الجزء الأول - باب من صام في السفر ثم أفطر وقد اختلف في من صام في السفر ثم أفطر من غير عذر ، فقال أصحابنا : " عليه القضاء ولا كفارة " وكذلك لو أصبح صائما ثم سافر فأفطر ، أو كان مسافرا فصام وقدم فأفطر ، فعليه القضاء في هذه الوجوه ولا كفارة عليه وذكر ابن وهب عن مالك في الصائم في السفر إذا أفطر : " عليه القضاء والكفارة " وقال مرة : " لا كفارة " .

وروى ابن القاسم عن مالك أن عليه الكفارة وقال : " لو أصبح صائما في حضره ثم سافر فأفطر فليس عليه إلا القضاء " وقال الأوزاعي : " لا كفارة على المسافر في الإفطار " .

وقال الليث : " عليه الكفارة " . قال أبو بكر : الأصل في ذلك أن كفارة رمضان تسقطها الشبهة ، فهي بمنزلة الحد ؛ والدليل على ذلك أنها لا تستحق إلا بمأثم مخصوص كالحدود ، فلما كانت الحدود تسقطها الشبهة كانت كفارة رمضان بمثابتها ، فإذا ثبت ذلك قلنا : إنه متى أفطر في حال السفر فإن وجود هذه الحال مانع من وجوب الكفارة ؛ لأن السفر يبيح الإفطار فأشبه عقد النكاح وملك اليمين في إباحتهما الوطء وإن كانا غير مبيحين لوطء الحائض ، إلا أنهم متفقون على أن وجود السبب المبيح للوطء في الأصل مانع من وجوب الحد .

وإن لم يبح هذا الوطء بعينه ، كذلك السفر وإن لم يبح الإفطار بعد الدخول في الصوم فإنه يمنع وجوب الكفارة ؛ إذ كان في الأصل قد جعل سببا لإباحة الإفطار ؛ فلذلك قلنا : إذا أفطر وهو مسافر فلا كفارة عليه وقد روى ابن عباس وأنس بن مالك وغيرهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في السفر بعدما دخل في الصوم » وذلك لتعليم الناس جواز الإفطار فيه ، فغير جائز فيما كان هذا وصفه إيجاب الكفارة على المفطر فيه .

ووجه آخر : وهو أنه لما لم يكن فعل الصوم مستحقا عليه في السفر أشبه الصائم في قضاء رمضان أو في صوم نذر أو كفارة ، فلا تجب عليه الكفارة بإفطاره فيه ؛ إذ كان لهبديا أن لا يصومه ، ولم يكن لزوم إتمامه بالدخول فيه موجبا عليه الكفارة عند الإفطار ، فكذلك المسافر إذا صام ثم أفطر ، وأما إذا أصبح مقيما ثم سافر فأفطر فهو كما وصفنا من وجود الحال المبيحة للإفطار وهي حال السفر ، كوجود النكاح وملك اليمين في إباحة الوطء وإن لم يبح وطء الحائض - ص 299 - فإن قيل : فهذا لم يكن له في ابتداء النهار ترك الصوم لكونه مقيما فينبغي أن يوجب عليه الكفارة ؛ إذ كان فعل الصوم مستحقا عليه في ابتداء النهار .

قيل له : لا يجب ذلك ؛ لأنه قد طرأ من الحال ما يمنع وجوب الكفارة وهو ما وصفنا ، وأما إذا كان مسافرا فقدم ثم أفطر فلا كفارة عليه ، لأنه قد كان له أن لا يصوم مبدئا فأشبه الصائم في قضاء رمضان وكفارة اليمين ونحوها .


المراجع

موسوعة الإسلام

التصانيف

المعرفة-الفقه