الآية الحادية والعشرون قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم » مسألة قراءة قوله تعالى عقدتم الأيمان
الجزء الثاني - المسألة السابعة : قوله تعالى : ( عقدتم الأيمان ) فيه ثلاث قراءات : عقدتم بتشديد القاف ، وعقدتم بتخفيف القاف ، وعاقدتم بالألف .
فأما التخفيف فهو أضعفها رواية وأقواها معنى ؛ لأنه فعلتم من العقد ، وهو المطلوب . وإذا قرئ عاقدتم فهو فاعلتم ، وذلك يكون من اثنين ، وقد يكون الثاني من حلف لأجله في كلام وقع معه ، وقد يعود ذلك إلى المحلوف عليه فإنه ربط به اليمين ، وقد يكون فاعل بمعنى فعل ، كقولك : طارق النعل ، وعاقب اللص ، في أحد الوجهين في اللص خاصة . وإذا قرأ عقدتم بتشديد القاف فقد اختلف العلماء في تأويله على أربعة أقوال : الأول : قال مجاهد : تعمدتم . الثاني : قال الحسن : معناه ما تعمدت به المأثم فعليك فيه الكفارة .
الثالث : قال ابن عمر : التشديد يقتضي التكرار ، فلا تجب عليه الكفارة إلا إذا كرر اليمين . الرابع : قال مجاهد : التشديد للتأكيد ، وهو قوله : والله الذي لا إله إلا هو . قال ابن العربي : أما قول مجاهد : ما تعمدتم فهو صحيح يعني ما قصدتم إليه احترازا من اللغو . وأما قول الحسن ما تعمدتم فيه المأثم فيعني به مخالفة اليمين ، فحينئذ تكون الكفارة - ص 151 - وهذان القولان حسنان يفتقران إلى تحقيق ، وهو بيان وجه التشديد ، فإن ابن عمر حمله على التكرار ، وهو قول لم يصح عنه لضعفه . فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني » .
فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر . وأما قول مجاهد : إن التشديد في التأكيد محمول على تكرار الصفات ؛ فإن قولنا : " والله " يقتضي جميع أسماء الله الحسنى وصفاته العليا ، فإذا ذكر شيئا من ذلك فقد تضمنه قوله : والله . فإن قيل : فما فائدة التغليظ بالألفاظ ؟ قلنا : لا تغليظ عندنا بالألفاظ . وقد تقدم بيانه .
وإن غلظنا فليس على معنى أن ما ليس بمغلظ ليس بيمين ، ولكن على معنى الإرهاب على الحالف فإنه كلما ذكر بلسانه الله تعالى حدث له غلبة حال من الخوف ، وربما اقتضت له رعدة ، وقد يرهب بها على المحلوف له ، كقوله صلى الله عليه وسلم لليهود : « والله الذي لا إله إلا هو » فأرهب عليهم بالتوحيد ، لاعتقادهم أن عزيرا ابن الله . والذي يتحصل من ذلك أن التشديد على وجه صحيح ؛ فإن المرء يعقد على المعنى بالقصد إليه ، ثم يؤكد الحلف بقصد آخر ، فهذا هو العقد الثاني الذي حصل به التكرار أو التأكيد ، بخلاف اللغو فإنه قصد اليمين وفاته التأكيد بالقصد الصحيح إلى المحلوف عليه .
المراجع
موسوعة الإسلام
التصانيف
المعرفة-الفقه