- الجزء الأول - باب صوم التمتع قال الله تعالى : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) قال أبو بكر : قد اختلف في معنى قوله : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) فروي عن علي أنه قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة . وقالت عائشة وابن عمر : " من حين أهل بالحج إلى يوم عرفة " قال ابن عمر : " ولا يصومهن حتى يحرم " قال عطاء : " يصومهن في العشر حلالا إن شاء " وهو قول طاوس ؛ وقالا : " لا يصومهن قبل أن يعتمر " قال عطاء : " وإنما يؤخرهن إلى العشر لأنه لا يدري عسى يتيسر له الهدي " .
قال أبو بكر : هذا يدل على أن ذلك عندهما على جهة الاستحباب لا على جهة الإيجاب ، فيكون بمنزلة استحبابنا لمن لا يجد الماء تأخير التيمم إلى آخر الوقت إذا رجا وجود الماء . وقول علي وعطاء وطاوس يدل على جواز صومهن في العشر حلالا أو حراما ، لأنهم لم يفرقوا بين ذلك ؛ وأصحابنا يجيزون - ص 402 - صومهن بعد إحرامه بالعمرة ولا يجيزونه قبل ذلك ، وذلك لأن الإحرام بالعمرة هو سبب التمتع ، قال الله : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) فمتى وجد السبب جاز تقديمه على وقت الوجوب ، كتعجيل الزكاة لوجود النصاب وتعجيل كفارة القتل لوجود الجراحة .
ويدل على جواز تقديمه قبل وقت وجوبه لوجود سببه ، أنا قد علمنا أن وجوب الهدي متعلق بوجوب تمام الحج ، وذلك إنما يكون بالوقوف بعرفة ؛ لأن قبل ذلك يجوز ورود الفساد عليه فلا يكون الهدي واجبا عليه . وإذا كان كذلك وقد جاز عند الجميع صوم ثلاثة أيام بعد الإحرام بالحج وإن لم يكن الإحرام به موجبا له ؛ إذ كان وجوبه متعلقا بتمام الحج والعمرة جميعا ، ثبت جوازه بعد وجود سببه وهو العمرة ، ولا فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة إذا فعله بعد إحرام الحج ، إنما هو لأجل وجود سببه وذلك موجود بعد إحرام العمرة . فإن قيل : لو كان ما ذكرت سببا للجواز لوجب أن يجوز السبعة أيضا لوجود السبب .
قيل له : لو لزمنا ذلك على قولنا في جوازه بعد إحرام العمرة للزمك مثله في إجازتك له بعد إحرام الحج ؛ لأنك تجيز صوم الثلاثة الأيام بعد إحرام الحج ولا تجيز السبعة . . فإن قيل : فإذا كان الصيام بدلا من الهدي والهدي لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر فكيف جاز الصوم ؟ قيل له : لا خلاف في جواز الصوم قبل يوم النحر ، وقد ثبت بالسنة امتناع جواز ذبح الهدي قبل يوم النحر ، وأحدهما ثابت بالاتفاق وبدليل قوله : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) والآخر ثابت بالسنة ، فالاعتراض عليهما بالنظر ساقط . وأيضا فإن الصوم يقع مراعى منتظر به شيئان : أحدهما : إتمام العمرة والحج في أشهر الحج ، والثاني : أن لا يجد الهدي حتى يحل ؛ فإذا وجد المعنيان صح الصوم عن المتعة ، وإذا عدم أحدهما بطل أن يكون صوم المتعة وصار تطوعا . وأما الهدي فقد رتب عليه أفعال أخر من حلق وقضاء التفث وطواف الزيارة ، فلذلك اختص بيوم النحر . فإن قيل : قال الله : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ) فلا يجوز تقديمه على الحج قيل له : لا يخلو قوله : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) من أحد معان : إما أن يريد به في الأفعال التي هي عمدة للحج ، وما سماه النبي صلى الله عليه وسلم حجا وهو الوقوف بعرفة ؛ لأنه قال : « الحج عرفة » .
أو أن يريد في إحرام الحج أو في أشهر الحج ؛ لأن الله تعالى قال : ( الحج أشهر معلومات ) وغير جائز أن يكون المراد فعل الحج الذي لا يصح إلا به لأن ذلك إنما هو يوم عرفة بعد الزوال ويستحيل صوم الثلاثة الأيام فيه ، ومع ذلك فلا خلاف في جوازه قبل يوم - ص 403 - عرفة ؛ فبطل هذا الوجه وبقي من وجوه الاحتمال في إحرام الحج أو في أشهر الحج ، وظاهره يقتضي جواز فعله بوجود أيهما كان لمطابقته اللفظ في الآية .
وأيضا قوله : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) معلوم أن جوازه معلق بوجود سببه لا بوجوبه ، فإذا كان هذا المعنى موجودا عند إحرامه بالعمرة وجب أن يجزئ ولا يكون ذلك خلاف الآية ، كما أن قوله : ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ) لا يمنع جواز تقديمها على القتل لوجود الجراحة ، وكذلك قوله : « لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول » لم يمنع جواز تعجيلها لوجود سببها وهو النصاب ، فكذلك قوله : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) غير مانع جواز تعجيله لأجل وجود سببه الذي به جاز فعله في الحج . فإن قيل : لم نجد بدلا يجوز تقديمه على وقت المبدل عنه ، ولما كان الصوم بدلا من الهدي لم يجز تقديمه عليه .
قيل له : هذا اعتراض على الآية لأن نص التنزيل قد أجاز ذلك في الحج قبل يوم النحر ، وأيضا فإنا لم نجد ذلك فيما تقدم البدل كله على وقت المبدل عنه ، وهاهنا إنما جاز تقديم بعض الصيام على وقت الهدي وهو صوم الثلاثة الأيام ، والسبعة التي معها غير جائز تقديمها عليه لأنه تعالى قال : ( وسبعة إذا رجعتم ) فإنما أجيز له من ذلك مقدار ما يحل به يوم النحر إذا لم يجد الهدي .
وأيضا فإن الصوم لما كان بدلا من الهدي وهدي العمرة يصح إيجابه بعد إحرام العمرة ويتعلق به حكم التمتع في باب المنع من الإحلال إلى أن يذبحه ، فكذلك يجوز الصيام بدلا منه من حيث صح هديا للمتعة ، ويدل أيضا على صحة كونه عن المتعة أنه متى بعث بهدي المتعة ثم خرج يريد الإحرام أنه يصير محرما قبل أن يلحقه ، فدل ذلك على صحة هدي المتعة بالسوق ، فكذلك يصح الصوم بدلا منه إذا لم يجد .
فإن قيل فقد يصح هديا قبل أن يحرم بالعمرة ولا يجوز الصوم في تلك الحال . قيل له قبل إحرام المتعة لم يتعلق به حكم المتعة ، والدليل على ذلك أنه لا تأثير له في هذه الحال في حكم الإحرام ووجوده وعدمه سواء ، فلم يصح الصوم معه قبل إحرام العمرة ، فإذا أحرم بعمرة ثبت لها حكم الهدي في منعه الإحلال ، فلذلك جاز الصوم في تلك الحال كما صح هديا للمتعة . ويدل على جواز تقديم الصوم على إحرام الحج أن سنة المتمتع أن يحرم - ص 404 - بالحج يوم التروية ، وبذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين أحلوا من إحرامهم بعمرة ، ولا يكون إلا وقد تقدم الصوم قبل ذلك .
المراجع
[http://feqh.al-islam.com/Page.aspx?pageid=278&TOCID=2&BookID=53&PID=239 موسوعة الإسلام
]
التصانيف
المعرفة-الفقه