دأب التقليد على وصل الأصول بالفروع، والبحث عن التأثيرات والامتلاءات، و تقصي التناغمات و التشابهات، و التنقيب عن أسباب السكون والرتابة، والدوام والثبات: ثبات الحقائق ورسوخ المعارف وركود المؤسسات.

لطالما أبدى التقليد نفوره من مفهومات العتبة والقطيعة والفراغ والتحوّل كي ينشغل بتكريس الفعالية التركيبية للذات، والحفاظ على مفهوم مبسّط متناغم عن الهوية، و الإبقاء على الأنا كدوام ووحدة، و على التراث كتقليد واسترسال، وعلى التاريخ كامتداد وذاكرة. لذا ظل شغله الشاغل صون الاتصال و الدوام: دوام الهوية و خلودها، دوام الثوابت التي نركن إليها، واللغة التي نتكلمها، والعادات التي نألفها، و الحقائق التي نعتنقها، والعبارات التي نلوكها، والآراء التي نتداولها. ظل الاتصال مستقرا للذات تخلد عن طريقه إلى الهدنة واليقين والتصالح والاسترخاء الفكري.

قامت الحداثة ضد التقليد، ضد هذا التقليد. قامت لتفكيك الاتصال، وإبراز ما بـ”داخله” من انفصال. قامت لإظهار الانشطار داخل المواقع التي اعتبرت مواقع التماسك والوحدة بلا منازع، وأعني الوعي والذاكرة والهوية. لا يعني ذلك أنها جاءت لنفي التجذر التاريخي، وإلغاء الشعور بالتمايز، وإنما لإرساء تاريخ مغاير لا نتشبث فيه بإثبات نفس خالدة تسكننا، بل تاريخ يقوم على زمان لا يفصل فيه حاضر متحرك الماضي عن المستقبل، وإنما تمتد حركة التباعد فيه بحيث تطال الحاضر نفسه، وتمنعه من أن يحضر ويتطابق.

ربما ليست الحداثة، في نهاية الأمر إلا الوعي بهذه الحركة المتقطعة للزمن. إنها اللحظة التي يفقد فيها الانفصال عرضيته ليصبح من صميم الوجود، و يغدو نسيج الكائن ولحمة الزمن.

معنى هذا أن التحديث ليس مجرد التجديد. التجديد يقوم على مفهوم “تخارجي” عن الانفصال إن جاز التعبير.التجديد هو كل انسلاخ لجديد عن قديم. أما التحديث فهو “ظاهرة” متفردة بمقتضاها غدا الانفصال خاصية الكائن. في الحداثة لا يظل الانفصال علاقة بين طرفين، بين عاملين، بين مرحلتين، لا يبقى علاقة، وإنما يغدو خاصية: خاصية المعرفة، خاصية المجتمع، خاصية النص، خاصية الكائن. في الحداثة لا يتوسط الانفصال اتصالين، وإنما ينخر الاتصال ذاته. إنه ما يجعل الكائن لا ينفك يهرب عن ذاته وينسلخ عنها.

من أجل ذلك علينا أن نميز بين مفهومين عن الانفصال: مفهوم وضعي يفصل فصلا نهائيا بين مرحلة و أخرى، بين عامل و آخر، و مفهوم يريد أن يكون مضادا يجعل القطيعة انفصالا لا متناهيا ما يفتأ يتم. و ما ذلك إلا لأنه ينطلق من نفي ال “حضور” و التحقق النهائي. بهذا المعنى فان “جوهر” الانفصال لا يكمن في الفصل و القطيعة، و إنما في لاتناهي الفصل و لا محدودية القطيعة. فليست القطيعة هي حلول حاضر يجبّ ما قبله. القطيعة هي انفصال لامتناه، أي أنها حركة دائبة دائمة لا تنفك تتم. ليست القطيعة انفصالا بين حاضرين، بين حضورين، و إنما هي خلخلة للحضور ذاته. إنها إقحام للاتناهي “داخل” الكائن.

بهذا المعنى لا يمكن لـ” التحديث” إلا أن يكون عملية لا متناهية، بمقتضاها لا تفتأ الفروع تعيد النظر في أصولها، ولا تنفك الهوية تنسج ذاتها في حاضر” ليس هو الآن الذي يمر، وإنما هو ذاك الذي يمتد بعيدا حتى يبلغ المستقبل الذي يستجيب للماضي”


المراجع

alawan.org

التصانيف

فنون  أدب  أدب عربي