- الجزء الأول - باب الوقوف بعرفة قال الله تعالى : ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) قال أبو بكر : قد دل ذلك على أن مناسك الحج الوقوف بعرفة ، وليس في ظاهره دلالة على أنه من فروضه ، فلما قال في سياق الخطاب : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) أبان بذلك عن فرض الوقوف ولزومه وذلك لأن أمره بالإفاضة مقتض للوجوب ، ولا تكون الإفاضة فرضا إلا والكون بها فرضا حتى يفيض منها ؛ إذ لا يتوصل إلى الإفاضة إلا بكونه قبلها هناك .

وقد اختلف في تأويل قوله : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) فروي عن عائشة وابن عباس وعطاء والحسن ومجاهد وقتادة والسدي : أنه أراد الإفاضة من عرفة ، قالوا : وذلك ؛ « لأن قريشا ومن دان دينها يقال لهم الحمس كانوا يقفون بالمزدلفة ويقف سائر العرب بعرفات ، فلما جاء الإسلام أنزل الله تعالى على نبيه : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ومن دان دينها أن يأتوا عرفات فيقفوا بها مع الناس ويفيضوا من حيث أفاض الناس » . وحكي عن الضحاك أنه أراد به الوقوف بالمزدلفة وأن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم عليه السلام . وقيل : إنه إنما قال : " الناس " وأراد إبراهيم وحده ، كما قال تعالى : ( الذين قال لهم الناس ) وكان رجلا واحدا .

ولأن إبراهيم عليه السلام لما كان الإمام المقتدى به سماه الله تعالى أمة كان بمنزلة الأمة التي تتبع سنته ، جاز إطلاق اسم الناس ، والمراد به هو وحده . والتأويل الأول هو الصحيح لاتفاق السلف عليه ، والضحاك لا يزاحم به هؤلاء ، فهو قول شاذ . وإنما ذكر الناس هاهنا وأمر قريشا بالإفاضة من حيث أفاض الناس ؛ لأنهم كانوا أعظم الناس ، وكانت قريش ومن دان دينها قليلة بالإضافة إليهم ؛ فلذلك قال : ( من حيث أفاض الناس ) - ص 425 - فإن قيل : لما قال : ( فإذا أفضتم من عرفات ) ثم عقب ذلك بقوله : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) و " ثم " يقتضي الترتيب لا محالة ، علمنا أن هذه الإفاضة هي بعد الإفاضة من عرفات ، وليس بعدها إفاضة إلا من المزدلفة وهي المشعر الحرام ، فكان حمله على ذلك ، أولى منه على الإفاضة من عرفة ؛ ولأن الإفاضة من عرفة قد تقدم ذكرها فلا وجه لإعادتها .

قيل له : إن قوله تعالى : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) عائد إلى أول الكلام ، وهو الخطاب بذكر الحج وتعليم مناسكه وأفعاله ، فكأنه قال : " يا أيها المأمورون بالحج من قريش بعد ما تقدم ذكرنا له أفيضوا من حيث أفاض الناس " فيكون ذلك راجعا إلى صلة خطاب المأمورين ، وهو كقوله تعالى : ( ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ) ، والمعنى : بعد ما ذكرنا لكم أخبرنا كم أنا آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن . ويجوز أن يكون " ثم " بمعنى " الواو " فيكون تقديره : وأفيضوا من حيث أفاض الناس ؛ كما قال تعالى : ( ثم كان من الذين آمنوا ) معناه : وكان من الذين آمنوا ، وقوله : ( ثم الله شهيد على ما يفعلون ) معناه : والله شهيد .

فإذا كان ذلك سائغا في اللغة ثم روي عن السلف ما ذكرنا ، لم يجز العدول عنه إلى غيره . وأما قولك " إن ذكر عرفات قد تقدم في قوله : ( فإذا أفضتم من عرفات ) فلا يكون لقوله : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) وجه " فليس كذلك ؛ لأن قوله ( فإذا أفضتم من عرفات ) لا دلالة فيه على إيجاب الوقوف ، وقوله : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) هو أمر لمن لم يكن يقف بعرفة من قريش فقد أفاد به من إيجاب الوقوف ما لم يتضمنه قوله : ( فإذا أفضتم من عرفات ) إذ لا دلالة في قوله : ( فإذا أفضتم من عرفات ) على فرض الوقوف .

ومع ذلك فلو اقتصر على قوله : ( فإذا أفضتم من عرفات ) لكان جائزا أن يظن ظان أنه خطاب لمن كان يقف بها دون من لم يكن يرى الوقوف بها ، فيكون التاركون للوقوف على جملة أمرهم في الوقوف بالمزدلفة دون عرفات ، فأبطل ظن الظان لذلك بقوله : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) واتفقت الأمة مع ذلك على أن تارك الوقوف بعرفة لا حج له ، ونقلته عن النبي عليه السلام قولا وعملا . وروى بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال : سئل رسول الله : كيف الحج ؟ قال : « الحج يوم عرفة ، من جاء عرفة ليلة - ص 426 - جمع قبل الصبح ، أو يوم جمع فقد تم حجه » .

وروى الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بالمزدلفة : « من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا ، أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه » .

وقد روي عن ابن عباس وابن عمر ، وابن الزبير وجابر : " إذا وقف قبل طلوع الفجر فقد تم حجه " ، والفقهاء مجمعون على ذلك وقد اختلف الفقهاء في من لم يقف بعرفة ليلا ، فقال سائرهم : إذا وقف نهارا فقد تم حجه ، وإن دفع منها قبل غروب الشمس فعليه دم عند أصحابنا إن لم يرجع قبل الإمام ، وقال مالك بن أنس : " إن لم يرجع حتى طلع الفجر بطل حجه " وأصحابه يزعمون أنه قال ذلك ؛ لأن مذهبه أن فرض الوقوف بالليل دون النهار ، وأن الوقوف نهارا غير مفروض وإنما هو مسنون . وروي عن ابن الزبير أن من دفع من عرفات قبل غروب الشمس فسد حجه ، والدليل على صحة القول الأول قوله عليه السلام في حديث عروة بن مضرس « وأفاض من عرفة قبل ذلك ليلا ، أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه » فحكم بصحة حجه وإتمامه بوقوفه في أحد الوقتين من ليل ، أو نهار .

ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) و ( حيث ) اسم للموضع ، وهو عرفات ، فكان بمنزلة قوله : أفيضوا من عرفات ولم يخصصه بليل ولا نهار ، وليس فيه ذكر للوقت ، فاقتضى ذلك جوازه في أي وقت وقف فيه .

ويدل عليه من جهة النظر أنا وجدنا سائر المناسك ابتداؤها بالنهار ، وإنما يدخل فيه الليل تبعا ، ولم نجد شيئا منها يختص بالليل حتى لا يصح فعله في غيره فقول من جعل فرض الوقوف بالليل خارج عن الأصول ، ألا ترى أن طواف الزيارة ، والوقوف بالمزدلفة ، والرمي ، والذبح ، والحلق كل ذلك مفعول بالنهار ؟ وإنما يفعل بالليل على أنه يؤخر عن وقته على وجه التبع للنهار ، فوجب أن يكون ذلك حكم الوقوف بعرفة وأيضا قد نقلت الأمة وقوف النبي عليه السلام نهارا إلى يومنا هذا ، وأنه دفع منها عند سقوط الفرض ، وهذا يدل على أن وقت الوقوف - ( عرفات ) - هو النهار ، ووقت الغروب هو الدفع ، فاستحال أن يكون الدفع هو وقت الفرض ، ووقت الوقوف لا يكون وقتا للفرض .

وأيضا لما قيل يوم عرفة " ونقلت هذه التسمية عن النبي عليه السلام في أخبار كثيرة ، منها : « إن الله تعالى يباهي ملائكته يوم عرفة » ومنها : « إن صيام يوم عرفة يعدل صيام سنة » ولذلك أطلقت الأمة ذلك عليه ، دل على أن النهار وقت الفرض فيه ، وأن الوقوف ليلا إنما يفعله من وقف فائتا ؛ ألا ترى أنه لما قيل يوم الجمعة ، ويوم الأضحى ، ويوم الفطر " كانت هذه الأفعال واقعة في هذه الأيام نهارا ولذلك - ص 427 - أضيفت إليها ؟ فدل ذلك على أن فرض الوقوف يوم عرفة ، وأنه يفعل ليلا على وجه القضاء لما فاته ، كما يرمي الجمار ليلا على وجه القضاء لما فاته نهارا ، وكذلك الطواف ، والذبح ، والحلق واختلف في موضع الوقوف - ( عرفات ) - ، فروى جبير بن مطعم أن النبي عليه السلام قال : « كل عرفات موقف وارفعوا عن عرنة ، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر » . وروى جابر عن النبي عليه السلام أنه قال : « كل عرفة موقف » .

وقال ابن عباس : " ارتفعوا عن وادي عرفة ، والمنبر عن مسيلة فما فوق ذلك موقف " ولم يختلف رواة الأخبار « أن النبي عليه السلام دفع من عرفة بعد غروب الشمس » ؛ وقد روي أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون منها إذا صارت الشمس على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم ، وأنهم كانوا يدفعون من المزدلفة بعد طلوع الشمس ، فخالفهم النبي عليه السلام ودفع من عرفات بعد الغروب ومن المزدلفة قبل الطلوع .

وروى سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس قال : « خطب رسول الله الناس يوم عرفة فقال : يا أيها الناس ليس البر في إيجاف الخيل ولا في إيضاع الإبل ولكن سيرا حسنا جميلا ، ولا توطئوا ضعيفا ولا تؤذوا مسلما » . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن أسامة بن زيد قال : « كان سيرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يدفع من عرفات العنق ، غير أنه كان إذا وجد فجوة نص » . والله أعلم .


المراجع

موسوعة الإسلام

التصانيف

المعرفة-الفقه