الإسراء

{67} وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا " الضُّرّ " لَفْظ يَعُمّ خَوْف الْغَرَق وَالْإِمْسَاك عَنْ الْجَرْي . وَأَهْوَال حَالَاته اِضْطِرَابه وَتَمَوُّجه .

{67} وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا " ضَلَّ " مَعْنَاهُ تَلِفَ وَفُقِدَ ; وَهِيَ عِبَارَة تَحْقِير لِمَنْ يَدَّعِي إِلَهًا مِنْ دُون اللَّه . الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَة : أَنَّ الْكُفَّار إِنَّمَا يَعْتَقِدُونَ فِي أَصْنَامهمْ أَنَّهَا شَافِعَة , وَأَنَّ لَهَا فَضْلًا . وَكُلّ وَاحِد مِنْهُمْ بِالْفِطْرَةِ يَعْلَم عِلْمًا لَا يَقْدِر عَلَى مُدَافَعَته أَنَّ الْأَصْنَام لَا فِعْلَ لَهَا فِي الشَّدَائِد الْعِظَام , فَوَقَفَهُمْ اللَّه مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَالَة الْبَحْر حَيْثُ تَنْقَطِع الْحِيَل .

{67} وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا أَيْ عَنْ الْإِخْلَاص .

{67} وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا الْإِنْسَان هُنَا الْكَافِر . وَقِيلَ : وَطُبِعَ الْإِنْسَان كَفُورًا لِلنِّعَمِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّه ; فَالْإِنْسَان لَفْظ الْجِنْس .

{68} أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا بَيَّنَ أَنَّهُ قَادِر عَلَى هَلَاكهمْ فِي الْبَرّ وَإِنْ سَلِمُوا مِنْ الْبَحْر . وَالْخَسْف : أَنْ تَنْهَار الْأَرْض بِالشَّيْءِ ; يُقَال : بِئْر خَسِيف إِذَا اِنْهَدَمَ أَصْلهَا . وَعَيْن خَاسِف أَيْ غَارَتْ حَدَقَتهَا فِي الرَّأْس . وَعَيْن مِنْ الْمَاء خَاسِفَة أَيْ غَازٍ مَاؤُهَا . وَخَسَفَتْ الشَّمْس أَيْ غَابَتْ عَنْ الْأَرْض . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : وَالْخَسِيف الْبِئْر الَّتِي تَحْفِر فِي الْحِجَارَة فَلَا يَنْقَطِع مَاؤُهَا كَثْرَة . وَالْجَمْع خُسُف . وَجَانِب الْبَرّ : نَاحِيَة الْأَرْض ; وَسَمَّاهُ جَانِبًا لِأَنَّهُ يَصِير بَعْد الْخَسْف جَانِبًا . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْبَحْر جَانِب وَالْبَرّ جَانِب . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى سَاحِل الْبَحْر , وَسَاحِله جَانِب الْبَرّ , وَكَانُوا فِيهِ آمِنِينَ مِنْ أَهْوَال الْبَحْر , فَحَذَّرَهُمْ مَا أَمِنُوهُ مِنْ الْبَرّ كَمَا حَذَّرَهُمْ مَا خَافُوهُ مِنْ الْبَحْر .

{68} أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا يَعْنِي رِيحًا شَدِيدَة , وَهِيَ الَّتِي تَرْمِي بِالْحَصْبَاءِ , وَهِيَ الْحَصَى الصِّغَار ; قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة وَالْقَتِبِي . وَقَالَ قَتَادَة : يَعْنِي حِجَارَة مِنْ السَّمَاء تَحْصِبهُمْ , كَمَا فُعِلَ بِقَوْمِ لُوط . وَيُقَال لِلسَّحَابَةِ الَّتِي تَرْمِي بِالْبَرَدِ : حَاصِب , وَلِلرِّيحِ الَّتِي تَحْمِل التُّرَاب وَالْحَصْبَاء حَاصِب وَحَصِبَة أَيْضًا . قَالَ لَبِيد : جَرَّتْ عَلَيْهَا أَنْ خَوَتْ مِنْ أَهْلهَا أَذْيَالهَا كُلّ عَصُوف حَصِبه وَقَالَ الْفَرَزْدَق : مُسْتَقْبِلِينَ شَمَال الشَّام يَضْرِبنَا بِحَاصِب كَنَدِيفِ الْقُطْن مَنْثُور

{68} أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَيْ حَافِظًا وَنَصِيرًا يَمْنَعكُمْ مِنْ بَأْس اللَّه .

{69} أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا يَعْنِي فِي الْبَحْر .

{69} أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا الْقَاصِف : الرِّيح الشَّدِيدَة الَّتِي تَكْسِر بِشِدَّةٍ ; مِنْ قَصَفَ الشَّيْء يَقْصِفهُ ; أَيْ كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ . وَالْقَصْف : الْكَسْر ; يُقَال : قَصَفَتْ الرِّيح السَّفِينَة . وَرِيح قَاصِف : شَدِيدَة . وَرَعْد قَاصِف : شَدِيد الصَّوْت . يُقَال : قَصَفَ الرَّعْد وَغَيْره قَصِيفًا . وَالْقَصِيف : هَشِيم الشَّجَر . وَالتَّقَصُّف التَّكَسُّر . وَالْقَصْف أَيْضًا : اللَّهْو وَاللَّعِب ; يُقَال : إِنَّهَا مُوَلَّدَة .

{69} أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا أَيْ بِكُفْرِكُمْ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو " نَخْسِف بِكُمْ " " أَوْ نُرْسِل عَلَيْكُمْ " " أَنْ نُعِيدكُمْ " " فَنُرْسِل عَلَيْكُمْ " " فَنُغْرِقكُمْ " بِالنُّونِ فِي الْخَمْسَة عَلَى التَّعْظِيم , لِقَوْلِهِ : " عَلَيْنَا " الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ ; لِقَوْلِهِ فِي الْآيَة قَبْل : " إِيَّاهُ " . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة وَرُوَيْس وَمُجَاهِد " فَتُغْرِقكُمْ " بِالتَّاءِ نَعْتًا لِلرِّيحِ . وَعَنْ الْحَسَن وَقَتَادَة " فَيُغَرِّقكُمْ " بِالْيَاءِ مَعَ التَّشْدِيد فِي الرَّاء . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر " الرِّيَاح " هُنَا وَفِي كُلّ الْقُرْآن . وَقِيلَ : إِنَّ الْقَاصِف الْمُهْلِكَة فِي الْبَرّ , وَالْعَاصِف الْمُغْرِقَة فِي الْبَحْر ; حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ.

{69} أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا قَالَ مُجَاهِد : ثَائِرًا . النَّحَّاس : وَهُوَ مِنْ الثَّأْر . وَكَذَلِكَ يُقَال لِكُلِّ مَنْ طُلِبَ بِثَأْرٍ أَوْ غَيْره : تَبِيع وَتَابِع ; وَمِنْهُ " فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ " { الْبَقَرَة : 178 } أَيْ مُطَالَبَة .

{70} وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا لَمَّا ذَكَرَ مِنْ التَّرْهِيب مَا ذَكَرَ بَيَّنَ النِّعْمَة عَلَيْهِمْ أَيْضًا . " كَرَّمْنَا " تَضْعِيف كَرَم ; أَيْ جَعَلْنَا لَهُمْ كَرَمًا أَيْ شَرَفًا وَفَضْلًا . وَهَذَا هُوَ كَرَم نَفْي النُّقْصَان لَا كَرَم الْمَال . وَهَذِهِ الْكَرَامَة يَدْخُل فِيهَا خَلْقهمْ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَة فِي اِمْتِدَاد الْقَامَة وَحُسْن الصُّورَة , وَحَمْلهمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر مِمَّا لَا يَصِحّ لِحَيَوَانٍ سِوَى بَنِي آدَم أَنْ يَكُون يَتَحَمَّل بِإِرَادَتِهِ وَقَصْده وَتَدْبِيره . وَتَخْصِيصهمْ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ الْمَطَاعِم وَالْمَشَارِب وَالْمَلَابِس , وَهَذَا لَا يَتَّسِع فِيهِ حَيَوَان اِتِّسَاع بَنِي آدَم ; لِأَنَّهُمْ يَكْسِبُونَ الْمَال خَاصَّة دُون الْحَيَوَان , وَيَلْبَسُونَ الثِّيَاب وَيَأْكُلُونَ الْمُرَكَّبَات مِنْ الْأَطْعِمَة . وَغَايَة كُلّ حَيَوَان يَأْكُل لَحْمًا نِيئًا أَوْ طَعَامًا غَيْر مُرَكَّب . وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ جَمَاعَة أَنَّ التَّفْضِيل هُوَ أَنْ يَأْكُل بِيَدِهِ وَسَائِر الْحَيَوَان بِالْفَمِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ وَالنَّحَّاس ; وَهُوَ قَوْل الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَقَالَ الضَّحَّاك : كَرَّمَهُمْ بِالنُّطْقِ وَالتَّمْيِيز . عَطَاء : كَرَّمَهُمْ بِتَعْدِيلِ الْقَامَة وَامْتِدَادهَا . يَمَان : بِحُسْنِ الصُّورَة . مُحَمَّد بْن كَعْب : بِأَنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ . وَقِيلَ أَكْرَمَ الرِّجَال بِاللِّحَى وَالنِّسَاء بِالذَّوَائِبِ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ : بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَى سَائِر الْخَلْق , وَتَسْخِير سَائِر الْخَلْق لَهُمْ . وَقِيلَ : بِالْكَلَامِ وَالْخَطّ . وَقِيلَ : بِالْفَهْمِ وَالتَّمْيِيز . وَالصَّحِيح الَّذِي يُعَوَّل عَلَيْهِ أَنَّ التَّفْضِيل إِنَّمَا كَانَ بِالْعَقْلِ الَّذِي هُوَ عُمْدَة التَّكْلِيف , . وَبِهِ يُعْرَف اللَّه وَيُفْهَم كَلَامه , وَيُوصَل إِلَى نَعِيمه وَتَصْدِيق رُسُله ; إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْهَض بِكُلِّ الْمُرَاد مِنْ الْعَبْد بُعِثَتْ الرُّسُل وَأُنْزِلَتْ الْكُتُب . فَمِثَال الشَّرْع الشَّمْس , وَمِثَال الْعَقْل الْعَيْن ; فَإِذَا فُتِحَتْ وَكَانَتْ سَلِيمَة رَأَتْ الشَّمْس وَأَدْرَكَتْ تَفَاصِيل الْأَشْيَاء . وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْوَال بَعْضه أَقْوَى مِنْ بَعْض . وَقَدْ جَعَلَ اللَّه فِي بَعْض الْحَيَوَان خِصَالًا يَفْضُل بِهَا اِبْن آدَم أَيْضًا ; كَجَرْيِ الْفَرَس وَسَمْعه وَإِبْصَاره , وَقُوَّة الْفِيل وَشَجَاعَة الْأَسَد وَكَرَم الدِّيك . وَإِنَّمَا التَّكْرِيم وَالتَّفْضِيل بِالْعَقْلِ كَمَا بَيَّنَّاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .

قَالَتْ فِرْقَة : هَذِهِ الْآيَة تَقْتَضِي تَفْضِيل الْمَلَائِكَة عَلَى الْإِنْس وَالْجِنّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ " { النِّسَاء : 171 } . وَهَذَا غَيْر لَازِم مِنْ الْآيَة , بَلْ التَّفْضِيل فِيهَا بَيْن الْإِنْس وَالْجِنّ ; فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا عَدَّدَ اللَّه فِيهَا عَلَى بَنِي آدَم مَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ سَائِر الْحَيَوَان , وَالْجِنّ هُوَ الْكَثِير الْمَفْضُول , وَالْمَلَائِكَة هُمْ الْخَارِجُونَ عَنْ الْكَثِير الْمَفْضُول , وَلَمْ تَتَعَرَّض الْآيَة لَذِكْرهمْ , بَلْ يَحْتَمِل أَنَّ الْمَلَائِكَة أَفْضَل , وَيَحْتَمِل الْعَكْس , وَيَحْتَمِل التَّسَاوِي , وَعَلَى الْجُمْلَة فَالْكَلَام لَا يَنْتَهِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِلَى الْقَطْع . وَقَدْ تَحَاشَى قَوْم مِنْ الْكَلَام فِي هَذَا كَمَا تَحَاشَوْا مِنْ الْكَلَام فِي تَفْضِيل بَعْض الْأَنْبِيَاء عَلَى بَعْض ; إِذْ فِي الْخَبَر ( لَا تَخَايَرُوا بَيْن الْأَنْبِيَاء وَلَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُس بْن مَتَّى ) . وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِوُجُودِ النَّصّ فِي الْقُرْآن فِي التَّفْضِيل بَيْن الْأَنْبِيَاء . وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي { الْبَقَرَة } وَمَضَى فِيهَا الْكَلَام فِي تَفْضِيل الْمَلَائِكَة وَالْمُؤْمِن .

{70} وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا يَعْنِي لَذِيذ الْمَطَاعِم الْمَشَارِب . قَالَ مُقَاتِل : السَّمْن وَالْعَسَل وَالزُّبْد وَالتَّمْر وَالْحَلْوَى , وَجَعَلَ رِزْق غَيْرهمْ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مِنْ التِّبْن وَالْعِظَام وَغَيْرهَا .

{70} وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا أَيْ عَلَى الْبَهَائِم وَالدَّوَابّ وَالْوَحْش وَالطَّيْر بِالْغَلَبَةِ وَالِاسْتِيلَاء , وَالثَّوَاب وَالْجَزَاء وَالْحِفْظ وَالتَّمْيِيز وَإِصَابَة الْفِرَاسَة .

هَذِهِ الْآيَة تَرُدّ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِحْرِمُوا أَنْفُسكُمْ طَيِّب الطَّعَام فَإِنَّمَا قَوِيَ الشَّيْطَان أَنْ يَجْرِي فِي الْعُرُوق مِنْهَا ) . وَبِهِ يَسْتَدِلّ كَثِير مِنْ الصُّوفِيَّة فِي تَرْك أَكْل الطَّيِّبَات , وَلَا أَصْل لَهُ ; لِأَنَّ الْقُرْآن يَرُدّهُ , وَالسُّنَّة الثَّابِتَة بِخِلَافِهِ , عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي غَيْر مَوْضِع . وَقَدْ حَكَى أَبُو حَامِد الطُّوسِيّ قَالَ : كَانَ سَهْل يَقْتَات مِنْ وَرَق النَّبْق مُدَّة . وَأَكَلَ دُقَاق وَرَق التِّين ثَلَاث سِنِينَ . وَذَكَرَ إِبْرَاهِيم بْن الْبَنَّا قَالَ : صَحِبْت ذَا النُّون مِنْ إِخْمِيم إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة , فَلَمَّا كَانَ وَقْت إِفْطَاره أَخْرَجْت قُرْصًا وَمِلْحًا كَانَ مَعِي , وَقُلْت : هَلُمَّ . فَقَالَ لِي : مِلْحك مَدْقُوق ؟ قُلْت نَعَمْ . قَالَ : لَسْت تُفْلِح ! فَنَظَرْت إِلَى مِزْوَده وَإِذَا فِيهِ قَلِيل سَوِيق شَعِير يَسَفّ مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو يَزِيد : مَا أَكَلْت شَيْئًا مِمَّا يَأْكُلهُ بَنُو آدَم أَرْبَعِينَ سَنَة . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوز حَمْل النَّفْس عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَكْرَمَ الْآدَمِيّ بِالْحِنْطَةِ وَجَعَلَ قُشُورهَا لِبَهَائِمِهِمْ , فَلَا يَصِحّ مُزَاحَمَة الدَّوَابّ فِي أَكْل التِّبْن , وَأَمَّا سَوِيق الشَّعِير فَإِنَّهُ يُورِث الْقُولَنْج , وَإِذَا اِقْتَصَرَ الْإِنْسَان عَلَى خُبْز الشَّعِير وَالْمِلْح الْجَرِيش فَإِنَّهُ يَنْحَرِف مِزَاجه ; لِأَنَّ خُبْز الشَّعِير بَارِد مُجَفِّف , وَالْمِلْح يَابِس قَابِض يَضُرّ الدِّمَاغ وَالْبَصَر . وَإِذَا مَالَتْ النَّفْس إِلَى مَا يُصْلِحهَا فَمُنِعَتْ فَقَدْ قُووِمَتْ حِكْمَة الْبَارِئ سُبْحَانه بِرَدِّهَا , ثُمَّ يُؤَثِّر ذَلِكَ فِي الْبَدَن , فَكَانَ هَذَا الْفِعْل مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ وَالْعَقْل . وَمَعْلُوم أَنَّ الْبَدَن مَطِيَّة الْآدَمِيّ , وَمَتَى لَمْ يَرْفُق بِالْمَطِيَّةِ لَمْ تَبْلُغ . وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَدْهَم أَنَّهُ اِشْتَرَى زُبْدًا وَعَسَلًا وَخُبْز جُوَّارَى , فَقِيلَ لَهُ : هَذَا كُلّه ؟ فَقَالَ : إِذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا أَكْل الرِّجَال , وَإِذَا عَدِمْنَا صَبَرْنَا صَبْر الرِّجَال . وَكَانَ الثَّوْرِيّ يَأْكُل اللَّحْم وَالْعِنَب وَالْفَالُوذَج ثُمَّ يَقُوم إِلَى الصَّلَاة . وَمِثْل هَذَا عَنْ السَّلَف كَثِير . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ مَا يَكْفِي فِي الْمَائِدَة وَالْأَعْرَاف وَغَيْرهمَا . وَالْأَوَّل غُلُوّ فِي الدِّين إِنْ صَحَّ عَنْهُمْ " وَرَهْبَانِيَّة اِبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ " .

{71} يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى : " يَوْم نَدْعُو كُلّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ " قَالَ : ( يُدْعَى أَحَدهمْ فَيُعْطَى كِتَابه بِيَمِينِهِ , وَيَمُدّ لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعًا , وَيَبْيَضّ وَجْهه وَيُجْعَل عَلَى رَأْسه تَاج مِنْ لُؤْلُؤ يَتَلَأْلَأ فَيَنْطَلِق إِلَى أَصْحَابه فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيد فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ اِئْتِنَا بِهَذَا وَبَارِكْ لَنَا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيهمْ فَيَقُول أَبْشِرُوا لِكُلِّ مِنْكُمْ مِثْل هَذَا - قَالَ - وَأَمَّا الْكَافِر فَيَسْوَدّ وَجْهه وَيُمَدّ لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعًا عَلَى صُورَة آدَم وَيُلْبَس تَاجًا فَيَرَاهُ أَصْحَابه فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ هَذَا ! اللَّهُمَّ لَا تَأْتِنَا بِهَذَا . قَالَ : فَيَأْتِيهمْ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَخِّرْهُ . فَيَقُول أَبْعَدَكُمْ اللَّه فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُل مِنْكُمْ مِثْل هَذَا ) . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب . وَنَظِير هَذَا قَوْله : " وَتَرَى كُلّ أُمَّة جَاثِيَة كُلّ أُمَّة تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا الْيَوْم تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " . وَالْكِتَاب يُسَمَّى إِمَامًا ; لِأَنَّهُ يُرْجَع إِلَيْهِ فِي تَعَرُّف أَعْمَالهمْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك : " بِإِمَامِهِمْ " أَيْ بِكِتَابِهِمْ , أَيْ بِكِتَابِ كُلّ إِنْسَان مِنْهُمْ الَّذِي فِيهِ عَمَله ; دَلِيله " فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ " . وَقَالَ اِبْن زَيْد : بِالْكِتَابِ الْمُنَزَّل عَلَيْهِمْ . أَيْ يُدْعَى كُلّ إِنْسَان بِكِتَابِهِ الَّذِي كَانَ يَتْلُوهُ ; فَيُدْعَى أَهْل التَّوْرَاة بِالتَّوْرَاةِ , وَأَهْل الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ ; فَيُقَال : يَا أْهَل الْقُرْآن , مَاذَا عَمِلْتُمْ , هَلْ اِمْتَثَلْتُمْ أَوَامِره هَلْ اِجْتَنَبْتُمْ نَوَاهِيه ! وَهَكَذَا . وَقَالَ مُجَاهِد : " بِإِمَامِهِمْ " بِنَبِيِّهِمْ , وَالْإِمَام مَنْ يُؤْتَمّ بِهِ . فَيُقَال : هَاتُوا مُتَّبِعِي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام , هَاتُوا مُتَّبِعِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , هَاتُوا مُتَّبِعِي الشَّيْطَان , هَاتُوا مُتَّبِعِي الْأَصْنَام . فَيَقُوم أَهْل الْحَقّ فَيَأْخُذُونَ كِتَابهمْ بِأَيْمَانِهِمْ , وَيَقُوم أَهْل الْبَاطِل فَيَأْخُذُونَ كِتَابهمْ بِشِمَالِهِمْ . وَقَالَهُ قَتَادَة . وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : بِإِمَامِ عَصْرهمْ . وَرَوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : " يَوْم نَدْعُو كُلّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ " فَقَالَ : ( كُلّ يُدْعَى بِإِمَامِ زَمَانهمْ وَكِتَاب رَبّهمْ وَسُنَّة نَبِيّهمْ فَيَقُول هَاتُوا مُتَّبِعِي إِبْرَاهِيم هَاتُوا مُتَّبِعِي مُوسَى هَاتُوا مُتَّبِعِي عِيسَى هَاتُوا مُتَّبِعِي مُحَمَّد - عَلَيْهِمْ أَفْضَل الصَّلَوَات وَالسَّلَام - فَيَقُوم أَهْل الْحَقّ فَيَأْخُذُونَ كِتَابهمْ بِأَيْمَانِهِمْ , وَيَقُول : هَاتُوا مُتَّبِعِي الشَّيْطَان هَاتُوا مُتَّبِعِي رُؤَسَاء الضَّلَالَة إِمَام هُدًى وَإِمَام ضَلَالَة ) . وَقَالَ الْحَسَن وَأَبُو الْعَالِيَة : " بِإِمَامِهِمْ " أَيْ بِأَعْمَالِهِمْ . وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس . فَيُقَال : أَيْنَ الرَّاضُونَ بِالْمَقْدُورِ , أَيْنَ الصَّابِرُونَ عَنْ الْمَحْذُور . وَقِيلَ : بِمَذَاهِبِهِمْ ; فَيُدْعَوْنَ بِمَنْ كَانُوا يَأْتَمُّونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا : يَا حَنَفِيّ , يَا شَافِعِيّ , يَا مُعْتَزِلِيّ , يَا قَدَرِيّ , وَنَحْوه ; فَيَتَّبِعُونَهُ فِي خَيْر أَوْ شَرّ أَوْ عَلَى حَقّ أَوْ بَاطِل , وَهَذَا مَعْنَى قَوْل أَبِي عُبَيْدَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : يُدْعَى أَهْل الصَّدَقَة مِنْ بَاب الصَّدَقَة , وَأَهْل الْجِهَاد مِنْ بَاب الْجِهَاد . .. , الْحَدِيث بِطُولِهِ . أَبُو سَهْل : يُقَال أَيْنَ فُلَان الْمُصَلِّي وَالصَّوَّام , وَعَكْسه الدَّفَّاف وَالنَّمَّام . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : " بِإِمَامِهِمْ " بِأُمَّهَاتِهِمْ . وَإِمَام جَمْع آمّ . قَالَتْ الْحُكَمَاء : وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَة أَوْجُه مِنْ الْحِكْمَة ; أَحَدهَا - لِأَجْلِ عِيسَى . وَالثَّانِي - إِظْهَار لِشَرَفِ الْحَسَن وَالْحُسَيْن . وَالثَّالِث - لِئَلَّا يُفْتَضَح أَوْلَاد الزِّنَا .

قُلْت : وَفِي هَذَا الْقَوْل نَظَر ; فَإِنَّ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا جَمَعَ اللَّه الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْم الْقِيَام يُرْفَع لِكُلِّ غَادِر لِوَاء فَيُقَال هَذِهِ غَدْرَة فُلَان بْن فُلَان ) خَرَّجَهُ مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ . فَقَوْله : " هَذِهِ غَدْرَة فُلَان بْن فُلَان " دَلِيل عَلَى أَنَّ النَّاس يُدْعَوْنَ فِي الْآخِرَة بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِمْ , وَهَذَا يَرُدّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّمَا يُدْعَوْنَ بِأَسْمَاءِ أُمَّهَاتهمْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ سَتْرًا عَلَى آبَائِهِمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .

{71} يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا هَذَا يُقَوِّي قَوْل مَنْ قَالَ : " بِإِمَامِهِمْ " بِكِتَابِهِمْ وَيُقَوِّيه أَيْضًا قَوْله : " وَكُلّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين " .

{71} يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا الْفَتِيل الَّذِي فِي شَقّ النَّوَاة . وَقَدْ مَضَى فِي { النِّسَاء } .

{72} وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا أَيْ فِي الدُّنْيَا عَنْ الِاعْتِبَار وَإِبْصَار الْحَقّ .

{72} وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا أَيْ فِي أَمْر الْآخِرَة

{72} وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا وَقَالَ عِكْرِمَة : جَاءَ نَفَر مِنْ أَهْل الْيَمَن إِلَى اِبْن عَبَّاس فَسَأَلُوهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : اِقْرَءُوا مَا قَبْلهَا " رَبّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْك فِي الْبَحْر - إِلَى - تَفْضِيلًا " . قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ النِّعَم وَالْآيَات الَّتِي رَأَى أَعْمَى فَهُوَ عَنْ الْآخِرَة الَّتِي لَمْ يُعَايِن أَعْمَى وَأَضَلّ سَبِيلًا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى مَنْ عَمِيَ عَنْ النِّعَم الَّتِي أَنْعَمَ اللَّه بِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ عَنْ نِعَم الْآخِرَة أَعْمَى . وَقِيلَ : الْمَعْنَى مَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا الَّتِي أُمْهِلَ فِيهَا وَفُسِحَ لَهُ وَوُعِدَ بِقَبُولِ التَّوْبَة أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَة الَّتِي لَا تَوْبَة فِيهَا أَعْمَى . وَقَالَ الْحَسَن : مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا كَافِرًا ضَالًّا فَهُوَ فِي الْآخِرَة أَعْمَى وَأَضَلّ سَبِيلًا وَقِيلَ : وَمَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَعْمَى عَنْ حُجَج اللَّه بَعَثَهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة أَعْمَى ; كَمَا قَالَ : " وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقِيَامَة أَعْمَى " الْآيَات . وَقَالَ : " وَنَحْشُرهُمْ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى وُجُوههمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم " . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فِي قَوْله " فَهُوَ فِي الْآخِرَة أَعْمَى " فِي جَمِيع الْأَقْوَال : أَشَدّ عَمًى ; لِأَنَّهُ مِنْ عَمَى الْقَلْب , وَلَا يُقَال مِثْله فِي عَمَى الْعَيْن . قَالَ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ : لِأَنَّهُ خِلْقَة بِمَنْزِلَةِ الْيَد وَالرِّجْل , فَلَمْ يَقُلْ مَا أَعْمَاهُ كَمَا لَا يُقَال مَا أَيْدَاهُ . الْأَخْفَش : لَمْ يَقُلْ فِيهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَى أَكْثَر مِنْ ثَلَاثَة أَحْرُف , وَأَصْله أَعْمَى . وَقَدْ أَجَازَ بَعْض النَّحْوِيِّينَ مَا أَعْمَاهُ وَمَا أَعْشَاهُ ; لِأَنَّ فِعْله عَمِيَ وَعَشَى . وَقَالَ الْفَرَّاء : حَدَّثَنِي بِالشَّامِ شَيْخ بَصْرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَب تَقُول : مَا أَسْوَد شَعْره . قَالَ الشَّاعِر : مَا فِي الْمَعَالِي لَكُمْ ظِلّ وَلَا ثَمَر وَفِي الْمَخَازِي لَكُمْ أَشْبَاح أَشْيَاخ أَمَّا الْمُلُوك فَأَنْتَ الْيَوْم أَلْأَمهمْ لُؤْمًا وَأَبْيَضهمْ سِرْبَال طَبَّاخ وَأَمَالَ أَبُو بَكْر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَخَلَف الْحَرْفَيْنِ " أَعْمَى " و " أَعْمَى " وَفَتَحَ الْبَاقُونَ . وَأَمَالَ أَبُو عَمْرو الْأَوَّل وَفَتَحَ الثَّانِي .

{72} وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجِد طَرِيقًا إِلَى الْهِدَايَة .

{73} وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِم الْحَجَر الْأَسْوَد فِي طَوَافه , فَمَنَعَتْهُ قُرَيْش وَقَالُوا : لَا نَدَعك تَسْتَلِم حَتَّى تُلِمَّ بِآلِهَتِنَا . فَحَدَّثَ نَفْسه وَقَالَ : ( مَا عَلَيَّ أَنْ أَلُمّ بِهَا بَعْد أَنْ يَدْعُونِي أَسْتَلِم الْحَجَر وَاَللَّه يَعْلَم أَنِّي لَهَا كَارِه ) فَأَبَى اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة ; قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة عَطَاء : نَزَلَتْ فِي وَفْد ثَقِيف , أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ شَطَطًا وَقَالُوا : مَتِّعْنَا بِآلِهَتِنَا سَنَة حَتَّى نَأْخُذ مَا يُهْدَى لَهَا , فَإِذَا أَخَذْنَاهُ كَسَرْنَاهَا وَأَسْلَمْنَا , وَحَرِّمْ وَادِينَا كَمَا حَرَّمْت مَكَّة , حَتَّى تَعْرِف الْعَرَب فَضْلنَا عَلَيْهِمْ ; فَهَمَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطِيهُمْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَقِيلَ : هُوَ قَوْل أَكَابِر قُرَيْش لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُطْرُدْ عَنَّا هَؤُلَاءِ السُّقَّاط وَالْمَوَالِي حَتَّى نَجْلِس مَعَك وَنَسْمَع مِنْك ; فَهَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى نُهِيَ عَنْهُ . وَقَالَ قَتَادَة ذُكِرَ لَنَا أَنَّ قُرَيْشًا خَلَوْا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات لَيْلَة إِلَى الصُّبْح يُكَلِّمُونَهُ وَيُفَخِّمُونَهُ , وَيُسَوِّدُونَهُ وَيُقَارِبُونَهُ ; فَقَالُوا : إِنَّك تَأْتِي بِشَيْءٍ لَا يَأْتِي بِهِ أَحَد مِنْ النَّاس , وَأَنْتَ سَيِّدنَا يَا سَيِّدنَا ; وَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى كَادَ يُقَارِبهُمْ فِي بَعْض مَا يُرِيدُونَ , ثُمَّ عَصَمَهُ اللَّه مِنْ ذَلِكَ , وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة . وَمَعْنَى " لَيَفْتِنُونَك " أَيْ يُزِيلُونَك . يُقَال : فَتَنْت الرَّجُل عَنْ رَأْيه إِذَا أَزَلْته عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ ; قَالَهُ الْهَرَوِيّ . وَقِيلَ يَصْرِفُونَك , وَالْمَعْنَى وَاحِد .

{73} وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا أَيْ حُكْم الْقُرْآن ; لِأَنَّ فِي إِعْطَائِهِمْ مَا سَأَلُوهُ مُخَالَفَة لِحُكْمِ الْقُرْآن .

{73} وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا أَيْ لِتَخْتَلِق عَلَيْنَا غَيْر مَا أَوْحَيْنَا إِلَيْك , وَهُوَ قَوْل ثَقِيف : وَحَرِّمْ وَادِينَا كَمَا حَرَّمْت مَكَّة , شَجَرهَا وَطَيْرهَا وَوَحْشهَا , فَإِنْ سَأَلَتْك الْعَرَب لِمَ خَصَصْتهمْ فَقُلْ اللَّه أَمَرَنِي بِذَلِكَ حَتَّى يَكُون عُذْرًا لَك .

{73} وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا أَيْ لَوْ فَعَلْت مَا أَرَادُوا لَاتَّخَذُوك خَلِيلًا , أَيْ وَالُوك وَصَافُوك ; مَأْخُوذ مِنْ الْخُلَّة ( بِالضَّمِّ ) وَهِيَ الصَّدَاقَة لِمُمَايَلَتِهِ لَهُمْ . وَقِيلَ : " لَاتَّخَذُوك خَلِيلًا " أَيْ فَقِيرًا . مَأْخُوذ مِنْ الْخَلَّة ( بِفَتْحِ الْخَاء ) وَهِيَ الْفَقْر لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِمْ .

{74} وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا أَيْ عَلَى الْحَقّ وَعَصَمْنَاك مِنْ مُوَافَقَتهمْ .

{74} وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا أَيْ تَمِيل . قَالَ قَتَادَة : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( اللَّهُمَّ لَا تَكِلنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَة عَيْن ) . وَقِيلَ : ظَاهِر الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَاطِنه إِخْبَار عَنْ ثَقِيف . وَالْمَعْنَى : وَإِنْ كَادُوا لَيَرْكَنُونَك , أَيْ كَادُوا يُخْبِرُونَ عَنْك بِأَنَّك مِلْت إِلَى قَوْلهمْ ; فَنَسَبَ فِعْلهمْ إِلَيْهِ مَجَازًا وَاتِّسَاعًا ; كَمَا تَقُول لِرَجُلٍ : كِدْت تَقْتُل نَفْسك , أَيْ كَادَ النَّاس يَقْتُلُونَك بِسَبَبِ مَا فَعَلْت ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَقِيلَ مَا كَانَ مِنْهُ هُمْ بِالرُّكُونِ إِلَيْهِمْ , بَلْ الْمَعْنَى : وَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْك لَكَانَ مِنْك مَيْل إِلَى مُوَافَقَتهمْ , وَلَكِنْ تَمَّ فَضْل اللَّه عَلَيْك فَلَمْ تَفْعَل ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومًا , وَلَكِنْ هَذَا تَعْرِيف لِلْأُمَّةِ لِئَلَّا يَرْكَن أَحَد مِنْهُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فِي شَيْء مِنْ أَحْكَام اللَّه تَعَالَى وَشَرَائِعه .

{74} وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا أَيْ رُكُونًا قَلِيلًا .

{75} إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا أَيْ لَوْ رَكَنْت لَأَذَقْنَاك مِثْلَيْ عَذَاب الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا وَمِثْلَيْ عَذَاب الْمَمَات فِي الْآخِرَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا . وَهَذَا غَايَة الْوَعِيد . وَكُلَّمَا كَانَتْ الدَّرَجَة أَعْلَى كَانَ الْعَذَاب عِنْد الْمُخَالَفَة أَعْظَم . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا نِسَاء النَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة يُضَاعَف لَهَا الْعَذَاب ضِعْفَيْنِ " { الْأَحْزَاب : 30 } وَضِعْف الشَّيْء مِثْله مَرَّتَيْنِ , وَقَدْ يَكُون الضِّعْف النَّصِيب ; كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " لِكُلٍّ ضِعْف " { الْأَعْرَاف : 38 } أَيْ نَصِيب . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَعْرَاف .


المراجع

موسوعه الاسلام

التصانيف

تصنيف :تفسير القران الكريم