الجمعة, 22 ربيع الأول 1448هـ الموافق الجمعة, 04 أيلول 2026
زكريا الأنصاري هو قاضٍ، محدث، فقيه، قارئ، ومفسر شافعي. ولد td قرية الحلمية (سُنَيْكَة قديماً) مركز أبو حماد بمحافظة الشرقية عام 823هـ/1420م. ولاه السلطان قايتباي الجركسيُّ (826 - 901) قضاءَ القضاةِ، فلم يقبله إلا بعد مراجعة وإلحاح. ولما ولي رأى من السلطان عدولاً عن الحق في بعض أعماله، فكتب إليه يزجره عن الظلم، فعزله السلطان؛ ففرح بذلك فرحاً شديداً ثم عاد إلى اشتغاله بالعلم إلى أن توفي عام 926 هـ. وترجم له ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب في وفيات سنة 925 هـ، وقال: "وفيها شيخ الإسلام قاضي القضاة زين الدين الحافظ زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السُّنَيْكي ثم القاهري الأزهري الشافعي".
لم تكنْ ولادة القاضي زكريا مَحِلَّ اتفاقٍ بين المؤرخين، وإنما تطرق إليها الخلافُ كما تطرق لغيرها، فالسيوطي - معاصره وصديقه - يؤرخ ولادته في عام (824هـ)، على سبيل الظن والتقريب، فقال: "ولد سنة أربع وعشرين تقريباً".[3] وأما السخاوي والعيدروسي فيجزمان أن ولادته كانت في سنة (826هـ)،[4] وتابعهما في هذا: ابن العماد الحنبلي،[5] والشوكاني،[6] والزبيدي،[7] وعمر رضا كحالة.[8] في حين أن الغَزِّي يتردد في تحديد ولادته بين سنة (823هـ) وسنة (824هـ)، وإن كان صدَّر كلامَه بالأولى ونقله من خط والده الذي كان أحدَ تلامذة القاضي زكريا.[9] وتفرد الأستاذ خير الدين الزركلي بالجزم بأنها كانت سنة (823هـ).[10] وهكذا نجد أن ولادة القاضي زكريا الأنصاري - في أقوال المؤرخين - كانت دولة بين أعوام ثلاثة - بصرف النظر عن القائلين بها - وهي (823 ه) و (824 ه) و (826 ه).
تربى في بلده سُنَيكة، فابتدأ بحفظ القرآن ودرس مبادئ الفقه العامة، فقرأ "عمدة الأحكام" وبعض "مختصر التبريزي"،[11] ثم توجه إلى الجامع الأزهر سنة (841هـ) فحفظ المتون كالمنهاج الفرعي والألفية النحوية والشاطبية والرائية وبعض "المنهاج" الأصلي ونحو النصف من ألفية الحديث والتسهيل لابن مالك وغيرها[5] ثم لم يلبث أن رجع إلى بلدته فمكث بها مدة ثم عاود القدوم إلى الأزهر فدرس العلوم كلها وتوسع فيها. فدرس في الفقه: "شرح البهجة" وغيرها، وقرأ في أصول الفقه: "العضد" و "شرح العبري"، وقرأ في النحو والصرف، ومما قرأه فيهما: "شرح تصريف العزي"، وأخذ المعاني والبيان والبديع فقرأ فيها "المطول"، وأخذ المنطق عن عدة مشايخ وقرأ فيه شرح القطب على "الشمسية" وأكثر حاشية الشريف الجرجاني عليه، وكذا حاشية التقي الحصني عليه.[11] كما أخذ اللغة، والتفسير، وعلم الهيأة، والهندسة، والميقات، والفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، والطب، والعروض، وعلم الحروف، والتصوف، وتلا بالسبع والثلاثة الزائدة عليها، وقرأ مصنفات ابن الجزري ك"النشر" و "التقريب" و"الطيبة"، وأخذ رسوم الخط، وآداب البحث، والحديث.[12]
وهكذا دأب وانهمك في الطلب والتحصيل، فأجازه مشايخه، وكتب له بذلك كثير منهم مع الإطناب في المدح والثناء، يزيدون على مئة وخمسين،[13] ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني إذ أذن له في إقراء "شرح النخبة" وغيرها من مصنفاته في حياته، وكذلك فعل غيره حتى قال العيدروسي: "وتصدّى للتدريس في حياة غير واحد من شيوخه".[14]
لقد كان القاضي زكريا بن محمد الأنصاري مضرب المثل في وقته في حسن الخلق، والتحلي بمكارم الأخلاق وفضائلها، لا يدع باباً إليها إلا دخله، قال العلائي (هو متأخر، غير الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي الشهير): "قد جمع من أنواع العلوم والمعارف والمؤلفات المقبولة ومكارم الأخلاق وحسن السمت والتؤدة والأخذ عن الأكابر ما لم يجمعه غيره".[15]
ولعل من أشهر صفاته التي كان يتحلى بها أنه كان حافظاً للجميل شاكراً لصنيع المحسنين إليه، ويدل على ذلك أن الشيخ ربيع بن عبد الله كان صاحب الفضل عليه في توجهه إلى طلب العلم وسفره إلى القاهرة، فكان رد المترجم على ذلك أنه: "إذا ورد عليه الشيخ ربيع أو زوجته أو أحد من أقاربه يجعله في زمن صمدته ومنصبه، وكان يقضي حوائجهم ويعترف بالفضل لهم، وربما مازحته زوجة الشيخ ربيع التي ربته".
وكان في النهاية من الانهماك في طلب العلم، لا يجعل لنفسه متنفسا سواه، حتى أشغله عن مأكله ومشربه، فحكى عن نفسه، قال: "جئت من البلاد وأنا شاب فلم أعكف على الاشتغال بشيء من أمور الدنيا ولم أعلق قلبي بأحد من الخلق، قال: وكنت أجوع في الجامع كثيراً، فأخرج في الليل إلى الميضأة وغيرها، فأغسل ما أجده من قشيرات البطيخ حوالي الميضأة وآكلها، وأقنع بها عن الخبز".[9]
وكان على درجة من اليقين بالله وتفويض الأمور إليه، فروى من حاله أنه قال: "فلما أتممت شرحها - يعني: "البهجة" - غار بعض الأقران، فكتب على بعض نسخ الشرح: كتاب الأعمى والبصير؛ تعريضاً بأني لا أقدر أشرح البهجة وحدي، وإنما ساعدني فيه رفيق أعمى كنت أطالع أنا وإياه، قال: فاحتسبت بالله تعالى، ولم ألتفت إلى مثل ذلك".[13] وكان من أخلاقه أنه كان صداعا بالحق، لم يثنه الخوف على المنصب أو هيبة سلطان عن زجر الظالم أو إنذار العاصي، حتى أن الغزي يذكر أن سبب عزله عن القضاء: "بسبب خطه على السلطان بالظلم، وزجره عنه تصريحاً وتعريضاً... ومتع بالقول على ملازمة العلم والعمل ليلاً ونهاراً، مع مقارنة مئة سنة من عمره من غير كلل ولا ملل، مع عروض الانكفاف له، بحيث شرح البخاري جامعاً فيه ملخص عشرة شروح، وحشى تفسير البيضاوي في هذه الحالة".[16]
والمترجم ممن قاسى مرارة الحرمان وعاش مصاعبها؛ لذا كان يعرف لوعة المحرومين وضيق ذات يد المعدمين، فكان كثير البر بطلبته وتفقد أحوالهم، مع ما كان عليه من كثرة الصدقة والمبالغة في إخفائها، وكان له جماعة يرتب لهم من صدقته ما يكفيهم إلى يوم وإلى أسبوع وإلى شهر، وإذا جاءه سائل - بعد أن أصيب بالعمى - يقول لمن عنده من جماعته: هل هنا أحد؟ فإن قال له: لا، أعطاه، وإن قال له: نعم، قال له: قل له: يأتينا في غير هذا الوقت.
وقد أورد الغزي كلمة جامعة في بيان أخلاقه، فقال: "وكان صاحب الترجمة مع ما كان عليه من الاجتهاد في العلم اشتغالاً واستعمالاً وإفتاءً وتصنيفاً ومع ما كان عليه من مباشرة القضاء ومهمات الأمور، وكثرة إقبال الدنيا، لا يكاد يفتر عن الطاعة ليلاً ونهاراً، ولا يشتغل بما لا يعنيه، وقوراً مهيباً مؤانساً ملاطفاً، يصلي النوافل من قيام مع كبر سنه وبلوغه مئة سنة وأكثر، ويقول: لا أعود نفسي الكسل. حتى في حال مرضه كان يصلي النوافل قائماً، وهو يميل يميناً وشمالاً لا يتمالك أن يقف بغير ميل للكبر والمرض، فقيل له في ذلك، فقال: يا ولدي، النفس من شأنها الكسل، وأخاف أن تغلبني وأختم عمري بذلك. وكان إذا أطال عليه أحد في الكلام يقول له: عجِّل قد ضيعت علينا الزمان، وكان إذا أصلح القارئ بين يديه كلمة في الكتاب الذي يقرأ ونحوه، يشتغل بالذكر بصوت خفي قائلا: الله الله، لا يفتر عن ذلك حتى يفرغ، وكان قليل الأكل لا يزيد على ثلث رغيف، ولا يأكل إلا من خبز خانقاه سعيد السعداء، ويقول: إنما أخص خبزها بالأكل لأن صاحبها كان من الملوك الصالحين".[17]
وفرت البداية المبكرة للقاضي زكريا في طلب العلم فسحة من الوقت، استطاع خلالها تنويع مصادر معرفته، ولم يغفل هذه النقطة، بل استثمرها على وجهها الصحيح، فجنى ثمارها، قال الغزي: وكان -رضي الله تعالى عنه- بارعاً في سائر العلوم الشرعية وآلاتها حديثاً وتفسيراً وفقهاً وأصولاً وعربية وأدباً ومعقولاً ومنقولاً. ومرَّ بنا في نشأته أنه درس صنوف فنون العلم، ومن بين تلك العلوم التي أفنى في طلبها ردحا من عمره المديد:
بعد أن استكمل القاضي زكريا الأنصاري الأدوات التي مكنته من مزاولة نشاطه العلمي، وبعد أن تبوأ الصدارة بين معاصريه ومنافسيه، فقد أسندت إليه مهمات عدة، وهي:
وذكر العيدروسي أن سبب عزله عن هذا المنصب إصابته بالعمى، وجمهور الفقهاء على أن القاضي يعزل بفقدان البصر، في حين أن الغزي والشوكاني يذكران أن سبب عزله زجر السلطان عن ظلمه، وأغلب الظن أن هذا السلطان هو محمد ولد السلطان قايتباي الذي تسلطن بعد والده. وتحديد وقت عزله يكتنفه الغموض، لا سيما على رواية الغزي والشوكاني، ولكنها لا تتعدى سنة (904 ه) فهي السنة التي قتل فيها السلطان محمد بن السلطان قايتباي، ولكن الشوكاني يجزم أن عزله كان سنة (906 ه)، ولم تذكر المصادر التي بين أيدينا تحديدا لتاريخ فقده لبصره، وكان السلطان قد طلب منه العودة إلى منصبه لكنه رفض، إلى حين نكبته فترك السلطان الإلحاح عليه. وذكر الشعراني أن القاضي زكريا كان يعتبر توليه القضاء: غلطة. قال الغزي: وولي الجهات والمناصب. وقال العيدروسي: ولي تدريس عدة مدارس رفيعة. وقال الشوكاني: ودرس في أمكنة متعددة.
تمتع القاضي زكريا - زيادة على مكانته العلمية - بأخلاقه العالية التي حببته إلى قلوب العباد، فانطلقت ألسنتهم بالثناء عليه، وذكر محاسنه، منها:
بلغ شيوخ القاضي زكريا الأنصاري كثرة كاثرة، قيل أنهم زادوا على المئة والخمسين شيخا، أذنوا له بالتدريس والإفتاء.[13] ومن أشهر مشايخه:
كما أخذ طريق التصوف والذكر عن جماعة منهم:
كتب الله تعالى للقاضي زكريا القبول بين الناس، وأمد في عمره حتى تفرد بعلو الإسناد، فأصبح مطمح الأنفس، ومؤول الطلبة، قال الغزي: "فأقبلت عليه الطلبة للاشتغال عليه، وعمر حتى رأى تلاميذه وتلاميذ تلاميذه شيوخ الإسلام، وقرت عينه بهم في محافل العلم ومجالس الأحكام، وقصد بالرحلة إليه من الحجاز والشام".
ومن أشهر تلاميذه:
وأما باقي تلامذته، فهم:[53]
وظف القاضي زكريا الأنصاري معرفته العلمية في التأليف إلى جانب التدريس، وخلال المئة سنة التي عاشها استطاع أن يترك لنا جملة كبيرة من المصنفات، الأمر الذي دفع الشوكاني للقول بأن: "له شرح ومختصرات في كل فن من الفنون". وقد عنى الشوكاني بكلمته هذه، أن القاضي خاض غمار فنون العلوم على اختلاف ماهياتها فمن اللغة إلى المنطق، ومن الكلام إلى الحديث، ومن الفقه إلى القراءات، ومن التصوف إلى التفسير، ومن أصول الفقه إلى الفرائض، وهكذا تنوعت طبيعة مؤلفاته. وليس عجبا أن تكثر مصنفاته، فعلى حد تعبير الغزي إذ يقول: "وجملة مؤلفاته 41 مؤلفا تقريبا"، إذ كان شغله الشاغل التدريس والتصنيف.
له تصانيف كثيرة تصل لحوالي 50 مصنفا أو أكثر في شتى صنوف المعرفة، منها:
توفي بالقاهرة عن عمر بلغ أو تجـاوز بقليل المئة عام، بعد أن ابتلي بفقد نعمة البصر، ودفن بالقرافة الصغرى بتربة الشيخ نجم الدين الخويشاتي بالقرب من الإمام الشافعي، وصلي عليه صلاة الغائب بالجامع الأموي بدمشق.
ورثاه بعضهم فقال:
ومدحه القاضي بهاء الدين محمد بن يوسف بن أحمد فقال:
وقد حصل اختلاف بين المؤرخين في تحديد سنة وفاته، بعد أن اتفقت كلمة جمهورهم على تحديد اليوم والشهر، وهو الرابع من ذي الحجة وقال الغزي: يوم الأربعاء ثالث شهر ذي القعدة.[54] فالجمهور على أن وفاته كانت سنة (926 ه)، في حين ذهب العيدروسي، وتابعه ابن العماد الحنبلي، إلى أنها كانت سنة (925 ه).[55]