفاع الموانع عنهم ، فإذا أخبر بذلك النفر اليسير منهم دون كافتهم علمنا أنهم غالطون غير مصيبين ، فإما أن يكونوا رأوا خيالا فظنوه هلالا أو تعمدوا الكذب ؛ إذ جواز ذلك عليهم غير ممتنع .

وهذا أصل صحيح تقضي العقول بصحته وعليه مبنى أمر الشريعة ، والخطأ فيه يعظم ضرره ويتوصل به الملحدون إلى إدخال الشبهة على الأغمار والحشو وعلى من لم يتيقن ما ذكرنا من الأصل ؛ ولذلك قال أصحابنا : " ما كان من أحكام الشريعة بالناس حاجة إلى معرفته فسبيل ثبوته الاستفاضة والخبر الموجب للعلم ، وغير جائز إثبات مثله بأخبار الآحاد ، نحو إيجاب الوضوء من مس الذكر ومس المرأة والوضوء مما مست النار والوضوء مع عدم تسمية الله عليه " فقالوا : لما كانت البلوى عامة من كافة الناس بهذه الأمور ونظائرها ، فغير جائز أن يكون فيه حكم الله تعالى من طريق التوقيف إلا وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ووقف الكافة عليه ، وإذا عرفته الكافة فغير جائز عليها ترك النقل والاقتصار على ما ينقله الواحد منهم بعد الواحد ؛ لأنهم مأمورون بنقله ،

وهم الحجة على ذلك المنقول إليهم ، وغير جائز لها تضييع موضع الحجة ؛ فعلمنا بذلك أنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف في هذه الأمور ونظائرها . وجائز أن يكون كان منه قول يحتمل المعاني فحمله الناقلون الأفراد على الوجه الذي ظنوه دون الوجه الآخر ، نحو الوضوء من مس الذكر يحتمل غسل اليد على نحو قوله عليه السلام : « إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده » .

وقد بينا أصل ذلك في أصول الفقه . وبتضييع هذا الأصل دخلت الشبهة على قوم في انتحالهم القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على رجل بعينه واستخلفه على الأمة ، وأن الأمة كتمت ذلك ، وأخفته ؛ فضلوا وأضلوا وردوا معظم شرائع الإسلام ، وادعوا فيه أشياء ليست لها حقيقة ولا ثبات لا من جهة نقل الجماعات ولا من جهة نقل الآحاد ، وطرقوا للملحدين أن يدعوا في الشريعة ما ليس منها ،

وسهلوا للإسماعيلية والزنادقة السبيل إلى استدعاء الضعفة والأغمار إلى أمر مكتوم زعموا حين أجابوهم إلى تجويز كتمان الإمامة مع عظمها في النفوس وموقعها من القلوب ، فحين سمحت نفوسهم بالإجابة إلى ذلك وضعوا لهم شرائع زعموا أنها من المكتوم ، وتأولوها تأويلات زعموا أن ذلك تأويل الإمام ، فسلخوهم من الإسلام - ص 282 - وأدخلوهم في مذهب الخرمية في حال والصابئين في أخرى على حسب ما صادفوا من قبول المستجيبين لهم وسماحة أنفسهم بالتسليم لهم ما ادعوه .

وقد علمنا أن مجوز كتمان ذلك لا يمكنه إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ولا تصحيح معجزاته وكذلك سائر الأنبياء ؛ لأن مثلهم مع كثرة عددهم واختلاف هممهم وتباعد أوطانهم إذا جاز عليهم كتمان أمر الإمامة فجائز عليهم أيضا التواطؤ على الكذب ؛ إذ كان ما يجوز فيه التواطؤ على الكتمان فجائز فيه التواطؤ على وضع خبر لا أصل له ، فيوجب ذلك أن لا نأمن أن يكون المخبرون بمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم كانوا متواطئين على ذلك كاذبين فيه كما تواطئوا على كتمان النص على الإمام .

ومن جهة أخرى أن الناقلين لمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين زعمت هذه الفرقة الضالة أنها كفرت ، وارتدت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بكتمانها أمر الإمام ، وأن الذين لم يرتدوا منهم كانوا خمسة أو ستة ، وخبر هذا القدر من العدد لا يوجب العلم ولا تثبت به معجزة ، وخبر الجم الغفير والجمهور الكثير منهم غير مقبول عندهم لجواز اجتماعهم عندهم على الكذب ، فصار صحة النقل مقصورة على العدد اليسير ، فلزمهم دفع معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وإبطال نبوته . فإن قيل أمر الأذان والإقامة ورفع اليدين في تكبير الركوع وتكبيرات العيدين وأيام التشريق مما عمت البلوى به ؛ وقد اختلفوا فيه ،

فكل من يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيئا فإنما يرويه من طريق الآحاد ، فلا يخلو حينئذ ذلك من أحد وجهين : إما أن يكون لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة مع عموم الحاجة إليه . وفي هذا ما يبطل أصلك الذي بنيت عليه من أن كل ما بالناس إليه حاجة عامة فلا بد أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف الأمة عليه ، أو أن يكون قد كان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة على شيء بعينه فلم تنقله حين ورد إلينا من طريق الآحاد ، وفي ذلك هدم قاعدتك أيضا في اعتبار نقل الكافة فيما عمت به البلوى قيل له : هذا سؤال من لم يضبط الأصل الذي بنينا عليه الكلام في المسألة ، وذلك أنا قلنا ذلك فيما يلزم الكافة ويكونون متعبدين فيه بفرض لا يجوز لهم تركه ولا مخالفته ، وذلك مثل الإمامة والفروض التي تلزم العامة ، أما ما ليس بفرض فهم مخيرون في أن يفعلوا ما شاءوا منه ، وإنما الخلاف بين الفقهاء فيه في الأفضل منه وليس على النبي صلى الله عليه وسلم توقيفهم على الأفضل مما خيرهم فيه ؛ وهذا سبيل ما ذكرت من أمر الأذان والإقامة وتكبير العيدين والتشريق ونحوها من الأمور التي نحن مخيرون فيها ، وإنما الخلاف بين الفقهاء في الأفضل منها ؛ فلذلك جاز ورود بعض الأخبار فيه من طريق الآحاد ، ويحمل الأمر على أن النبي صلى الله عليه وسلم - ص 283 - قد كان منه جميع ذلك تعليما منه وجه التخيير ، وليس ذلك مثل ما قد وقفوا عليه وحظر عليهم مجاوزته وتركه إلى غيره مع عموم بلواهم به ، فالذي ذكرناه من الخبر عن رؤية الهلال إذا لم تكن بالسماء علة من الأصل الذي قدمنا أن ما عمت به البلوي فسبيل وروده أخبار التواتر الموجبة للعلم ؛ وأما إذا كان بالسماء علة فإن مثله يجوز خفاؤه على الجماعة حتى لا يراه منهم إلا الواحد والاثنان من خلل السحاب إذا انجاب عنه لم يستره قبل أن يتبينه الآخرون ؛ فلذلك قبل فيه خبر الواحد والاثنين ولم يشترط فيه ما يوجب العلم .

وإنما قبل أصحابنا خبر الواحد في هلال رمضان ، لما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : « أنهم شكوا في هلال رمضان مرة فأرادوا أن لا يقوموا ولا يصوموا ، فجاء أعرابي من الحرة فشهد أنه رأى الهلال ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ قال : نعم وشهد أنه رأى الهلال ؛ فأمر بلالا أن ينادي في الناس ، فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا » . قال أبو داود : وأن يقوموا ، كلمة لم يقلها إلا حماد بن سلمة .

وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمود بن خالد وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي وأنا بحديثه أتقن قالا : حدثنا مروان بن محمد ، عن عبد الله بن وهب ، عن يحيى بن عبد الله بن سالم ، عن أبي بكر بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال : « تراءى الناس الهلال ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته ، فصام وأمر الناس بصيامه » .

وأيضا فإن صوم رمضان فرض يلزم من طريق الدين ، فإذا تعذر وجود الاستفاضة فيه وجب قبول أخبار الآحاد كأخبار الآحاد المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام الشرع الذي ليس من شرطه الاستفاضة ، ولذلك قبلوا خبر المرأة والعبد والمحدود في القذف إذا كان عدلا كما يقبل في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما عاضد القياس من الآثار المروية فيه .

وأما هلال شوال وذي الحجة فإنهم لم يقبلوا فيه إلا شهادة رجلين عدلين ممن تقبل شهادتهم في الأحكام ، لما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز قال : أخبرنا سعيد بن سليمان قال : حدثنا عباد عن أبي مالك الأشجعي قال : حدثنا حسين بن الحارث الجدلي من جديلة قيس ، أن أمير مكة خطب ثم قال « عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك لرؤية الهلال ، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا - ص 284 - بشهادتهما » فسألت الحسين بن الحارث : من أمير مكة ؟ فقال : لا أدري .

ثم لقيني بعد ذلك فقال : هو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب ثم قال الأمير : " إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني وشهد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأومأ بيده إلى رجل . قال الحسين : فقلت لشيخ إلى جنبي : من هذا الذي أومأ إليه الأمير ؟ قال : عبد الله بن عمر ؛ وصدق ، كان أعلم بالله منه فقال : بذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقوله « أمرنا أن ننسك لرؤية الهلال » إنما هو على صلاة العيد والذبح يوم النحر لوقوع اسم النسك عليهما دون صوم رمضان ؛ لأن الصوم لا يتناوله هذا الاسم مطلقا ، وقد يتناول الصلاة والذبح ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) فجعل النسك غير الصيام ؟ والدليل على أن النسك يقع على صلاة العيد حديث البراء بن عازب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم النحر : « إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح » ؛ فسمى الصلاة نسكا .

وقد سمى الله الذبح نسكا في قوله : ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ) وفي قوله : ( أو صدقة أو نسك ) فثبت بذلك أن قوله « عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك بشهادة شاهدي عدل » قد انتظم صلاة العيد للفطر والذبح يوم النحر ، فوجب أن لا يقبل فيه أقل من شاهدين ، ومن جهة أخرى أن الاستظهار بفعل الفرض أولى من الاستظهار بتركه ، فاستظهروا للفطر بشهادة رجلين لأن الإمساك فيما لا صوم فيه خير من الأكل في يوم الصوم .

فإن قيل : في هذا ترك الاستظهار ؛ لأنه جائز أن يكون يوم الفطر وقد شهد به شاهد ، فإذا لم تقبل شهادته واعتبرت الاستظهار برجلين فلست تأمن أن تكون صائما يوم الفطر ، وفيه مواقعة المحظور وضد الاحتياط .

قيل له : إنما حظر علينا الصوم فيه إذا علمنا أنه يوم الفطر ، فأما إذا لم يثبت عندنا أنه يوم الفطر فالصيام فيه غير محظور ، فإذا لم يثبت يوم الفطر ووقفنا بين فعل الصوم وتركه كان فعله أحوط من تركه لما بينا حتى يثبت أنه يوم الفطر بشهادة من يقطع الحقوق بشهادته .


المراجع

[http://feqh.al-islam.com/Page.aspx?pageid=278&TOCID=2&BookID=53&PID=159 موسوعة الإسلام ]

التصانيف

المعرفة-الفقه