من منا - خاصة كشرقيين - لم ير أباه وهو يضرب أمه، أذكر أنني رأيت هذا المشهد عندما كنت صغيراً مراراً وتكراراً، هذا المشهد يمثل كارثة وصدمة للطفل الصغير، لماذا؟ لأن الأب وكما يقول علم النفس هو رمز للحماية والأم هي رمز للحنان، فعندما يراهما يتشاجران يخاف ويبكي ويظن أن العالم سيتوقف أو سينتهي. قرأت في \"إيلاف\" الثلاثاء 7/10/3003 بحثاً عنوانه \"ضرب الزوجات منتشر والإحصاءات غير متوفرة\"، وأبدأ أولاً بتعريف العنف كما تعّرفه الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه \"أي فعل قائم على سلوك عنيف ينجم عنه الإيذاء أو المعاناة الجسمية أو الجنسية أو النفسية أو الحرمان النفسي من الحرية في الحياة العامة أو الخاصة\"، والعنف ضد المرأة أصبح ظاهرة عالمية عابرة للثقافات وللطبقات، وأشار بحث لمنظمة الصحة العالمية نشر عام 2002 أجرته المنظمة في عدد من مناطق العالم، إلى أن ثلثي النساء في العالم يتعرضن للإساءة والأذى البدني داخل المنزل، والعنف ظاهرة معقدة ومتعددة الأسباب ويتمثل في ثلاثة أشكال هي: 1_ العنف الأسري: يكون دائماً نتيجة الإحباط وانعدام التواصل بين الزوجين وله صور متعددة، مثل الضرب أو المعاملة بقسوة وختان الإناث.والعنف النفسي والمعنوي الذي يتمثل في السخرية والاستخفاف من أداء النساء أمام الآخرين، والتهديد بالإيذاء والعقاب، كما يندرج تحت بند العنف الأسري، التهديد المستمر بالطلاق أو توقيعه على المرأة بدون مبرر أو مماطلة، أو التهديد بالزواج من امرأة أخرى وهجر الزوجة، وقد أسفرت نتيجة بحث أجري على الأسر المصرية عن أن الزوج المصري هو أكثر الأشخاص ممارسة للعنف ضد زوجته، فتصل نسبته إلى 71,9 % يليه الأب بنسبة أقل 42,6 % ثم الأخ 37%، لكن العجيب كما بدا في نتيجة البحث أن 92% من النساء عينه البحث أجمعن على أن الزوج من حقه عقاب زوجته دون النظر إلى هذا الأمر باعتباره عنفاً ضد المرأة. 2_ العنف المؤسسي: ويظهر ذلك من استبعاد المرأة من مراكز السلطة وحرمانها من الترقي في عملها. 3_ العنف الاجتماعي:ويتمثل فيما تتعرض له المرأة من معاكسات وإساءة في الطريق العام بالتحرش أو الترهيب أو الاغتصاب. وسأكتفي بالحديث فقط عن العنف الأسري، ففي بحث أجراه المجلس القومي للسكان ونشرته جريدة الأهرام في 7/3/1997 ظهر فيه أن 35% من المصريات المتزوجات تعرضن للضرب من قبل أزواجهن على الأقل مرة واحدة منذ زواجهن، وأن الحمل لا يحمي المرأة من هذا العنف، وأن 69,1 من الزوجات يتعرضن للضرب في حالة رفضهن لمعاشرة الزوج وأن 69,1 يتم ضربهن في حالة الرد عليه بلهجة لم تعجبه، وقد اعتمد هذا البحث على سبعة آلاف زوجة في الريف والحضر وتبين من البحث أيضاً أن المرأة الريفية تتعرض للضرب أكثر من المرأة الحضرية.(الأحداث المغربية 24/5/2003). ولكن لماذا يضرب الأزواج أزوجهن ؟ يرجع ذلك للأسباب الآتية: 1 _قد يكون الزوج ضعيف الشخصية وليست لديه ثقة في نفسه، أو أنه ضعيف الحجة عندما يناقش مشاكله العائلية فيلجأ لاستخدام قوته العضلية لفرض نفوذه داخل الأسرة. 2 _ قد يكون ضعيف جنسياً فيعوض ذلك بضرب زوجته ليثبت فحولته. 3 _ قد يكون مقهوراً في عمله ويعنفه رئيسه دائماً ولا يكف عن توجيه النقد له مما يشعره بالإحباط وبضآلة حجمه، فيرد هذا القهر بطريقة عكسية علي زوجته. 4 _ قد يكون الزوج شكاك وغيور لعدم ثقته بنفسه أو في الطرف الآخر فيتحول هذا الشك إلي الإصابة بالاكتئاب الذي يؤدي إلي العنف. 5 _ إدمان الزوج للمخدرات أو الكحول تجعل أدائه يتسم بالعنف، خاصة إذا رفضت زوجاتهم إعطائهم النقود. 6 _ قد ترجع جذور المشكلة للصغر بأن يكون قد نشأ علي عدوانية أبيه تجاه أمه مع ضعفها واستسلامها له فتتكون لديه فكرة أن الرجل هو القوى الذي يقهر المرأة، ويظن هذا الضرب نوع من إثبات الرجولة، وتكثر هذه العادة أكثر في البيئات الشعبية ذوى الدخل المنخفض، حيث تعاني المرأة في مثل هذه البيئات الظلم والقهر والاضطهاد. لكن هل من الممكن أن يحدث العكس وتضرب الزوجة الزوج ؟ ‍ من الممكن أن تعتدي بعض الزوجات علي أزواجهن بالضرب، والزوجة التي تلجأ إلي ذلك يكون شعورها كبيراً بالضعف والقهر والظلم ولا تجد سوى اللجوء لضرب الزوج وخاصة إذا كان ضعيف الشخصية وسريع الاستسلام لأراءها، أو إذا كانت الزوجة تعاني من قهر رئيسها في العمل أو أنها تتعرض لبعض التحرشات منه، أو أن مثل هذه الزوجة تكون قد تعرضت للضرب في الصغر فتحاول رد هذا العدوان عند الكبر ولا تجد ضحية سوى زوجها. فما العمل ؟ إذا أردنا الحد من انتشار هذه الظاهرة فلابد من أن نعلم البنت منذ الصغر بحدود دورها عندما تصبح زوجة وأماً، وكيفية التعامل مع زوجها وأولادها، كما يمكن الإكثار من إنشاء مكاتب للإرشاد الأسرى لحل كل المشكلات الأسرية، ويجب علي كل أب وأم ألا يتشاجرا أمام أطفالهما لأن هذا يؤثر سلباً علي سلوكياتهم صغاراً وكباراً، حيث تترسب هذه السلوكيات السيئة في نفوسهم. هل أجاز الدين ضرب المرأة ؟ وما حدود ذلك ؟ إن الضرب يعد مفهوماً غير حضارياً ولا أخلاقياً ويهدد أمن وسكينة الأسرة، فتصبح العلاقة قائمة علي الخوف والعدوان، فقال تعالي \" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة \" فالحل للعنف الأسري هو الحوار الأسري الذي نفتقده كثيراً في علاقاتنا الاجتماعية، والذي بافتقاده نخسر كثيراً من القيم الأصيلة ونفتح باباً للعنف، كما إن ضرب الزوجات إذا ساد أسرة أصبح دليلاً قوياً علي ضعف شخصية كل من الزوج والزوجة، أو يصبح العنف مظهراً من مظاهر تعويض هذا الضعف. فما رأى الدين في ذلك ؟ يسئ الرجال فهم هذه الآية الكريمة \" واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبتغون عليهن سبيلا \" هذه الآية نزلت لعلاج نشوز الزوجة، وجعل علاجها علي مراحل، موعظة، هجر في المضاجع، والضرب. وبعض الناس يفهمون أن الغرض من الضرب هو كسر العظام، أو إسالة الدماء وهذا مرفوض لا يقره الإسلام، الضرب هنا يعني التخويف فقط ويؤكد ذلك ما ورد من أن الرسول كان إذا غضب من إحدى جواريه أخرج السواك من جيبه وقال لها : \" إن لم تستقيمي فليس لك إلا هذا \".وقوله (ص) \" النساء شقائق الرجال \" وقوله تعالي \" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة \". فالأصل في العلاقة الزوجية هو المودة والرحمة ولن يكون الضرب أبداً هو الحل للمشكلات الأسرية فلينظر كل زوج إلي ما يصلح حال زوجته، فرب زوجه تؤلمها نظرة من زوجها وتصلح حالها، بالحوار وبشيء من الحرية في المحيط الأسرى نحل مشاكلنا ولن نلجأ للضرب، وحتى إذا زادت الأمور ووصلنا إلي الضرب فليكن في حدود ما شرع به الإسلام، فالغرض هو التخويف والتهديد، وليس السباب ولا الشتائم، وكما قال (ص) \" لا تضرب الوجه ولا تهجر إلا في البيت \" وهذا منهج تربوي وضعه الإسلام. فما هي الآثار النفسية الناجمة عن هذا العنف؟ يترك العنف آثاراً سيئة على صحة المرأة النفسية والعقلية، ويعود الأثر إلى درجة العنف الذي تعرضت له وأبرزه:فقدان المرأة لثقتها بنفسها واحترامها لنفسها، وشعورها بالذنب إزاء الأعمال التي تقوم بها، وإحساسها بالاتكالية والاعتماد على الرجل،وشعورها بالإحباط والكآبة،إحساسها بالعجز،وعدم الشعور بالاطمئنان والسلام النفسي والعقلي، وفقدانها الإحساس بالمبادرة واتخاذ القرار. كما قد يؤدي العنف إلى أمراض نفسية أو نفسية _جسدية متنوعة، كفقدان للشهية، واضطرابات المعدة أو البنكرياس، آلام وأوجاع وصداع في الرأس.. إلخ. فليراعي كل زوج الأسلوب الذي يتناسب مع زوجته بعيداً عن منطق الضرب، فلا أجدى من لغة الحوار والتفاهم بين الزوجين، كما يجب أن يكون النقاش أو سؤ التفاهم بمعزل عن الأطفال، لأن ذلك يؤثر سلباً عليهم في المستقبل، فماذا ننتظر من أم لا تثق بنفسها ومهزوزة الشخصية غير أجيال مهزوزة الشخصية أيضاً وفاقدة الثقة في نفسها؟ فالإعداد السليم للمرأة ضمين بمستقبل باهر للأطفال، ولله در أحمد شوقي حينما قال: الأم مدرسة إذا أعددتها / أعددت شعباً طيب الأعراق فهل نتخلى عن عادة ضرب الزوجات الغير لائقة لا بعصرنا ولا بقيمه الإنسانية، المتمثلة في المساواة بين الجنسين، وحق المرأة في أن تحيا حياة كريمة، وأن نتخلص من موروثنا الثقافي العتيق الذي أكل عليه الزمان وشرب والذي أضحي كعملة أهل الكهف، أم سنظل متمسكين به ونتقدم دائماً إلى الخلف؟

المراجع

www.swmsa.net/articles.php?action=show&id=1048موسوعة الأبحاث العلمية

التصانيف

الأبحاث