جميل مردم بك، ولد في دمشق عام 1893، يعود نسبه لأسرة سورية عريقة، تلقى علومه الابتدائية والثانوية في معاهد الآباء العازاريين في دمشق، ثم إلى دمشق للتخصص في العلوم الزراعية، وانتسب في الوقت نفسه إلى معهد العلوم السياسية في باريس، في العام 1911 أسس بالاشتراك مع مجموعة من الشباب المثقف جمعية سرية سميت (الجمعية العربية الفتاة) في باريس، وهدف هذه الجمعية تحرير الأرض العربية من الهيمنة الأجنبية.

جميل مردم بك كان واحداً من الثمانية الذين وجهوا الدعوة للمؤتمر العربي لعام 1913، وشغل فيه وظيفة أمين السر العام المساعد، وكانت مهمته تنسيق الجهود وتصنيف المطالب الوطنية للعرب، وصدرت عن المؤتمر قرارات تم تبليغها للدول العظمى ولسفير الإمبراطورية العثمانية في باريس.

وعندما صدرت قرارات الحكم بالإعدام من قبل محكمة عالية على رواد القضية العربية، كان مردم بك ما يزال في فرنسا، وبالرغم من ذلك فقد صدر الحكم عليه غيابياً. وبين عامي 1917 و1918 قام برحلة إلى دول أمريكا اللاتينية بصفته مندوباً عن مؤتمر باريس بهدف تقوية الصلة مع الجاليات العربية التي استقرت في تلك البلاد.

بعد أن نجحت الثورة العربية وأُعلنت الهدنة، ذهب الشريف فيصل بن الحسين إلى أوروبا، من أجل الدفاع عن التطلعات العربية بعد انسلاخ الأقاليم العربية عن الإمبراطورية العثمانية، وقد انضم جميل مردم بك الذي كان ما يزال في فرنسا إلى الشريف فيصل، واستطاع أن يُسمع صوت سوريا في خطاب ألقاه في أثناء مؤتمر الصلح في فرساي.

ثم عاد مردم بك إلى سوريا برفقة الشريف فيصل في ربيع 1919، وأصبح بعد إعلان الاستقلال مستشاره الخاص، وبفس الوقت  معاوناً لوزير الخارجية الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في حكومة الرئيس هاشم الأتاسي.

بعد دخول الفرنسيين سوريا بقيادة الجنرال غورو عام 1920، انتعشت الحركات التحريرية، وانضم جميل مردم بك مع مجموعة من رجال المقاومة إلى حزب الشعب الذي أعلن في العام 1925 الثورة ضد الاحتلال الفرنسي، وقد شارك في المعارك التي جرت بين قوات الاحتلال الفرنسي وبين المقاومة السورية.

وعندما حاصرت القوات الفرنسية جبل الدروز وأمرت باعتقال زعماء الثورة، تمكن مردم بك الفرار والوصول إلى مدينة حيفا الفلسطينية، وقد سبق للمجلس العدلي أن أصدر الحكم عليه بالإعدام غيابياً، ولهذا وافقت السلطات البريطانية لطلب تسليم مردم بك، فأوقفته وقامت بتسليمه إلى السلطات الفرنسية التي نفته إلى جزيرة أرواد قبالة مدينة طرطوس على الساحل السوري، وقد أعلن الفرنسيون بتاريخ لاحق العفو عن المنفيين في جزيرة أرواد.

عندما شكل زعماء النضال الوطني السوري عام 1928 حركة تحريرية عرفت باسم الكتلة الوطنية، أسندت أمانة السر العامة لهذه الكتلة لجميل مردم بك، وقد اتفقو على توحيد نضالهم من أجل الوصول بسورية إلى الاستقلال التام، مع المثابرة على عدم الاعتراف بالانتداب.

في عام 1928، وبعد أن اقتنعت سلطة الانتداب بأن يكون لسوريا دستور تضعه جمعية تأسيس منتخبة من قبل الشعب، كان مردم بك احد النواب الذين انتخبوا عن مدينة دمشق، وساهم في وضع الدستور.

دخل مردم بك الوزارة لأول مرة عام 1932 باسم الوطنيين، وقد كا وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني، إلا أنه استقال بعد أن تأكدت الكتلة الوطنية أن فرنسا ليس لديها نية بالتنازل عن الانتداب، لكنه بقي في ساحة النضال من موقعه في الكتلة الوطنية يعمل بفاعلية ونشاط، وقام بزيارة المملكة العربية السعودية، والعراق، ومصر، وفرنسا.

في عام 1934 عندما ثار خلاف بين المملكة العربية السعودية، وإمامة اليمن، وتطور إلى نزاع مسلح، الأمر الذي أثار قلق الرأي العام العربي، اشترك مردم بك في لجنة المصالحة التي توجهت إلى الجزيرة العربية وبذلت المساعي الحميدة التي أدت إلى عقد معاهدة صداقة وتحالف بين البلدين.

في أوائل عام 1936، دعت الكتلة الوطنية للإضراب العام، واستجابت المدن السورية جميعها، وسارت مظاهرات ضخمة وتم القاء القبض على جميل مردم بك عقب خطاب مثير ألقاه في مقبرة الباب الصغير بعد تشييع أحد الشهداء، وتم فرض الإقامة الجبرية في قصبة قرق خان، وقد استمر الإضراب حوالي الشهرين، انتهى بعد أن عقد اتفاق بين الكتلة الوطنية والسلطة الفرنسية، ينص على أن يذهب وفد سوري إلى باريس للمفاوضة من أجل عقد معاهدة تضمن استقلال سوريا، وتألف الوفد برئاسة هاشم الأتاسي، وكان مردم بك عضواً فيه، وبعد مفاوضات توصل الطرفين إلى عقد معاهدة عام 1936.

ولما وضعت المعاهدة موضع التنفيذ، وتم عقد انتخابات حرة نجح فيها مرشحو الكتلة الوطنية، وقد نجحت القائمة التي ترأسها جميل مردم بك عن مدينة دمشق والغوطتين، وفي أول جلسة عقدها المجلس انتخب النواب فارس الخوري رئيساً للمجلس وهاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية. وألف مردم بك أول وزارة وطنية.

 وخلال عامي 1937 و1938، زار مردم بك فرنسا ثلاث مرات عمل خلالها على استعجال تصديق البرلمان الفرنسي على المعاهدة، ومن أجل وضع بعض بنود المعاهدة موضع التنفيذ، وقام بأجراء اتصالات عديدة تبادل من خلالها وجهات النظر مع عدد من الشخصيات السياسية كان منهم هريو، وبلوم، وفلاندان، وبونيه، وفيينو وسارو.

وفي هذه المرحلة أيضاً، برزت قضية لواء الاسكندرونة، وقام مردم بك بزيارة إلى تركيا تلبية لدعوة تلقاها من حكومتها، وتدارس مع رجال الدولة الأتراك مختلف وجوه العلاقات السورية، التركية، كما تعرف على الرئيس كمال أتاتورك وتباحث معه في الشؤون التي تهم البلدين. وقد اتسمت هذه الاتصالات بين مردم بك والزعماء الأتراك بطابع التفاهم المتبادل، الأمر الذي جعل من المؤسف أن تحل قضية لواء الإسكندرونة دون أي مساهمة سورية.

قدمت حكومة مردم بك استقالتها في شهر شباط في جو عاصف اجتاح العلاقات الفرنسية السورية، وأكد أن فرنسا قد رجعت عن تنفيذ معاهدة 1936

في عامي 1940 و1941 زار مردم بك العراق والمملكة العربية السعودية، كما زار مصر بالاشتراك مع بشارة الخوري عام 1942.

في عام 1943 أعيد العمل بالدستور، وأعيد انتخاب مردم بك في مجلس النواب، وكُلف بنيابة رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية، ثم وزارة الخارجية مع وزارتي الدفاع والاقتصاد الوطني من  ومن جديد تولى وزارة الخارجية مع الدفاع، وشغل في هذه الأثناء رئاسة الوزارة بالوكالة في غياب فارس الخوري في سان فرانسيسكو، كما انتدب وزيراً مفوضاً في تشرين الأول عام 1945 إلى مصر لتأسيس المفوضية السورية، وكذلك إلى السعودية عام 1945 للغرض نفسه.

أعاد تشكيل الحكومة في تشرين الأول عام 1947، وتقلد بنفسه وزارة الدفاع الوطني عندما بدأت العمليات الحربية في أيار عام 1948، وأدخل إصلاحات جذرية في مؤسسة الجيش.

قدم مردم بك استقالة حكومته بعد فشل الجيوش العربية في فلسطين، وغادر سورية إلى مصر وأقام في القاهرة إلى أن وافاه الأجل في عام 1960.

في شهر أيلول عام 1954، أصدر جميل مردم بك تصريحاً أعلن فيه اعتزاله الحياة السياسية ولم يكن قد تجاوز الواحد والستين من العمر، وبتاريخ الأول من شباط عام 1958، دعاه الرئيس جمال عبد الناصر للوقوف معه ومع الرئيس شكري القوتلي عند التوقيع على الإعلان عن الوحدة بين سوريا ومصر.

في 30 آذار1960، توفي جميل مردم بك في القاهرة، ونقل جثمانه إلى سوريا حيث ووري الثرى في مدافن العائلة بدمشق.


المراجع

ayyamsyria.net

التصانيف

ثقافة   التاريخ   العلوم الاجتماعية