- الجزء الثالث - باب التوارث بالهجرة قال الله تعالى ( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) الآية حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج ، وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى ( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) الآية قال كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ، ولا يرثه وهو مؤمن ، ولا يرث الأعرابي المهاجر فنسختها ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) .

وروى عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن القاسم قال « آخى رسول الله بين الصحابة ، وآخى بين عبد الله بن مسعود ، والزبير بن العوام أخوة يتوارثون بها لأنهم هاجروا وتركوا أقرباءهم حتى أنزل الله آية المواريث » قال أبو بكر اختلف السلف في أن التوارث كان ثابتا بينهم بالهجرة والأخوة التي آخى بها رسول الله بينهم دون الأرحام ، وأن ذلك مراد هذه الآية ،

وأن قوله تعالى ( أولئك بعضهم أولياء بعض ) قد أريد به إيجاب التوارث بينهم ، وأن قوله ( ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) - ص 112 - قد نفى إثبات التوارث بينهم بنفيه الموالاة بينهم . وفي هذا دلالة على أن إطلاق لفظ الموالاة يوجب التوارث ، وإن كان قد يختص به بعضهم دون جميعهم على حسب وجود الأسباب المؤكدة له كما أن النسب سبب يستحق به الميراث ، وإن كان بعض ذوي الأنساب أولى به في بعض الأحوال لتأكد سببه ، وفي هذا دليل على أن قوله تعالى ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) موجب لإثبات القود لسائر ورثته ، وأن النساء والرجال في ذلك سواء لتساويهم في كونهم من مستحقي ميراثه ،

ويدل أيضا على أن الولاية في النكاح مستحقة بالميراث ، وأن قوله صلى الله عليه وسلم « لا نكاح إلا بولي » مثبت للولاية لجميع من كان من أهل الميراث على حسب القرب ، وتأكيد السبب ، وأنه جائز للأم تزويج أولادها الصغار إذا لم يكن لهم أب على ما يذهب إليه أبو حنيفة ؛ إذ كانت من أهل الولاية في الميراث ، وقد كانت الهجرة فرضا حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن فتح النبي مكة فقال « لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية » فنسخ التوارث بالهجرة بسقوط فرض الهجرة ،

وأثبت التوارث بالأنساب بقوله تعالى ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) قال الحسن كان المسلمون يتوارثون بالهجرة حتى كثر المسلمون فأنزل الله تعالى ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ) فتوارثوا بالأرحام ، وروى الأوزاعي عن عبدة عن مجاهد عن ابن عمر قال انقطعت الهجرة بعد الفتح . وروى الأوزاعي أيضا عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة مثله ، وزاد فيه : ولكن جهاد ونية ، وإنما كانت الهجرة إلى الله ورسوله ، والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يفتنوا عنه ، وقد أذاع الله الإسلام وأفشاه فتضمنت هذه الآية إيجاب التوارث ب

الهجرة ،

والمؤاخاة دون الأنساب ، وقطع الميراث بين المهاجر وبين من لم يهاجر ، واقتضى أيضا إيجاب نصرة المؤمن الذي لم يهاجر إذا استنصر المهاجر على من لم يكن بينهم وبينه عهد بقوله تعالى ( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) وقد روي في قوله تعالى ( ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) ما قد بينا ذكره في نفي الميراث عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في آخرين . وقيل : إنه أراد نفي إيجاب النصرة فلم تكن حينئذ على المهاجر نصرة من لم - ص 113 - يهاجر إلا أن يستنصر فتكون عليه نصرته إلا على من كان بينه وبينه عهد فلا ينقض عهده ، وليس يمتنع أن يكون نفي الولاية مقتضيا للأمرين جميعا من نفي التوارث والنصرة ثم نسخ نفي الميراث بإيجاب التوارث بالأرحام مهاجرا كان أو غير مهاجر ، وإسقاطه بالهجرة فحسب ، ونسخ نفي إيجاب النصرة بقوله تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض قوله تعالى والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) قال ابن عباس والسدي يعني في الميراث ، وقال قتادة في النصرة والمعاونة ،

وهو قول ابن إسحاق قال أبو بكر لما كان قوله تعالى ( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ) إلى قوله ( أولئك بعضهم أولياء بعض ) موجبا لإثبات التوارث بالهجرة ، وكان قوله ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) نافيا للميراث ، وجب أن يكون قوله تعالى : ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) موجبا لإثبات التوارث بينهم ؛ لأن الولاية قد صارت عبارة عن إثبات التوارث بينهم فاقتضى عمومه إثبات التوارث بين سائر الكفار بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم ؛ لأن الاسم يشملهم ويقع عليهم .

ولم تفرق الآية بين أهل الملل بعد أن يكونوا كفارا ، ويدل أيضا على إثبات ولاية الكفار على أولادهم الصغار لاقتضاء اللفظ له في جواز النكاح والتصرف في المال في حال الصغر والجنون . وقوله تعالى : ( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) يعني والله أعلم : إن لا تفعلوا ما أمرتم به في هاتين الآيتين من إيجاب الموالاة والتناصر والتوارث بالأخوة والهجرة ومن قطعها بترك الهجرة تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ،

وهذا مخرجه مخرج الخبر ، ومعناه الأمر ، وذلك لأنه إذا لم يتول المؤمن الفاضل على ظاهر حاله من الإيمان والفضل بما يدعو إلى مثل حاله ، ولم يبرأ من الفاجر والضال بما يصرفه عن ضلاله وفجوره أدى ذلك إلى الفساد والفتنة .


المراجع

موسوعة الإسلام

التصانيف

المعرفة-الفقه