لوقيوس دومـِتيوس أورليانوس، امبراطور روماني (270–275), كان الثاني من عدة "أباطرة-جنود" باهري النجاح ساعدوا الامبراطورية الرومانية على استعادة قوتها في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع.

خلال حكمه، أعاد توحيد الامبراطورية بكاملها، بعد خمس عشرة سنة من التمرد، وفقدان ثلث أراضيها لإمبراطوريات منشقة (مملكة تدمر في الشرق والامبراطورية الغالية في الغرب) غزوات بربرية مدمرة. وقد أذنت نجاحاته ببدء نهاية أزمة القرن الثالث للامبراطورية

صعوده للسلطة

لما مات كلوديوس الثاني أثناء انتشار وباء كان يفتك بالقوط والرومان على السواء (270) اختار الجيش خليفة له ابن فلاح إليراي. وكان دومتيوس أورليانس Domitius Aurelianus قد ارتفع من أوطأ الطبقات بقوة الجسم والإرادة؛ وقد لقبوه من قبيل السخرية "يد على سيف" وكان مما يشهد بعودة العقل إلى الجيش أنه اختار رجلاً يطلب عند غيره من النظام ما يطلبه عند نفسه.

الفاتح والمصلح

وبفضل قيادته صد أعداء روما عن حدودها في كل مكان عدا نهر الدانوب، فهناك نزل أورليان عن داشيا للقوط لعلهم بذلك يقفون حاجزاً بين الإمبراطوريّة وبين غيرهم من البرابرة. ولعل هذا الاستسلام قد شجع الألمان والوندال على غزو إيطاليا، ولكن أورليان انتصر عليهم في ثلاث معارك وشتت شملهم. وكان يفكر في القيام بحملات حربية على أجزاء قاصية، ويخشى أن يهاجم الأعداء روما في أثناء غيابه، فأقنع مجلس الشيوخ بأن يوافق على صرف المال اللازم لبناء أسوار جديدة حول العاصمة، كما أقنع النقابات الطائفية بأن تقوم بهذا العمل وأخذت المُدن في جميع أنحاء الإمبراطوريّة تشيد الأسوار حولها، وكان قيامها بهذا العمل شاهداً على ضعف قوة الرومان وخاتمة السلم الرومانية.

إعادة توحيد الامبراطورية

ورأى أورليان أن الهجوم أفضل من الدفاع، ولذلك اعتزم أن يعيد مجد الإمبراطوريّة بالهجوم على زنوبيا في الشرق، ثم على تتريكس Tetricus الذي اغتصب السيادة على غالة بعد بستيوس. واسترد بروبس Probus قائد أورليان مصر من ابن زنوبيا في الوقت الذي كان هو نفسه يخترق بجيوشه بلاد البلقان،

ويعبر الهلسبنت، ويهزم جيش هذه الملكة في حمص ويحاصر عاصمتها. وحاولت الملكة أن تفر، وتستنجد بالفرس ولكنها أسرت، واستسلمت المدينة ونجت من التدمير، ولكن لنجينس قُتل (272). وبينما كان الإمبراطور عائداً على رأس جيشه إلى الهلسبنت، ثارت تَدْمُر وقتلت الحامية التي تركها فيها. فعاد إليها مسرعاً كسرعة قصير، وحاصر المدينة مرة أخرى واستولى عليها بعد قليل من الوقت، وأباحها الجنود يسلبون ويعيثون فيها فساداً، ودك أسوارها، وقضى مرة أخرى على تجارتها، وتركها تعود قرية صحراوية، وهكذا ظلت من ذلك الحين إلى الوقت الحاضر. وسارت زنوبيا مكبلة بالأغلال تزين موكب أورليان وهو داخل منتصر إلى رومة؛ وسمح لها بأن تقضي البقية الباقية من عمرها حرة إلى حد ما في تيبور

.

هزيمته الألـَمانـّي

انتصاره على امبراطورية تدمر

في 272، وجه أورليان انتباهه إلى المقاطعات الشرقية المفقودة من الامبراطورية، فيما سـُمـِّي "مملكة تدمر" التي كانت تحكمها زنوبيا من مدينة تدمر Palmyra. اقتطعت زنوبيا امبراطوريتها، التي ضمت سوريا، فلسطين، مصر وأجزاء كبيرة من آسيا الصغرى. في البداية، في البداية أورليان اُعـُرف به امبراطوراً، بينما ڤبلاتوس Vaballathus، ابن زنوبيا، حمل لقب rex وimperator ("ملك" و"القائد العسكري الأعلى")، ولكن أورليان قرر أن يغزو المقاطعات الشرقية بمجرد احساسه بأن لديه القوة الكافية لذلك.

تمت استعادة آسيا الصغرى بسهولة; كل المدن عدا بيزنطيوم و تيانا استسلمت له بأقل مقاومة. سقوط تيانا أصبح أسطورة مضرباً للأمثال; فحتى تلك النقطة كان أورليان يدمر كل مدينة تقاومه، إلا أنه استبقى تيانا بعد أن رأى في المنام فيلسوف القرن الأول أپولونيوس من تيانا، الذي كان يجله كثيراً. أپولونيوس ناشده، قائلاً: "أورليان، لو أردت أن تسـُود، فكف عن دماء الأبرياء أورليان، إذا انتصرت، فكن رحيماً" أياً كان السبب، فقد استبقى أورليان تيانا. وقد نجح الأسلوب; فاستسلمت له العديد من المدن بمجرد أن رأوا أن الامبراطور لن ينتقم منهم. في خلال ستة أشهر، كانت جيوشه تدق أبوبا تدمر، التي استسلمت عندما حاولت زنوبيا الهرب إلى الامبراطورية الساسانية. وانتهت "الامبراطورية التدمرية". لاحقاً تم الإمساك بزنوبيا وابنها واُجبرا على السير في شوارع روما في موكب انتصار أورليان. وبعد اشتباك قصير مع الفرس وآخر في مصر ضد المستولي على الحكم فيرموس، اضطر أورليان للعودة إلى تدمر في عام 273 عندما ثارت تلك المدينة عليه تارة أخرى. هذه المرة، سمح أورليان لجنوده بنهب المدينة، ولم تقم لتدمر قائمة منذ ذلك اليوم. أتت أمجاد إضافية إلى أورليان تطلبه; فقثد اُطلق عليه لقب Parthicus Maximus وRestitutor Orientis ("مستعيد الشرق").

هزيمته للامبراطورية الغالية

وفي عام 274 هزم أورليان تتريكس عند شالون Chalons وعاد بعدئذ إلى غالة. واغتبطت روما بعودة سيادتها إليها فرحبت بالقائد الظافر ولقبته "مرجع العالم" restittor orbis. ثم وجه عنايته إلى واجبات السلم، فأعاد إلى الإمبراطوريّة سيئاً من النظام الاقتصادي بإصلاح النقد الروماني، وأعاد تنظيم الأداة الحكومية بأن طبق عليها نفس النظام الصارم الذي رد به الحياة إلى الجيش. وكان يعزو بعض ما تعانيه روما من الفوضى الأخلاقية والسياسية إلى تعدد الأديان والمذاهب فيها ويسعى لأن يوحد الأديان القديمة والجديدة ويوجهها إلى عبادة إله واحد هو إله الشمس، والإمبراطور نائبه في الأرض ولما أظهر الجيش ومجلس الشيوخ تشككهما، أبلغهما أن الله، لا اختيارهما، هو الذي جعله إمبراطوراً. وأنشأ في روما هيكلاً للشمس رائع الجمال، كان يرجو أن يمتزج فيه بعل حمص وإله المثراسية. وكانت الملكية المطلقة والتوحد تسيران وقتئذ جنباً إلى جنب، وكانت كلتاهما تسعى لأن تستعين بالأخرى؛ وكانت سياسة أورليان الدينية توصي بأن قوة الدولة آخذة في الاضمحلال، وأن قوة الدين آخذة في الارتفاع، وقد أصبح الملوك وقتئذ ملوكاً بنعمة الله. وكانت هذه هي فكرة الشرقيين عن الحكومة وهي فكرة وجدت في مصر، وبلاد الفرس، وسوريا؛ فلما قبلها أورليان عجل التيار الذي كان يحول الملكية إلى حكومة شرقية، وهو التيار الذي بدأ من عهد إلجابالس وانتهى عن دقلديانوس وقسطنطين.

اغتياله

وبينما كان أورليان يقود جيشاً مخترقاً به تراقية ليحسم الأمر بينه وبين فارس إذ اغتاله في عام 275 جماعة من ضباطه لأنهم خدعوا فظنوا أنه ينوي إعدامهم. وارتاع الجيش لكثرة ما ارتكبه هو نفسه من الجرائم فطلب إلى مجلس الشيوخ أن يختار مَن يخلف الإمبراطور القتيل؛ ولم يكن أحد يرغب في هذا الشرف الذي ينذر بالقتل على الدوام؛ وانتهى الأمر بأن رضي به تاستس لأنه كان وقتئذ في الخامسة والسبعين من عمره. وكان تاستس هذا يدعي أنه من نسل المؤرخ المسمى بهذا الاسم، وكانت تتمثل فيه جميع الفضائل التي كان ينادي بها ذلك الكاتب الموجز المتشائم؛ لكنه قضى نحبه من فرط الأعياء بعد ستة أشهر من جلوسه على العرش، وندم الجند على ندمهم، فعادوا إلى الاستئثار بالسلطة ونادوا بِبروبس Probus إمبراطوراً (276).


المراجع

موسوعة المعرفة

التصانيف

تصنيف :أعلام   تصنيف :شخصبات تاريخية