الآية السادسة والعشرون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم » مسألة قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا

الجزء الثاني - المسألة العاشرة : قوله تعالى : ( ومن قتله منكم متعمدا ) فذكر الله سبحانه وتعالى المتعمد في وجوب الجزاء خاصة ، وفي ذلك ثلاثة أقسام ، متعمد ، ومخطئ ، وناس ؛ فالمتعمد هو القاصد للصيد مع العلم بالإحرام ، والمخطئ هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا . والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه . واختلف الناس في ذلك على ثلاثة أقوال : الأول : أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان ؛ قاله ابن عباس ، ويروى عن عمر وعطاء والحسن وإبراهيم النخعي والزهري . الثاني : إذا قتله متعمدا لقتله ، ناسيا لإحرامه ؛ فأما إذا كان ذاكرا لإحرامه فقد حل ولا حج له ، ومن أخطأ فذلك الذي يجزي .

الثالث : لا شيء على المخطئ والناسي ، وبه قال الطبري وأحمد بن حنبل في إحدى روايتيه . واختلف الذين قالوا بعموم الكفارة في توجيه ذلك على أربعة أقوال : الأول : أنه ورد القرآن بالعمد ، وجعل الخطأ تغليظا ؛ قاله سعيد بن جبير . والثاني : أن قوله : ( متعمدا ) خرج على الغالب ، فألحق به النادر ، كسائر أصول الشريعة . الثالث : قال الزهري : إنه وجب الجزاء في العمد بالقرآن ، وفي الخطأ والنسيان بالسنة .

الرابع : أنه وجب بالقياس على قاتل الخطأ بعلة أنها كفارة إتلاف نفس ؛ فتعلقت بالخطأ ، ككفارة القتل ؛ وتعلق مجاهد بأنه أراد متعمدا للقتل ناسيا لإحرامه ، لقوله بعد ذلك : ( ومن عاد فينتقم الله منه ) ، ولو كان ذاكرا لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأول مرة .

- ص 179 - وتعلق أحمد في إحدى روايتيه ومن تابعه عليها بأنه خص المتعمد بالذكر ، فدل على أن غيره بخلافه ، وزاد بأن قال الأصل براءة الذمة ، فمن ادعى شغلها فعليه الدليل .

وأما متعلق من قال : وجب في النسيان تغليظا فدعوى تحتاج إلى دليل . وأما من قال : إنه خرج على الغالب فحكمة الآية وفائدة التخصيص ما قالوه ، فأين دليله ؟ وأما من قال : إنه وجب في النسيان بالسنة فإن كان يريد به الآثار التي وردت عن ابن عباس وابن عمر فنعما هي ، وما أحسنها أسوة ، وأما من تعلق بالقياس على كفارة القتل فيصح ذلك للشافعي الذي يرى الكفارة في قتل الآدمي عمدا وخطأ ، فأما نحن وقد عقدنا أصلنا على أن قتل العمد في الآدمي لا كفارة فيه ، وفي قتل الصيد عمدا الكفارة فلا يصح ذلك منا لوجود المناقضة منا بالمخالفة فيه بينه وبينه عندنا .

والذي يتحقق من الآية أن معناها أن من قتل الصيد منكم متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه ، أو جاهلا بتحريمه ، فعليه الجزاء ؛ لأن ذلك يكفي لوصف التعمد ، فتعلق الحكم به ، لاكتفاء المعنى معه . وهذا دقيق فتأملوه . فأما إذا قتله متعمدا للقتل والإحرام فذلك أبلغ في وصف العمدية ؛ لكن من الناس من قال : لا حج له . وهذه دعوى لا يدلك عليها دليل من ظاهر القرآن ولا من السنة ولا من المعنى ، وسنستوفي بقية القول في آخر الآية إن شاء الله .


المراجع

موسوعة الإسلام

التصانيف

المعرفة-الفقه