الآية الرابعة والثلاثون قوله تعالى يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم » مسألة كان الحالف كافرا
الجزء الثاني - المسألة الثالثة والعشرون : قوله : ( بالله )
وهذا نص من كتاب الله في ترك التغليظ بالألفاظ . والذي أقول : إنه إن كان الحالف كافرا كما تقدم في سرد الأقوال والروايات ، وقلنا بالتغليظ فلا يقال له في التغليظ قل : بالله الذي لا إله إلا هو ؛ لأنهم لا يقرون بها .
وعلى إقرارهم على هذا الإنكار بذلوا الجزية ، ولكنهم يحلفون ، كما روى أبو داود وغيره « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى » ، وتغلظ عليهم بالمكان في كنائسهم وبالزمان بعد صلاتهم ، كما تقدم - ص 245 - ذكره في قصة دقوقاء ؛ فإن الغرض من هذا التغليظ كله زجر الحالف عن الباطل ، والرجوع إلى الحق ، ورهبته بما يحل من ذلك ، حتى يكون ذلك داعية للانكفاف عن الباطل والرجوع إلى الحق ، وهو معنى : ( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) . وقد حققنا هذا الغرض ، فقلنا : إن الله سبحانه ما غلظ في كتابه يمينا ، إنما قال : فيقسمان بالله . وقال تعالى : ( قل إي وربي إنه لحق ) . وقال مخبرا عن خليله : ( وتالله لأكيدن أصنامكم ) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت » . ولكن قد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو لتعلمن أني رسول الله حقا » . وروى النسائي وأبو داود أن « خصمين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمدعي : البينة . قال : يا رسول الله ، ليس لي بينة . فقال للآخر : احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عليك شيء ، أو ما له عندك شيء » . وتغليظ العدد في اللعان ، وهو التكرار ، وفي القسامة مثله .
وزعم الشافعي أنه رأى ابن مازن قاضي صنعاء يحلف بالمصحف ويؤثر أصحابه ذلك عن ابن عباس ، ولم يصح . وأما التغليظ بالحال فروي عن مطرف وابن الماجشون وبعض أصحاب الشافعي أنه يحلف قائما مستقبل القبلة . وروى ابن كنانة عن مالك : يحلف جالسا . والذي عندي أنه يحلف كما يحكم عليه بها إن قائما فقائما ، وإن جالسا فجالسا ؛ إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار قيام أو جلوس . - ص 246 - وتغليظ المكان كما قلنا في مسائل الخلاف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من حلف على منبري بيمين كاذبة فليتبوأ مقعده من النار » . فقيل : أراد أن يبين الحال ؛ لأنه مقطع الحقوق .
وقيل : أراد أن يخبر عن قوم عاهدوا وحلفوا على المنبر للناس ثم غدروا . وروي أن عبد الرحمن بن عوف رأى رجلا يحلف بين الركن والمقام فقال : أعلى دم أو على مال عظيم ؟ فدل ذلك على أنه عندهم من المستقر في الشرع ألا يحلف هنالك إلا على ما وصف ، فكل مال تقطع فيه اليد ، وتسقط فيه حرمة العضو فهو عظيم .
المراجع
موسوعة الإسلام
التصانيف
المعرفة الفقه