الجزء الثالث - سورة براءة - ص 115 - قال الله تعالى : ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) قال أبو بكر : البراءة هي قطع الموالاة وارتفاع العصمة ، وزوال الأمان . وقيل : إن معناه : هذه براءة من الله ورسوله ؛ ولذلك ارتفع . وقيل : هو ابتداء ، وخبره الظرف في { إلى } فاقتضى قوله عز وجل : ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) نقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم ، ورفع الأمان ، وإعلام نصب الحرب والقتال بينه وبينهم ، وهو على نحو قوله تعالى : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ) فكان ما ذكر في هذه الآية من البراءة نبذا إليهم ورفعا للعهد .
وقيل : إن ذلك كان خاصا فيمن أضمروا الخيانة وهموا بالغدر ، وكان حكم هذا اللفظ أن يرفع العهد في حال ذكر ذلك لهم إلا أنه لما عقبه بقوله تعالى : ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) بين به أن هذه البراءة وهذا النبذ إليهم إنما هي بعد أربعة أشهر ، وأن عهد ذوي العهد من هذا القبيل منهم باق إلى آخر هذه المدة ؛ قال الحسن : فمن كان منهم عهده أكثر من أربعة أشهر حط إليها .
ومن كان منهم عهده أقل رفع إليها . وقيل : إن هذه الأربعة الأشهر التي هي أشهر العهد أولها من عشرين من ذي القعدة وذو الحجة والمحرم وصفر وعشرة أيام من شهر ربيع الأول ؛ لأن الحج في تلك السنة التي حج فيها أبو بكر ، وقرأ فيها علي بن أبي طالب سورة براءة على الناس بمكة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كان في ذي القعدة ، ثم صار الحج في السنة الثانية ، وهي السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة ، وهو الوقت الذي وقته الله تعالى للحج ؛ لأن المشركين كانوا ينسئون الشهور ،
فاتفق عود الحج في السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوقت الذي فرضه الله تعالى فيه بديا على إبراهيم وأمره فيه بدعاء الناس إليه بقوله : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ) ولذلك « قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات : ألا إن الزمان قد استدار - ص 116 - كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض » فثبت الحج في اليوم التاسع من ذي الحجة ، وهو يوم عرفة ، والنحر اليوم العاشر منه ؛ فهذا قول من يقول إن الأربعة الأشهر التي جعلها للسياحة ، وقطع بمضيها عصمة المشركين وعهدهم .
وقد قيل : في جواز نقض العهد قبل مضي مدته على جهة النبذ إليهم ، وإعلامهم نصب الحرب وزوال الأمان وجوه : أحدها : أن يخاف غدرهم وخيانتهم ، والآخر : أن يثبت غدرهم سرا فينبذ إليهم ظاهرا ، والآخر : أن يكون في شرط العهد أن يقرهم على الأمان ما يشاء وينقضه متى يشاء كما « قال النبي لأهل خيبر : أقركم ما أقركم الله » الآخر : أن العهد المشروط إلى مدة معلومة فيه ثبوت الأمان من حربهم وقتالهم من غير علمهم ، وأن لا يقصدوا وهم غارون ، وأنه متى أعلمهم رفع الأمان من حربهم فذلك جائز لهم ، وذلك معلوم في مضمون العهد ،
وسواء خاف غدرهم أو لم يخف أو كان في شرط العهد أن لنا نقضه متى شئنا أو لم يكن فإن لنا متى رأينا ذلك حظا للإسلام أن ننبذ إليهم ، وليس ذلك بغدر منا ولا خيانة ولا خفر للعهد ؛ لأن خفر الأمان والعهد أن يأتيهم بعد الأمان ، وهم غارون بأماننا ، فأما متى نبذنا إليهم فقد زال الأمان ، وعادوا حربا ، ولا يحتاج إلى رضاهم في نبذ الأمان إليهم ؛ ولذلك قال أصحابنا إن للإمام أن يهادن العدو إذا لم تكن بالمسلمين قوة على قتالهم ، فإن قوي المسلمون وأطاقوا قتالهم كان له أن ينبذ إليهم ويقاتلهم ، وكذلك كل ما كان فيه صلاح للمسلمين فللإمام أن يفعله .
وليس جواز رفع الأمان موقوفا على خوف الغدر والخيانة من قبلهم ، وقد روي عن ابن عباس أن هذه الأربعة الأشهر الحرم هي رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة إلى آخر المحرم . وقد كانت سورة براءة نزلت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج ، وكان الحج في تلك السنة في ذي القعدة ؛ فكأنهم على هذا القول إنما بقي عهدهم إلى آخر الأربعة الأشهر التي هي أشهر الحرم .
وقد روى جرير عن مغيرة عن الشعبي عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه قال : { كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة إلى المشركين ، فكنت أنادي حتى صحل صوتي ، وكان أمرنا أن نقول : « لا يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر ، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله » } .
وجائز أن تكون هذه الأربعة الأشهر من وقت ندائه ، وإعلامهم إياه ، وجائز أن يريد بها تمام - ص 117 - أربعة أشهر من الأشهر الحرم ، وقد روى سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي : « أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه يوم الحج الأكبر أن لا يطوف أحد بالبيت عريانا ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، ولا يحج مشرك بعد عامه هذا ، ومن كان بينه وبين النبي عهد فأجله إلى مدته ؛ » فجعل في حديث علي من له عهد عهده إلى أجله ، ولم يخصص أربعة أشهر من غيره ، وقال في حديث أبي هريرة : فعهده إلى أربعة أشهر ، وجائز أن يكون المعنيان صحيحين ، وأن يكون جعل أجل بعضهم أربعة أشهر أو تمام أربعة أشهر التي هي أشهر الحرم ، وجعل أجل بعضهم إلى مدته طالت المدة أو قصرت .
وذكر الأربعة الأشهر في حديث أبي هريرة موافق لقوله تعالى : ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) وذكر إثبات المدة التي أجلها في حديث علي موافق لقوله تعالى : ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) فكان أجل بعضهم وهم الذي خيف غدرهم وخيانتهم أربعة أشهر ، وأجل من لم يخش غدرهم إلى مدته . وقد روى يونس عن أبي إسحاق قال : « بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج في سنة تسع ، فخرج أبو بكر ،
ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين من العهد ، والذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم أن لا يصد عن البيت أحد ، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام ، وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين أهل الشرك » وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل العرب خصائص إلى آجال مسماة ، فنزلت : ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) أهل العهد العام من أهل الشرك من العرب ، ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) إن الله بريء من المشركين بعد هذه الحجة ،
وقوله : ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ) يعني : العهد الخاص إلى الأجل المسمى ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) يعني الأربعة التي ضربه لهم أجلا . وقوله : ( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) من قبائل بني بكر الذين كانوا دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش ؛ فلم يكن نقضها إلا هذا الحي من قريش ، وبنو الدئل ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد لمن لم يكن نقضه من بني بكر إلى مدته ،
( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) . وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) قال : جعل الله للذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر يسيحون - ص 118 - فيها حيث شاءوا ، وأجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم خمسين ليلة ، وأمره إذا انسلخ الأشهر الحرم أن يضع السيف فيمن عاهدوا ، ولم يدخلوا في الإسلام ، ونقض ما سمى لهم من العهد والميثاق .
قال أبو بكر : جعل ابن عباس في هذا الحديث الأربعة الأشهر التي هي أشهر العهد لمن كان له منهم عهد ، ومن لم يكن له منهم عهد جعل أجله انسلاخ المحرم ، وهو تمام خمسين ليلة من وقت الحج ، وهو العشر من ذي الحجة ، وذلك آخر وقت أشهر الحرم .
وروى ابن جريج عن مجاهد في قوله : ( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) : إلى أهل العهد من خزاعة ومدلج ، ومن كان له عهد من غيرهم ، قال : ثم بعث رسول الله أبا بكر ، وعليا فأذنوا أصحاب العهود أن يأمنوا أربعة أشهر ، وهي الأشهر الحرم المتواليات من عشر من ذي الحجة إلى عشر تخلو من شهر ربيع الآخر ، ثم لا عهد لهم ؛ قال : وهي الحرم من أجل أنهم آمنوا فيها .
قال أبو بكر : فجعل مجاهد الأشهر الحرم في أشهر العهد ، وذهب إلى أنها إنما سميت بذلك لتحريم القتال فيها ، وليست هي الأشهر التي قال الله فيها : ( أربعة حرم ) وقال : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) لأنه لا خلاف أن هذه الأشهر هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم والذي قاله مجاهد في ذلك محتمل ، وقال السدي : ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) قال : عشرون يبقى من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر ثم لا أمان لأحد ولا عهد إلا الإسلام أو السيف .
وحدثنا عبد الله بن إسحاق المروزي : حدثنا الحسن بن أبي ربيع الجرجاني : أخبرنا عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الزهري في قوله : ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) قال : نزلت في شوال وهي أربعة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم . قال قتادة : عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر ، كان ذلك في العهد الذي بينهم .
قال أبو بكر : قول قتادة موافق لقول مجاهد الذي حكيناه ، وأما قول الزهري فأظنه - ص 119 - وهما ؛ لأن الرواة لم يختلفوا أن سورة براءة نزلت في ذي الحجة في الوقت الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج ، ثم نزلت بعد خروجه سورة براءة فبعث بها مع علي ليقرأها على الناس بمنى ؛ فثبت بما ذكرنا من هذه الأخبار أنه قد كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد عام ، وهو أن لا يصد أحدا منهم عن البيت ، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام ، فجعل الله تعالى عهدهم أربعة أشهر بقوله تعالى : ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) وكان بينه وبين خواص منهم عهود إلى آجال مسماة ، وأمر بالوفاء لهم وإتمام عهودهم إلى مدتهم إذا لم يخش غدرهم وخيانتهم ، وهو قوله تعالى : ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) وهذا يدل على أن مدتهم إما أن تكون إلى آخر الأشهر الحرم التي قد كان الله تعالى حرم القتال فيها ، وجائز أن تكون مدتهم إلى آخر الأربعة الأشهر من وقت النبذ إليهم ، وهو يوم النحر ،
وآخره عشر مضين من شهر ربيع الآخر ، فسماها الأشهر الحرم على ما ذكره مجاهد لتحريم القتال فيها ، فلم يكن لأحد منهم بعد ذلك عهد . وأوجب بمضي هذه المدة دفع العهود كلها سواء من كان له منهم عهد خاص ، وسائر المشركين الذين عمهم عهده في ترك منعهم من البيت ، وحظر قتلهم في أشهر الحرم . وجائز أن يكون مراده انسلاخ المحرم الذي هو آخر الأشهر الحرم التي كان الله تعالى حظر القتال فيها ، وقد رويناه عن ابن عباس
المراجع
موسوعة الإسلام
التصانيف
المعرفة-الفقه