محمد البيشاوي وُلِد قبل سبعة وعشرين عامًا في مخيم بلاطة بمدينة نابلس لأسرة متواضعة تعيش داخل أزقة المخيم بعد أن هاجرت أسرته من فلسطين عام ثمانية وأربعين من قرية بيت دجن بالقرب من مدينة يافا عروس فلسطين، عاش كما عاش أطفال فلسطين في مخيمات اللجوء، عاش محمد الابن الثاني لأسرته هو وشقيقه وشقيقتيه في غرفتين من الأسبست على أمل العودة، ولكن تُوفِّي والده قبل أن يحقِّق حلمه في العودة ومحمد لا يزال في مقتبل العمر، وهو ما زاد على كاهله أعباء كبيرة، حيث تحمل مسؤولية أسرته وشقيقتيه كاملة..


الكاميرا والقلم.. رشَّاش ومدفع
ما عاش لنفسه قط؛ ولذا فقد استحق أن يُولَد بشهادته، ويعلو بموته، فحسُّه الوطني عالٍ ومدوٍّ، شارك في الانتفاضة الأولى وهو لا يزال فتى يانعًا يبحث هنا وهناك؛ ليجد نفسه في تنظيمات وحركات الشعب الفلسطيني، لم تَطل عملية البحث حيث تربيته الوطنية والإسلامية حسمت خياره، فكان من أشبال حركة المقاومة الإسلامية حماس، جاهد إلى جانب عناصرها، وقارع الاحتلال بالحجر والنبيطة، وسطَّر على جدران نابلس ومخيم بلاطة نشرات الأخبار لحركة "حماس"، وهو لا يدري أنه سيكون يومًا صحفيًّا مصورًا بارعًا، فكانت صحيفة جدران الانتفاضة أول ما كتب عليها محمد أخباره، ثم اعتقل محمد ولم يكمل دراسته الثانوية ليحكم عليه الاحتلال بالاعتقال لمدة أربع سنوات قضاها جميعًا في سجن مجدو، ولكن لم يمنعه ذلك من إكمال مشواره العلمي، وأصرَّ رغم الأسلاك الشائكة أن يرى العالم من خلال الكتب، فدرس وتقدم لامتحان الثانوية العامة وحصل عليها، وقبل أن تطلق قوات الاحتلال سراحه توفيت والدته؛ لينهل من الآلام والعذابات، وليزدد ظهره صلابة، وروحه إيمانًا وتُقى.
ولأنه وُلِد ليكون إعلاميًّا صحفيًّا فقد مارس محمد الصحافة والكتابة الصحفية داخل السجن، فكتب الأخبار، والتقارير، والتحاليل السياسية، وكان ناشطا بين إخوانه في المعتقل.
العالم من وراء الأسلاك الشائكة
خرج محمد من السجن بعد اعتقال دام أربع سنوات ليجد نفسه وحيدًا بعد وفاة والدته ومسؤولا عن أخت له، ولكن كل ذلك لم يمنعه ليكمل مشواره العلمي، نحت الصخر بأظافره، وفَّر مصروف الدراسة، والتحق بقسم الصحافة والإعلام بجامعة النجاح، ولم لا، فهو الصحفي وكاتب الأخبار على صحيفة الجدران في الانتفاضة الأولى وهو المحلِّل البارع، وكاتب المقالات والأخبار والتقارير في معتقل مجدو، ودرس بالجامعة وكان ناشطا كعادته، وتمكن من الحصول على بكالوريوس الصحافة في فترة قياسية لم تتعدَّ ثلاثة أعوام ونصف كان خلالها نشيطًا في الكتلة الإسلامية في الجامعة، وأثناء دراسته فاز برئاسة نادي الصحافة في الجامعة.
مارس محمد العمل الصحفي وهو طالب، ولإجادته لفنون العمل الصحفي عمل في عدة أماكن؛ ليساعده العمل على الحياة، ولكن ليس على حساب الدراسة، فنشرت له العديد من التقارير في الصحف المحلية، واحتلَّت صوره صدر الصفحات الأولى لجريدة "الحياة الجديدة".
وما إن أنهى دراسته الجامعية، حتى تهافتت عليه المكاتب الصحفية لتعرض عليه العمل معها، ولكن كانت له وجهة نظر وفكر يؤمن به، فبحث عن جهة يعمل بها ليس لتحصيل المال، وإن كان لا غنى للإنسان عنه إلا أن له هدفًا آخر أسمى من الأموال، وهو خدمة فكره وعقيدته، فوجد ضالته في موقع "إسلام أون لاين.نت" وعمل معه، وأعطى وبذل جهدًا، وكان له عمل مميز، كما كان محمد أيضا صوتًا لصوت الحق والحرية، صوته العالي، فكان يجد نفسه في صحيفة "الحق والحرية" الصادرة في أم الفحم داخل فلسطين المحتلة من عام 48، لم يكتفِ محمد بذلك وهو الذي يملك المجهود الكبير، فعمل مصورًا لصحيفة "الحياة الجديدة" ولوكالة "قدس برس" فأعطى كل هذه الجهات حقها.
الدموع تجيب..
"لم أكن أتصور نفسي يومًا، سأرى زميلاً لي وقف بكل إيمانه وحبه لوطنه، يقدم كل ما يملكه لخدمة قضيته ووطنه، كان صحفيًّا مميزًا، وكان من أوائل المبادرين للوصول إلى مكان الحدث"، هكذا يتحدث الصحفي "خالد مفلح" وهو يتكلم عن محمد، ويقول خالد: كان دائمًا يقول لي محمد "اختر يا خالد صورتك لخبر الغد" لازمني بصوره في معظم أخباري.
ويواصل خالد ويقول: "لم أره رغم أنني كنت في مكان الحادث، وذهبت إلى المكتب الذي يعمل به وسألت أين محمد؟ لم أجد إلا الدموع تجيب اهتزَّ جسدي أين محمد؟ أجابوني بالبكاء "استشهد"، لم أتمالك أعصابي، ولم أستطع الوقوف على قدمي، ذهب محمد، ولكن بقيت صورته شاهدة على وحشية الاحتلال.
انتظرنا المستحيل
يقول الصحفي أمجد عرار: توالت الأخبار عن مجزرة نابلس الدموية قالوا شهيدان، أربعة، خمسة، سبعة، ثمانية، قلنا بعد قليل ستأتينا الصور من مصوِّرنا في نابلس الزميل محمد البيشاوي، ولكن على ما يبدو أننا كنا ننتظر ما هو مستحيل، فكل شيء كان يمكن أن يصوِّره محمد إلا هذا الحدث، فمستحيل لشخص قد استُشْهد أن يصوِّر نفسه، ويواصل أمجد ويقول: "كنا ننتظر منه صورًا، وإذا بصورته تأتينا لتعلن أنه استُشْهد، ويقول والعبرات تحجز الكلمات: "نعرف يا بيشاوي أنك واحد من هذا الشعب، ونعرف أنك لم تكن تحمل سلاحًا بل آلة تصوير.. ولكن أليس تصوير الحقيقة سلاحًا خطيرًا أيضًا"، ويختم عرار حديثه، ويقول: "ستبقى صورتك يا محمد عصيَّة على القتل، وستبقى الحقيقة تلاحق النزيف والتجريف وقلب المفاهيم وكل القتلة".
من يقدِّم عنه الحلوى؟
"عندما استشهد محمود مدني بعد اغتياله قرب مخيم بلاطة مسقط رأسه، كان الشهيد محمد البيشاوي يقدم الحلوى لكل من يدخل المكتب الصحفي الذي يعمل به في نابلس، ويقول أنه يقوم بذلك؛ لأنه يعلم أن ذلك سيسعد صديقه الشهيد محمود المدني، ويعرب عن أمله إذا ما استشهد أن يقدم أصدقاءه الحلوى من أجله"، نعم أيها الزميل روميل السويطي هل سيجد الزميل البيشاوي من يوزِّع الحلوى عنه، ويواصل السويطي الحديث عن محمد ويقول: "كان كثير الحديث عن الشهادة، ويقول هؤلاء الذين ربحوا وفازوا، اللهم ألحقنا بهم حتى نرى الأحبة محمدًا وصحبه"، ويضيف بكلمات تشمُّ منها رائحة مسك الشهداء: "يا الله ما أحلى التفكير بالاستشهاد" نعم يا سويطي صدق الله فصدقه الله، وماذا عن محمد؟ يقول السويطي كنت أشاهده في المسيرات الجماهيرية يحمل آلة التصوير، ويركض تحت أشعة الشمس الحارقة، حتى يظن من يراه بأنه يتقاضى أعلى الأجور، ولا يعلمون أن ذلك فقط في سبيل الله من أجل القدس، وعيون الأقصى، ووفاء لدماء من سبقوه من شهداء فلسطين.
الحور فازت..
كان شهيدنا البطل صديقًا لزميله في الدارسة "هاشم النجَّار" الاستشهادي الذي فجَّر نفسه في مستوطنة ميحولا بالقرب من أريحا، والتي أدت إلى مقتل أربعة صهاينة، وعدد من الإصابات.
ولكن محمد حلم بالزواج كغيره من الشباب، ولا يدري أنه سيُزَفُّ إلى الحور العين، وأخذ يجهِّز بيت الزوجية، وكان في الأيام الأخيرة يبني منزله ويرمِّمه؛ ليجهز نفسه للزواج وبناء عش الزوجية، كثير من الفتيات كنَّ يتمنين الزواج به؛ لسموِّ أخلاقه وتدينه، ولكن فازت به الحور العين، وهو الآن يُزَفُّ إلى 72 حورية في الجنان إن شاء الله.
وهكذا لقي محمد ربَّه، ووجد من يكتب عنه، وإن لم يعطه حقه، ولكن هل سنجد غدًا من يكتب عنا؟

المراجع

موقع مملكة القصص الواقعية

التصانيف

قصص