ذَات إبدَاع قَال المُفكِّر الكَبير «أدونيس»: (غُربة الدِّين الكُبرى أن تُصبح الكَنيسة أهم مِن المَسيح، والمَسجد أهم مِن الإسلَام)..
مِن هَذا المَنطق، «أدونيس» هُنا يُشير إلى أنَّ الدِّين أصبح شَكلاً يُلبَس، ومَنهجًا يُدَّعَى، وشِعَارًا تَتم المُزايدة عَليه.. | إنَّ مَن يَتأمَّل حياة النَّاس اليَوم؛ يَجد أنَّ الدِّين عند كثيرين لَيس مُعاملة -كَما يَقول الأثر النَّبوي- وإنَّما قَولاً شعاراتيًّا، يَتطاول فيه النَّاس بَعضهم فَوق بَعض، إذ لَم يَعُد الدِّين سلُوكًا يُطبَّق، بَل أصبح لوحة تُعلَّق، ولَم يَعُد الدِّين مَنهجًا يُتَّبع، بَل أصبح كَلِمَات بها يُتشدَّق، ولَم يَعُد الدِّين سَبيلاً يُمشى عَليه، بل أصبَح مُزايدات بهَا المَكاسب تُحقَّق.. | يا الله.. عِندَما يُصبح الدِّين نَغمة جوّال، أو شريط كَاسيت في مَحل لجَلب الزَّبائن.. | حَدَّثني أحدهم أنَّ بَعض سَائقي ال
يَقفون بجوار بَعض سِفَارات المَملكة في مِصر، وفي سُوريا، وغَيرها، فإذَا رَأوا خَارجًا مِن السِّفارة عَليه مَلامح السّعوديّين، أخذوا يَرفعون صَوت القُرآن، أو أصوَات بَرامج دِينيّة مِن السّعوديّة، مِثل «نور على الدرب»، أو «ناشئ في رحاب القرآن»، ومِن خلال هَذه المنتوجات الرُّوحيّة الجَميلة يَتم استدراج طَالبي التَّكاسي.. |
أكثَر مِن ذَلك.. عِندَما تَتَّصل عَلى جوّالات بَعض أصحَاب مَكاتب العَقار التي تُتَّهم بالمغالاة في الأسعَار، أو العمولات، أو تَتَّصل ببَعض أصحَاب حرَاج السيّارات، تَجد أنَّ نَغمات هَذه الجوّالات كُلّها أدعية مَأثورة بصَوت الشّعراوي، وغَيره، ليَطمئن المُتَّصل بأنَّ صَاحب الجوّال مُتديّن، ويَخاف الله، وبَعيد عَن مَناطق الشَّك والرِّيبة.. | إنَّ الدِّين بهَذه الصّورة اختُصِر بالشَّكل، وفُرِّغ مِن مَضمونه، فلم يَعُد السّلوك هو المَحل، أو التّطبيق هو المقيَاس، وإنَّما المَظهر الذي قَد يَستر مَا يُخبئه سوء الجَوهر.. | وقد انتقل هَذا الوبَاء -الذي يَجعل الدِّين شَكلاً فَقط- إلى بَعض المَتاجر، فتَجد بَعض الصيدليّات عِندما تَفتح بَابها، يَصرخ جهَاز صَغير قَائلاً لَك: اذكر الله، في نَفس الوَقت الذي قَد تَجد فيهِ أنَّ الصّيدلي شَهادته مُزوّرة، ويَبيعك الدّواء بسعر مُضاعف، هَذا إذَا لَم يَكن يَضرّ بالصّحة.. | كَما أنَّك عِندَما تَدخل إلى بَعض الأسوَاق الكَبيرة، التي اشتُهِرت بمُضاعفة الأسعَار، والضّحك عَلى النَّاس، تَجد أنَّ اللوحات في هَذه المَراكز كَثيرة، وكُلّها تُرشدك إلى الاستغفَار، وإلى ذِكر الله، وإلى التّعوّذ مِن الشّيطان الرَّجيم، في حين أنَّ التَّاجِر الجَشِع يَستغلَّك، ويَنصب عَليك، ومَع هَذا لا تَتعوّذ مِنه، بَل تتعوّذ مِن الشّيطان فَقط.. | حَسنًا.. مَاذا بَقي..؟ | بَقي القول: إنَّ القَلب يَشعر بالألم، والنَّفس مُكبّلة بالحَسرة، عِندَما يَتحوّل هَذا الدِّين العَظيم إلى نَغمة جوّال، أو تَسجيل صَوتي في سِنترال إحدى المؤسسات، وكَأنَّ الدِّين أصبح سَبيلاً للتَّفاخُر، والتَّطاول، والمُماطلة، وقَد عَاتبتُ أحد موظّفي الإدَارات الحكوميّة عَلى التَّأخُّر في الرَّد، فقَال: يا أخي اتّق الله، نَحن وَضعنا جِهازًا صَوتيًّا فيهِ أدعية تَدعو لَك، كَيف تَزهد بالدُّعاء، وهو يوصلك إلى الدَّار البَاقية، وتَهتم بأمورك الدّنيويّة، والدُّنيا كَما تَعلم فَانية..؟ | .
modified by: Ayoub Younis
المراجع
صحيفة نسيج
التصانيف
اسلام
login |