- الجزء الأول - وأما قوله : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) فإن المراد بقوله : ( حتى يقاتلوكم فيه ) حتى يقتلوا بعضكم ، كقوله : ( ولا تلمزوا أنفسكم ) يعني " بعضكم بعضا " ؛ إذ غير جائز أن يأمر بقتلهم بعد أن يقتلوهم كلهم ، وقد أفادت الآية حظر القتل بمكة لمن لم يقتل فيها ، فيحتج بها في حظر قتل المشرك الحربي إذا لجأ إليها ولم يقاتل ، ويحتج أيضا بعمومها فيمن قتل ولجأ إلى الحرم في أنه لا يقتل ؛ لأن الآية لم تفرق بين من قتل وبين - ص 356 - من لم يقتل في حظر قتل الجميع ،
فلزم بمضمون الآية أن لا نقتل من وجدنا في الحرم سواء كان قاتلا أو غير قاتل إلا أن يكون قد قتل في الحرم ، فحينئذ يقتل بقوله : ( فإن قاتلوكم فاقتلوهم ) فإن قيل : هو منسوخ بقوله : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) ، قيل له : إذا أمكن استعمالها لم يثبت النسخ ، لا سيما مع اختلاف الناس في نسخه ، فيكون قوله : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) في غير الحرم ،
نظيره في حظر قتل من لجأ إلى الحرم وإن كان جانيا ، قوله : ( ومن دخله كان آمنا ) وقد تضمن ذلك أمنا من خوف القتل ، فدل على أن المراد : من دخله وقد استحق القتل أنه يأمن بدخوله ، وكذلك قوله : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) كل ذلك دال على أن اللاجئ إلى الحرم المستحق للقتل يأمن به ويزول عنه القتل بمصيره إليه ومع ذلك فإن قوله : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) إذا كان نازلا مع أول الخطاب عند قوله : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ) فغير جائز أن يكون ناسخا له لأن النسخ لا يصح إلا بعد التمكن من الفعل ، وغير جائز وجود الناسخ والمنسوخ في خطاب واحد ،
وإذا كان الجميع مذكورا في خطاب واحد على ما يقتضيه نسق التلاوة ونظام التنزيل ، فغير جائز لأحد إثبات تاريخ الآيتين وتراخي نزول إحداهما عن الأخرى إلا بالنقل الصحيح . ولا يمكن أحدا دعوى نقل صحيح في ذلك ؛ وإنما روي ذلك عن الربيع بن أنس فقال : هو منسوخ بقوله : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) وقال قتادة : هو منسوخ بقوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ، وجائز أن يكون ذلك ،
تأويلا منه ورأيا ؛ لأن قوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) لا محالة نزل بعد سورة البقرة لا يختلف أهل النقل في ذلك ، وليس فيه مع ذلك دلالة على النسخ لإمكان استعمالهما بأن يكون قوله : ( فاقتلوا المشركين ) مرتبا على قوله : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ) فيصير قوله : اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلا عند المسجد الحرام ، إلا أن يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ، ويدل عليه أيضا حديث ابن عباس وأبي شريح الخزاعي وأبي هريرة ، « أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال : أيها الناس إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ،
وإنما - ص 357 - أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراما إلى يوم القيامة » وفي بعض الأخبار : « فإن ترخص مترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما أحلت لي ساعة من نهار » فثبت بذلك حظر القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا ، وقد روى عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي هذا الحديث ، وقال فيه : « وإنما أحل لي القتال بها ساعة من نهار » ،
ويدل عليه أيضا ما روي عن « النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب يومئذ حين قتل رجل من خزاعة رجلا من هذيل ، ثم قال : إن أعتى الناس على الله ثلاثة رجل قتل غير قاتله ، ورجل قتل في الحرم ، ورجل قتل بذحل الجاهلية » وهذا يدل على تحريم القتل في الحرم لمن لم يجن فيه من وجهين : أحدهما : عموم الذم للقاتل في الحرم ، والثاني : قد ذكر معه قتل من لم يستحق القتل ، فثبت أن المراد قتل من استحق القتل فلجأ ، وأن ذلك إخبار منه بأن الحرم يحظر قتل من لجأ إليه .
المراجع
موسوعة الإسلام
التصانيف
المعرفة-الفقه