النازعات


{16} إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى وَفِي " طُوًى " ثَلَاث قِرَاءَات : قَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَابْن عَامِر وَالْكُوفِيُّونَ " طَوًى " مُنَوَّنًا وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد لِخِفَّةِ الِاسْم الْبَاقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِين ; لِأَنَّهُ مَعْدُول مِثْل عُمَر وَقُثَم قَالَ الْفَرَّاء : طُوَى : وَادٍ بَيْن الْمَدِينَة وَمِصْر . قَالَ : وَهُوَ مَعْدُول عَنْ طَاوٍ , كَمَا عُدِلَ عُمَر عَنْ عَامِر وَقَرَأَ الْحَسَن وَعِكْرِمَة " طِوًى " بِكَسْرِ الطَّاء , وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرو , عَلَى مَعْنَى الْمُقَدَّس مَرَّة بَعْد مَرَّة ; قَالَ الزَّجَّاج ; وَأَنْشَدَ : أَعَاذِل إِنَّ اللَّوْم فِي غَيْر كُنْهه عَلَيَّ طِوًى مِنْ غَيِّك الْمُتَرَدِّد أَيْ هُوَ لَوْم مُكَرَّر عَلَيَّ . وَقِيلَ : ضَمّ الطَّاء وَكَسْرُهَا لُغَتَانِ , وَقَدْ مَضَى فِي " طَه " الْقَوْل فِيهِ .
{17} اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى " اِذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن " أَيْ نَادَاهُ رَبُّهُ , فَحُذِفَ ; لِأَنَّ النِّدَاء قَوْل ; فَكَأَنَّهُ ; قَالَ لَهُ رَبُّهُ " اِذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن " . " إِنَّهُ طَغَى " أَيْ جَاوَزَ الْقَدْر فِي الْعِصْيَان . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن قَالَ : كَانَ فِرْعَوْن عِلْجًا مِنْ هَمْدَان . وَعَنْ مُجَاهِد قَالَ : كَانَ مِنْ أَهْل إِصْطَخْر . وَعَنْ الْحَسَن أَيْضًا قَالَ : مِنْ أَهْل أَصْبَهَان , يُقَال : لَهُ ذُو ظُفْر , طُولُهُ أَرْبَعَة أَشْبَار . وَقَالَ صَخْر بْن جُوَيْرِيَة : لَمَّا بَعَثَ اللَّه مُوسَى إِلَى فِرْعَوْن قَالَ لَهُ : " اِذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن " إِلَى قَوْله " وَأَهْدِيك إِلَى رَبِّك فَتَخْشَى " وَلَنْ يَفْعَل , فَقَالَ : يَا رَبّ , وَكَيْف أَذْهَب إِلَيْهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَفْعَل ؟ فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ اِمْضِ إِلَى مَا أَمَرْتُك بِهِ , فَإِنَّ فِي السَّمَاء اِثْنَيْ عَشَر أَلْف مَلَك يَطْلُبُونَ عِلْم الْقَدَر , فَلَمْ يَبْلُغُوهُ وَلَا يُدْرِكُوهُ .
{18} فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى أَيْ تُسْلِم فَتَطْهُر مِنْ الذُّنُوب . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : هَلْ لَك أَنْ تَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَقَرَأَ نَافِع وَابْن كَثِير " تَزَّكَّى " بِتَشْدِيدِ الزَّاي , عَلَى إِدْغَام التَّاء فِي الزَّاي ; لِأَنَّ أَصْلَهَا تَتَزَكَّى . الْبَاقُونَ : " تَزَكَّى " بِتَخْفِيفِ الزَّاي عَلَى مَعْنَى طَرْح التَّاء . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : " تَزَّكَّى " بِالتَّشْدِيدِ تَتَصَدَّق بِالصَّدَقَةِ , وَ " تَزَكَّى " يَكُون زَكِيًّا مُؤْمِنًا . وَإِنَّمَا دَعَا فِرْعَوْن لِيَكُونَ زَكِيًّا مُؤْمِنًا . قَالَ : فَلِهَذَا اِخْتَرْنَا التَّخْفِيف . وَقَالَ صَخْر بْن جُوَيْرِيَة : لَمَّا بَعَثَ اللَّه مُوسَى إِلَى فِرْعَوْن قَالَ لَهُ : " اِذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن " إِلَى قَوْله " وَأَهْدِيك إِلَى رَبّك فَتَخْشَى " وَلَنْ يَفْعَل , فَقَالَ : يَا رَبّ , وَكَيْف أَذْهَب إِلَيْهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَفْعَل ؟ فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ اِمْضِ إِلَى مَا أَمَرْتُك بِهِ , فَإِنَّ فِي السَّمَاء اِثْنَيْ عَشَر أَلْف مَلَك يَطْلُبُونَ عِلْم الْقَدَر , فَلَمْ يَبْلُغُوهُ وَلَا يُدْرِكُوهُ .
{19} وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى " وَأَهْدِيك إِلَى رَبِّك " أَيْ وَأَرْشُدُك إِلَى طَاعَة رَبّك " فَتَخْشَى " أَيْ تَخَافهُ وَتَتَّقِيه . وَقَالَ صَخْر بْن جُوَيْرِيَة : لَمَّا بَعَثَ اللَّه مُوسَى إِلَى فِرْعَوْن قَالَ لَهُ : " اِذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن " إِلَى قَوْله " وَأَهْدِيك إِلَى رَبّك فَتَخْشَى " وَلَنْ يَفْعَل , فَقَالَ : يَا رَبّ , وَكَيْف أَذْهَب إِلَيْهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَفْعَل ؟ فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ اِمْضِ إِلَى مَا أَمَرْتُك بِهِ , فَإِنَّ فِي السَّمَاء اِثْنَيْ عَشَر أَلْف مَلَك يَطْلُبُونَ عِلْم الْقَدَر , فَلَمْ يَبْلُغُوهُ وَلَا يُدْرِكُوهُ .
{20} فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى أَيْ الْعَلَامَة الْعُظْمَى وَهِيَ الْمُعْجِزَة وَقِيلَ : الْعَصَا . وَقِيلَ : الْيَد الْبَيْضَاء تَبْرُق كَالشَّمْسِ . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْآيَة الْكُبْرَى قَالَ الْعَصَا . الْحَسَن : يَده وَعَصَاهُ . وَقِيلَ : فَلْق الْبَحْر . وَقِيلَ : الْآيَة : إِشَارَة إِلَى جَمِيع آيَاته وَمُعْجِزَاته .
{21} فَكَذَّبَ وَعَصَى " فَكَذَّبَ " أَيْ كَذَّبَ نَبِيَّ اللَّه مُوسَى " وَعَصَى " أَيْ عَصَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
{22} ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى أَيْ وَلَّى مُدْبِرًا مُعْرِضًا عَنْ الْإِيمَان " يَسْعَى " أَيْ يَعْمَل بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْض . وَقِيلَ : يَعْمَل فِي نِكَايَة مُوسَى . وَقِيلَ : " أَدْبَرَ يَسْعَى " هَارِبًا مِنْ الْحَيَّة .
{23} فَحَشَرَ فَنَادَى " فَحَشَرَ " أَيْ جَمَعَ أَصْحَابَهُ لِيَمْنَعُوهُ مِنْهَا . وَقِيلَ : جَمَعَ جُنُوده لِلْقِتَالِ وَالْمُحَارَبَة , وَالسَّحَرَة لِلْمُعَارَضَةِ . وَقِيلَ : حَشَرَ النَّاس لِلْحُضُورِ . " فَنَادَى " أَيْ قَالَ لَهُمْ بِصَوْتٍ عَالٍ وَقِيلَ : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير ; فَنَادَى فَحَشَرَ ; لِأَنَّ النِّدَاء يَكُون قَبْل الْحَشْر .
{24} فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى أَيْ لَا رَبّ لَكُمْ فَوْقِي . وَيُرْوَى : أَنَّ إِبْلِيس تَصَوَّرَ لِفِرْعَوْن فِي صُورَة الْإِنْس بِمِصْر فِي الْحَمَّام , فَأَنْكَرَهُ فِرْعَوْن , فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس : وَيْحك ! أَمَا تَعْرِفنِي ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : وَكَيْف وَأَنْتَ خَلَقْتنِي ؟ أَلَسْت الْقَائِل أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى . ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ فِي كِتَاب الْعَرَائِس . وَقَالَ عَطَاء : كَانَ صَنَعَ لَهُمْ أَصْنَامًا صِغَارًا وَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهَا , فَقَالَ أَنَا رَبّ أَصْنَامكُمْ . وَقِيلَ : أَرَادَ الْقَادَة وَالسَّادَة . هُوَ رَبّهمْ , وَأُولَئِكَ , هُمْ أَرْبَاب السَّفَلَة .
{25} فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى أَيْ نَكَال قَوْله : " مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي " { الْقَصَص : 38 } وَقَوْله بَعْد : " أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى " { النَّازِعَات : 24 } قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة . وَكَانَ بَيْن الْكَلِمَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَالْمَعْنَى : أَمْهَلَهُ فِي الْأُولَى , ثُمَّ أَخَذَهُ فِي الْآخِرَة , فَعَذَّبَهُ بِكَلِمَتَيْهِ . وَقِيلَ : نَكَال الْأُولَى : هُوَ أَنْ أُغْرِقَهُ , وَنَكَال الْآخِرَة : الْعَذَاب فِي الْآخِرَة . وَقَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره . وَقَالَ مُجَاهِد : هُوَ عَذَاب أَوَّل عُمْره وَآخِره وَقِيلَ : الْآخِرَة قَوْله " أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى " وَالْأُولَى تَكْذِيبه لِمُوسَى . عَنْ قَتَادَة أَيْضًا . وَ " نَكَال " مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر الْمُؤَكِّد فِي قَوْل الزَّجَّاج ; لِأَنَّ مَعْنَى أَخَذَهُ اللَّه : نَكَّلَ اللَّه بِهِ , فَأُخْرِجَ { نَكَال } مَكَان مَصْدَر مِنْ مَعْنَاهُ , لَا مِنْ لَفْظه . وَقِيلَ : نَصْب بِنَزْعِ حَرْف الصِّفَة . أَيْ فَأَخَذَهُ اللَّه بِنَكَالِ الْآخِرَة , فَلَمَّا نُزِعَ الْخَافِض نُصِبَ . وَقَالَ الْفَرَّاء : أَيْ أَخَذَهُ اللَّه أَخْذًا نَكَالًا , أَيْ لِلنَّكَالِ . وَالنَّكَال : اِسْم لِمَا جُعِلَ نَكَالًا لِلْغَيْرِ أَيْ عُقُوبَة لَهُ حَتَّى يُعْتَبَر بِهِ . يُقَال : نَكَّلَ فُلَان بِفُلَان : إِذَا أَثْخَنَهُ عُقُوبَة . وَالْكَلِمَة مِنْ الِامْتِنَاع , وَمِنْهُ النُّكُول عَنْ الْيَمِين , وَالنِّكْل الْقَيْد . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الْمُزَّمِّل " وَالْحَمْد لِلَّهِ .
{26} إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَة " أَيْ اِعْتِبَارًا وَعِظَة . " لِمَنْ يَخْشَى " أَيْ يَخَاف اللَّه عَزَّ وَجَلَّ .
{27} أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا " أَأَنْتُمْ أَشَدّ خَلْقًا " يُرِيد أَهْل مَكَّة , أَيْ أَخَلْقُكُمْ بَعْد الْمَوْت أَشَدُّ فِي تَقْدِيركُمْ " أَمْ السَّمَاء " فَمَنْ قَدَرَ عَلَى السَّمَاء قَدَرَ عَلَى الْإِعَادَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَخَلْقُ السَّمَوَات وَالْأَرْض أَكْبَرُ مِنْ خَلْق النَّاس " { غَافِر : 57 } وَقَوْله تَعَالَى : " أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُق مِثْلَهُمْ " { يس : 81 } , فَمَعْنَى الْكَلَام التَّقْرِيع وَالتَّوْبِيخ . ثُمَّ وَصَفَ السَّمَاء فَقَالَ : " بَنَاهَا " أَيْ رَفَعَهَا فَوْقكُمْ كَالْبِنَاءِ .
{28} رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا " رَفَعَ سَمْكَهَا " أَيْ أَعْلَى سَقْفهَا فِي الْهَوَاء ; يُقَال : سَمَكْت الشَّيْء أَيْ رَفَعْته فِي الْهَوَاء , وَسَمَكَ الشَّيْء سُمُوكًا : اِرْتَفَعَ وَقَالَ الْفَرَّاء : كُلّ شَيْء حَمَلَ شَيْئًا مِنْ الْبِنَاء وَغَيْره فَهُوَ سَمْكٌ . وَبِنَاء مَسْمُوك وَسَنَام سَامِك تَامِك أَيْ عَالٍ , وَالْمَسْمُوكَات : السَّمَوَات . وَيُقَال : اُسْمُكْ فِي الدَّيْم , أَيْ اِصْعَدْ فِي الدَّرَجَة . " فَسَوَّاهَا " أَيْ خَلَقَهَا خَلْقًا مُسْتَوِيًا , لَا تَفَاوُتَ فِيهِ , وَلَا شُقُوق , وَلَا فَطُور .
{29} وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا أَيْ جَعَلَهُ مُظْلِمًا ; غَطِشَ اللَّيْل وَأَغْطَشَهُ اللَّه ; كَقَوْلِك : ظَلِمَ { اللَّيْل } وَأَظْلَمَهُ اللَّه . وَيُقَال أَيْضًا : أَغْطَشَ اللَّيْلُ بِنَفْسِهِ . وَأَغْطَشَهُ اللَّه كَمَا يُقَال : أَظْلَمَ اللَّيْل , وَأَظْلَمَهُ اللَّه . وَالْغَطَش وَالْغَبَش : الظُّلْمَة . وَرَجُل أَغْطَش : أَيْ أَعْمَى , أَوْ شَبِيه بِهِ , وَقَدْ غَطِشَ , وَالْمَرْأَة غَطْشَاء ; وَيُقَال : لَيْلَة غَطْشَاء , وَلَيْل أَغْطَش وَفَلَاة غَطْشَى لَا يُهْتَدَى لَهَا ; قَالَ الْأَعْشَى : وَيَهْمَاء بِاللَّيْلِ غَطْشَى الْفَلَا ةِ يُؤْنِسنِي صَوْت فَيَادِهَا وَقَالَ الْأَعْشَى أَيْضًا : عَقَرْت لَهُمْ مَوْهِنًا نَاقَتِي وَغَامِرهمْ مُدْلَهِمّ غَطِشْ يَعْنِي بِغَامِرِهِمْ لَيْلهمْ ; لِأَنَّهُ غَمَرَهُمْ بِسَوَادِهِ . وَأَضَافَ اللَّيْل إِلَى السَّمَاء ; لِأَنَّ اللَّيْل يَكُون بِغُرُوبِ الشَّمْس , وَالشَّمْس مُضَاف إِلَى السَّمَاء , وَيُقَال : نُجُوم اللَّيْل ; لِأَنَّ ظُهُورهَا بِاللَّيْلِ .
{29} وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا أَيْ أَبْرَزَ نَهَارهَا وَضَوْءَهَا وَشَمْسهَا . وَأَضَافَ الضُّحَى إِلَى السَّمَاء كَمَا أَضَافَ إِلَيْهَا اللَّيْل ; لِأَنَّ فِيهَا سَبَب الظَّلَام وَالضِّيَاء وَهُوَ غُرُوب الشَّمْس وَطُلُوعهَا .
{30} وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَيْ بَسَطَهَا . وَهَذَا يُشِير إِلَى كَوْن الْأَرْض بَعْد السَّمَاء . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي أَوَّل " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى : " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا , ثُمَّ اِسْتَوَى إِلَى السَّمَاء " { الْبَقَرَة : 29 } مُسْتَوْفًى وَالْعَرَب تَقُول : دَحَوْت الشَّيْء أَدْحُوهُ دَحْوًا : إِذَا بَسَطْته . وَيُقَال لِعُشِّ النَّعَامَة أَدْحَى ; لِأَنَّهُ مَبْسُوط عَلَى وَجْه الْأَرْض . وَقَالَ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : وَبَثَّ الْخَلْق فِيهَا إِذْ دَحَاهَا فَهُمْ قُطَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِي وَأَنْشَدَ الْمُبَرِّد : دَحَاهَا فَلَمَّا رَآهَا اِسْتَوَتْ عَلَى الْمَاء أَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا وَقِيلَ : دَحَاهَا سَوَّاهَا ; وَمِنْهُ قَوْل زَيْد بْن عَمْرو : وَأَسْلَمْت وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْأَرْض تَحْمِل صَخْرًا ثِقَالَا دَحَاهَا فَلَمَّا اِسْتَوَتْ شَدَّهَا بِأَيْدٍ وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : خَلَقَ اللَّه الْكَعْبَة وَوَضَعَهَا عَلَى الْمَاء عَلَى أَرْبَعَة أَرْكَان , قَبْل أَنْ يَخْلُق الدُّنْيَا بِأَلْفِ عَام , ثُمَّ دُحِيَتْ الْأَرْض مِنْ تَحْت الْبَيْت . وَذَكَرَ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ " بَعْد " فِي مَوْضِع " مَعَ " كَأَنَّهُ قَالَ : وَالْأَرْض مَعَ ذَلِكَ دَحَاهَا ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " عُتُلّ بَعْد ذَلِكَ زَنِيم " { الْقَلَم : 13 } . وَمِنْهُ قَوْلهمْ : أَنْتَ أَحْمَق وَأَنْتَ بَعْد هَذَا سَيِّئُ الْخُلُق , قَالَ الشَّاعِر : فَقُلْت لَهَا عَنِّي إِلَيْك فَإِنَّنِي حَرَام وَإِنِّي بَعْد ذَاكَ لَبِيب أَيْ مَعَ ذَلِكَ لَبِيب . وَقِيلَ : بَعْد : بِمَعْنَى قَبْل ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُور مِنْ بَعْد الذِّكْر " { الْأَنْبِيَاء : 105 } أَيْ مِنْ قَبْل الْفُرْقَان , قَالَ أَبُو خِرَاش الْهُذَلِيّ : حَمِدْتُ إِلَهِي بَعْد عُرْوَة إِذْ نَجَا خِرَاش وَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْض وَزَعَمُوا أَنَّ خِرَاشًا نَجَا قَبْل عُرْوَة . وَقِيلَ : " دَحَاهَا " : حَرَثَهَا وَشَقَّهَا . قَالَهُ اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : دَحَاهَا مَهَّدَهَا لِلْأَقْوَاتِ . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب وَقِرَاءَة الْعَامَّة " وَالْأَرْض " بِالنَّصْبِ , أَيْ دَحَا الْأَرْض . وَقَرَأَ الْحَسَن وَعَمْرو بْن مَيْمُون " وَالْأَرْضُ " بِالرَّفْعِ , عَلَى الِابْتِدَاء ; لِرُجُوعِ الْهَاء . وَيُقَال : دَحَا يَدْحُو دَحْوًا وَدَحَى يَدْحَى دَحْيًا ; كَقَوْلِهِمْ : طَغَى يَطْغَى وَيَطْغُو , وَطَغِيَ يَطْغَى , وَمَحَا يَمْحُو وَيَمْحَى , وَلَحَى الْعُود يَلْحَى وَيَلْحُو , فَمَنْ قَالَ : يَدْحُو قَالَ دَحَوْت وَمَنْ قَالَ يَدْحَى قَالَ دَحَيْت
{31} أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا " أَخْرَجَ مِنْهَا " أَيْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَرْض " مَاءَهَا " أَيْ الْعُيُون الْمُتَفَجِّرَة بِالْمَاءِ . " وَمَرْعَاهَا " أَيْ النَّبَات الَّذِي يُرْعَى . وَقَالَ الْقُتَبِيّ : دَلَّ بِشَيْئَيْنِ عَلَى جَمِيع مَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْأَرْض قُوتًا وَمَتَاعًا لِلْأَنَامِ مِنْ الْعُشْب وَالشَّجَر وَالْحَبّ وَالتَّمْر وَالْعَصْف وَالْحَطَب وَاللِّبَاس وَالنَّار وَالْمِلْح ; لِأَنَّ النَّار مِنْ الْعِيدَانِ وَالْمِلْح مِنْ الْمَاء .
{32} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا قِرَاءَة الْعَامَّة " وَالْجِبَال " بِالنَّصْبِ , أَيْ وَأَرْسَى الْجِبَال " أَرْسَاهَا " يَعْنِي : أَثْبَتَهَا فِيهَا أَوْتَادًا لَهَا . وَقَرَأَ الْحَسَن وَعَمْرو بْن مَيْمُون وَعَمْرو بْن عُبَيْد وَنَصْر بْن عَاصِم " وَالْجِبَال " بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء . وَيُقَال : هَلَّا أُدْخِلَ حَرْف الْعَطْف عَلَى " أَخْرَجَ " فَيُقَال : " إِنَّهُ حَال بِإِضْمَارِ قَدْ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ " { النِّسَاء : 90 } .
{33} مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ " مَتَاعًا لَكُمْ " أَيْ مَنْفَعَة لَكُمْ " وَلِأَنْعَامِكُمْ " مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم . وَ " مَتَاعًا " نَصْب عَلَى الْمَصْدَر مِنْ غَيْر اللَّفْظ ; لِأَنَّ مَعْنَى " أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا " أَمَتَعَ بِذَلِكَ . وَقِيلَ : نَصْب بِإِسْقَاطِ حَرْف الصِّفَة تَقْدِيره لِتَتَمَتَّعُوا بِهِ مَتَاعًا .
{34} فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى أَيْ الدَّاهِيَة الْعُظْمَى , وَهِيَ النَّفْخَة الثَّانِيَة , الَّتِي يَكُون مَعَهَا الْبَعْث , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة الضَّحَّاك عَنْهُ , وَهُوَ قَوْل الْحَسَن . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَالضَّحَّاك : أَنَّهَا الْقِيَامَة ; سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَطِمّ عَلَى كُلّ شَيْء , فَتَعُمُّ مَا سِوَاهَا لِعِظَمِ هَوْلِهَا ; أَيْ تَقَلُّبه . وَفِي أَمْثَالهمْ : ( جَرَى الْوَادِي فَطَمَّ عَلَى الْقَرِيِّ ) الْمُبَرِّد : الطَّامَّة عِنْد الْعَرَب الدَّاهِيَة الَّتِي لَا تُسْتَطَاع , وَإِنَّمَا أُخِذَتْ فِيمَا أَحْسَب مِنْ قَوْلهمْ : طَمَّ الْفَرَس طَمِيمًا إِذَا اِسْتَفْرَغَ جَهْده فِي الْجَرْي , وَطَمَّ الْمَاء إِذَا مَلَأ النَّهَر كُلّه . غَيْره : هِيَ مَأْخُوذَة مِنْ طَمَّ السَّيْل الرَّكِيَّة أَيْ دَفَنَهَا , وَالطَّمّ : الدَّفْن وَالْعُلُوّ . وَقَالَ الْقَاسِم بْن الْوَلِيد الْهَمْدَانِيّ : الطَّامَّة الْكُبْرَى حِين يُسَاق أَهْل الْجَنَّة إِلَى الْجَنَّة وَأَهْل النَّار إِلَى النَّار . وَهُوَ مَعْنَى قَوْل مُجَاهِد : وَقَالَ سُفْيَان : هِيَ السَّاعَة الَّتِي يُسْلِم فِيهَا أَهْل النَّار إِلَى الزَّبَانِيَة . أَيْ الدَّاهِيَة الَّتِي طَمَّتْ وَعَظُمَتْ ; قَالَ : إِنَّ بَعْض الْحُبّ يُعْمِي وَيُصِمّ وَكَذَاك الْبُغْض أَدْهَى وَأَطَمّ
{35} يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى أَيْ مَا عَمِلَ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ .
{36} وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى " وَبُرِّزَتْ الْجَحِيم " أَيْ ظَهَرَتْ . " لِمَنْ يَرَى " قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُكْشَف عَنْهَا فَيَرَاهَا تَتَلَظَّى كُلُّ ذِي بَصَر . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْكَافِر لِأَنَّهُ الَّذِي يَرَى النَّار بِمَا فِيهَا مِنْ أَصْنَاف الْعَذَاب . وَقِيلَ : يَرَاهَا الْمُؤْمِن لِيَعْرِف قَدْر النِّعْمَة , وَيُصْلَى الْكَافِر بِالنَّارِ . وَجَوَاب " فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّة " مَحْذُوف أَيْ إِذَا جَاءَتْ الطَّامَّة دَخَلَ أَهْل النَّار النَّار وَأَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة . وَقَرَأَ مَالِك بْن دِينَار : " وَبَرَزَتْ الْجَحِيم " . عِكْرِمَة : وَغَيْره : " لِمَنْ تَرَى " بِالتَّاءِ , أَيْ لِمَنْ تَرَاهُ الْجَحِيم , أَوْ لِمَنْ تَرَاهُ أَنْتَ يَا مُحَمَّد . وَالْخِطَاب لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام , وَالْمُرَاد بِهِ النَّاس .
{37} فَأَمَّا مَنْ طَغَى أَيْ تَجَاوَزَ الْحَدّ فِي الْعِصْيَان . قِيلَ : نَزَلَتْ فِي النَّضْر وَابْنه الْحَارِث , وَهِيَ عَامَّة فِي كُلّ كَافِر آثَرَ الْحَيَاة الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَة . وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير قَالَ : مَنْ اِتَّخَذَ مِنْ طَعَام وَاحِد ثَلَاثَة أَلْوَان فَقَدْ طَغَى .
{38} وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا قِيلَ : نَزَلَتْ فِي النَّضْر وَابْنه الْحَارِث , وَهِيَ عَامَّة فِي كُلّ كَافِر آثَرَ الْحَيَاة الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَة . وَرَوَى جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك قَالَ : قَالَ حُذَيْفَة : أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة أَنْ يُؤْثِرُوا مَا يَرَوْنَ عَلَى مَا يَعْلَمُونَ . وَيُرْوَى أَنَّهُ وُجِدَ فِي الْكُتُب : إِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ " لَا يُؤْثِر عَبْد لِي دُنْيَاهُ عَلَى آخِرَته , إِلَّا بَثَثْت عَلَيْهِ هُمُومه وَضَيَّعْته , ثُمَّ لَا أُبَالِي فِي أَيّهَا هَلَكَ " .
{39} فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى أَيْ مَأْوَاهُ . وَالْأَلِف وَاللَّام بَدَل مِنْ الْهَاء .
{40} وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى أَيْ حَذِرَ مَقَامه بَيْن يَدَيْ رَبّه . وَقَالَ الرَّبِيع : مَقَامه يَوْم الْحِسَاب . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول : إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَقَامًا قَدْ خَافَهُ الْمُؤْمِنُونَ . وَقَالَ مُجَاهِد : هُوَ خَوْفه فِي الدُّنْيَا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عِنْد مُوَاقَعَة الذَّنْب فَيُقْلِع . نَظِيره : " وَلِمَنْ خَافَ مَقَام رَبّه جَنَّتَانِ " { الرَّحْمَن : 46 } . وَالْآيَتَانِ نَزَلَتَا فِي مُصْعَب بْن عُمَيْر وَأَخِيهِ عَامِر بْن عُمَيْر ; فَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أَمَّا مَنْ طَغَى فَهُوَ أَخ لِمُصْعَبِ بْن عُمَيْر أُسِرَ يَوْم بَدْر , فَأَخَذَتْهُ الْأَنْصَار فَقَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا أَخُو مُصْعَب بْن عُمَيْر , فَلَمْ يَشُدُّوهُ فِي الْوَثَاق , وَأَكْرَمُوهُ وَبَيَّتُوهُ عِنْدهمْ , فَلَمَّا أَصْبَحُوا حَدَّثُوا مُصْعَب بْن عُمَيْر حَدِيثه ; فَقَالَ : مَا هُوَ لِي بِأَخٍ , شُدُّوا أَسِيركُمْ , فَإِنَّ أُمَّهُ أَكْثَر أَهْل الْبَطْحَاء حُلِيًّا وَمَالًا . فَأَوْثَقُوهُ حَتَّى بَعَثَتْ أُمُّهُ فِي فَدَائِهِ . " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبّه " فَمُصْعَب بْن عُمَيْر , وَقَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ يَوْم أُحُد حِين تَفَرَّقَ النَّاس عَنْهُ , حَتَّى نَفَذَتْ الْمَشَاقِص فِي جَوْفه . وَهِيَ السِّهَام , فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَشَحِّطًا فِي دَمه قَالَ : { عِنْد اللَّه أَحْتَسِبُك } وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : { لَقَدْ رَأَيْته وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ مَا تُعْرَف قِيمَتهمَا وَإِنَّ شِرَاك نَعْلَيْهِ مِنْ ذَهَب } . وَقِيلَ : إِنَّ مُصَعَّب بْن عُمَيْر قَتَلَ أَخَاهُ عَامِرًا يَوْم بَدْر . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي رَجُلَيْنِ : أَبِي جَهْل بْن هِشَام الْمَخْزُومِيّ وَمُصْعَب بْن عُمَيْر الْعَبْدَرِيّ . وَقَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبّه " فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ لَهُ غُلَام يَأْتِيه بِطَعَامٍ , وَكَانَ يَسْأَلهُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْت بِهَذَا , فَأَتَاهُ يَوْمًا بِطَعَامٍ فَلَمْ يَسْأَلْهُ وَأَكَلَهُ , فَقَالَ لَهُ غُلَامه : لِمَ لَا تَسْأَلُنِي الْيَوْم ؟ فَقَالَ : نَسِيت , فَمِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الطَّعَام . فَقَالَ : تَكَهَّنْت لِقَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَعْطَوْنِيهِ . فَتَقَايَأَهُ مِنْ سَاعَته وَقَالَ : يَا رَبّ مَا بَقِيَ فِي الْعُرُوق فَأَنْتَ حَبَسْته فَنَزَلَتْ : " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبِّهِ " . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : نَزَلَتْ فِي مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ وَقَدَرَ عَلَيْهَا فِي خَلْوَة ثُمَّ تَرَكَهَا مِنْ خَوْف اللَّه . وَنَحْوه عَنْ اِبْن عَبَّاس . يَعْنِي مَنْ خَافَ عِنْد الْمَعْصِيَة مَقَامه بَيْن يَدَيْ اللَّه , فَانْتَهَى عَنْهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
{40} وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى أَيْ زَجَرَهَا عَنْ الْمَعَاصِي وَالْمَحَارِم . وَقَالَ سَهْل : تَرْك الْهَوَى مِفْتَاح الْجَنَّة ; لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْس عَنْ الْهَوَى " قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : أَنْتُمْ فِي زَمَان يَقُود الْحَقّ الْهَوَى , وَسَيَأْتِي زَمَان يَقُود الْهَوَى الْحَقّ فَنَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَان . وَالْآيَتَانِ نَزَلَتَا فِي مُصْعَب بْن عُمَيْر وَأَخِيهِ عَامِر بْن عُمَيْر ; فَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أَمَّا مَنْ طَغَى فَهُوَ أَخ لِمُصْعَبِ بْن عُمَيْر أُسِرَ يَوْم بَدْر , فَأَخَذَتْهُ الْأَنْصَار فَقَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا أَخُو مُصْعَب بْن عُمَيْر , فَلَمْ يَشُدُّوهُ فِي الْوَثَاق , وَأَكْرَمُوهُ وَبَيَّتُوهُ عِنْدهمْ , فَلَمَّا أَصْبَحُوا حَدَّثُوا مُصْعَب بْن عُمَيْر حَدِيثه ; فَقَالَ : مَا هُوَ لِي بِأَخٍ , شُدُّوا أَسِيركُمْ , فَإِنَّ أُمّه أَكْثَر أَهْل الْبَطْحَاء حُلِيًّا وَمَالًا . فَأَوْثَقُوهُ حَتَّى بَعَثَتْ أُمّه فِي فَدَائِهِ . " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبّه " فَمُصْعَب بْن عُمَيْر , وَقَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ يَوْم أُحُد حِين تَفَرَّقَ النَّاس عَنْهُ , حَتَّى نَفَذَتْ الْمَشَاقِص فِي جَوْفه . وَهِيَ السِّهَام , فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَشَحِّطًا فِي دَمه قَالَ : { عِنْد اللَّه أَحْتَسِبُك } وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : { لَقَدْ رَأَيْته وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ مَا تُعْرَف قِيمَتُهُمَا وَإِنَّ شِرَاك نَعْلَيْهِ مِنْ ذَهَب } . وَقِيلَ : إِنَّ مُصْعَب بْن عُمَيْر قَتَلَ أَخَاهُ عَامِرًا يَوْم بَدْر . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي رَجُلَيْنِ : أَبِي جَهْل بْن هِشَام الْمَخْزُومِيّ وَمُصْعَب بْن عُمَيْر الْعَبْدَرِيّ . وَقَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبّه " فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ لَهُ غُلَام يَأْتِيه بِطَعَامٍ , وَكَانَ يَسْأَلهُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْت بِهَذَا , فَأَتَاهُ يَوْمًا بِطَعَامٍ فَلَمْ يَسْأَل وَأَكَلَهُ , فَقَالَ لَهُ غُلَامه : لِمَ لَا تَسْأَلنِي الْيَوْم ؟ فَقَالَ : نَسِيت , فَمِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الطَّعَام . فَقَالَ : تَكَهَّنْت لِقَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَعْطَوْنِيهِ . فَتَقَايَأَهُ مِنْ سَاعَته وَقَالَ : يَا رَبّ مَا بَقِيَ فِي الْعُرُوق فَأَنْتَ حَبَسْته فَنَزَلَتْ : " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبّه " . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : نَزَلَتْ فِي مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ وَقَدَرَ عَلَيْهَا فِي خَلْوَة ثُمَّ تَرَكَهَا مِنْ خَوْف اللَّه . وَنَحْوه عَنْ اِبْن عَبَّاس . يَعْنِي مَنْ خَافَ عِنْد الْمَعْصِيَة مَقَامه بَيْن يَدَيْ اللَّه , فَانْتَهَى عَنْهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
{41} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى أَيْ الْمَنْزِل . وَالْآيَتَانِ نَزَلَتَا فِي مُصْعَب بْن عُمَيْر وَأَخِيهِ عَامِر بْن عُمَيْر ; فَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أَمَّا مَنْ طَغَى فَهُوَ أَخ لِمُصْعَبِ بْن عُمَيْر أُسِرَ يَوْم بَدْر , فَأَخَذَتْهُ الْأَنْصَار فَقَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا أَخُو مُصْعَب بْن عُمَيْر , فَلَمْ يَشُدُّوهُ فِي الْوَثَاق , وَأَكْرَمُوهُ وَبَيَّتُوهُ عِنْدهمْ , فَلَمَّا أَصْبَحُوا حَدَّثُوا مُصْعَب بْن عُمَيْر حَدِيثه ; فَقَالَ : مَا هُوَ لِي بِأَخٍ , شُدُّوا أَسِيرَكُمْ , فَإِنَّ أُمّه أَكْثَر أَهْل الْبَطْحَاء حُلِيًّا وَمَالًا . فَأَوْثَقُوهُ حَتَّى بَعَثَتْ أُمّه فِي فَدَائِهِ . " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبّه " فَمُصْعَب بْن عُمَيْر , وَقَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ يَوْم أُحُد حِين تَفَرَّقَ النَّاس عَنْهُ , حَتَّى نَفَذَتْ الْمَشَاقِص فِي جَوْفه . وَهِيَ السِّهَام , فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَشَحِّطًا فِي دَمه قَالَ : { عِنْد اللَّه أَحْتَسِبُك } وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : { لَقَدْ رَأَيْته وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ مَا تُعْرَف قِيمَتهمَا وَإِنَّ شِرَاك نَعْلَيْهِ مِنْ ذَهَب } . وَقِيلَ : إِنَّ مُصْعَب بْن عُمَيْر قَتَلَ أَخَاهُ عَامِرًا يَوْم بَدْر . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي رَجُلَيْنِ : أَبِي جَهْل بْن هِشَام الْمَخْزُومِيّ وَمُصْعَب بْن عُمَيْر الْعَبْدَرِيّ . وَقَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبِّهِ " فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ لَهُ غُلَام يَأْتِيه بِطَعَامٍ , وَكَانَ يَسْأَلهُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْت بِهَذَا , فَأَتَاهُ يَوْمًا بِطَعَامٍ فَلَمْ يَسْأَل وَأَكَلَهُ , فَقَالَ لَهُ غُلَامه : لِمَ لَا تَسْأَلنِي الْيَوْم ؟ فَقَالَ : نَسِيت , فَمِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الطَّعَام . فَقَالَ : تَكَهَّنْت لِقَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَعْطَوْنِيهِ . فَتَقَايَأَهُ مِنْ سَاعَته وَقَالَ : يَا رَبّ مَا بَقِيَ فِي الْعُرُوق فَأَنْتَ حَبْسَته فَنَزَلَتْ : " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَام رَبّه " . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : نَزَلَتْ فِي مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ وَقَدَرَ عَلَيْهَا فِي خَلْوَة ثُمَّ تَرَكَهَا مِنْ خَوْف اللَّه . وَنَحْوه عَنْ اِبْن عَبَّاس . يَعْنِي مَنْ خَافَ عِنْد الْمَعْصِيَة مَقَامه بَيْن يَدَيْ اللَّه , فَانْتَهَى عَنْهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
{42} يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس : سَأَلَ مُشْرِكُو مَكَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَتَى تَكُون السَّاعَة اِسْتِهْزَاء , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْآيَة . وَقَالَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر فِي قَوْله تَعَالَى : " فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا " ؟ لَمْ يَزَلْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَل عَنْ السَّاعَة , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " إِلَى رَبّك مُنْتَهَاهَا " . وَمَعْنَى " مُرْسَاهَا " أَيْ قِيَامهَا . قَالَ الْفَرَّاء : رُسُوّهَا قِيَامهَا كَرُسُوِّ السَّفِينَة . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أَيْ مُنْتَهَاهَا , وَمَرْسَى السَّفِينَة حَيْثُ , تَنْتَهِي . وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس . الرَّبِيع بْن أَنَس : مَتَى زَمَانهَا . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَعْرَاف " بَيَان ذَلِكَ . وَعَنْ الْحَسَن أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَقُوم السَّاعَة إِلَّا بِغَضْبَةٍ يَغْضَبهَا رَبّك } .
{43} فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا أَيْ فِي أَيّ شَيْء أَنْتَ يَا مُحَمَّد مِنْ ذِكْر الْقِيَامَة وَالسُّؤَال عَنْهَا ؟ وَلَيْسَ لَك السُّؤَال عَنْهَا . وَهَذَا مَعْنَى مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر قَالَ : لَمْ يَزَلْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَل عَنْ السَّاعَة حَتَّى نَزَلَتْ : " فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبّك مُنْتَهَاهَا " أَيْ مُنْتَهَى عِلْمهَا ; فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ سَأَلَ اللَّه أَنْ يُعَرِّفَهُ ذَلِكَ , فَقِيلَ لَهُ : لَا تَسْأَل , فَلَسْت فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون إِنْكَارًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي مَسْأَلَتِهِمْ لَهُ ; أَيْ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَسْأَلُوك بَيَانه , وَلَسْت مِمَّنْ يَعْلَمُهُ . رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَالذِّكْرَى بِمَعْنَى الذِّكْر .
{44} إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا أَيْ مُنْتَهَى عِلْمهَا , فَلَا يُوجَد عِنْد غَيْره عِلْم السَّاعَة ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " قُلْ إِنَّمَا عِلْمهَا عِنْد رَبِّي " { الْأَعْرَاف : 187 } وَقَوْله تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة " { لُقْمَان : 34 } .
{45} إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا أَيْ مُخَوِّف ; وَخَصَّ الْإِنْذَار بِمَنْ يَخْشَى , لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ , وَإِنْ كَانَ مُنْذِرًا لِكُلِّ مُكَلَّف ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّمَا تُنْذِر مَنْ اِتَّبَعَ الذِّكْر وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ " { يس : 11 } . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " مُنْذِر " بِالْإِضَافَةِ غَيْر مَنُون ; طَلَب التَّخْفِيف , وَإِلَّا فَأَصْله التَّنْوِين ; لِأَنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَإِنَّمَا لَا يُنَوَّن فِي الْمَاضِي . قَالَ الْفَرَّاء : يَجُوز التَّنْوِين وَتَرْكه ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " بَالِغ أَمْره " { الطَّلَاق : 3 } , وَ " بَالِغ أَمْرِهِ " وَ " مُوهِن كَيْد الْكَافِرِينَ " { الْأَنْفَال : 18 } وَ " مُوهِن كَيْد الْكَافِرِينَ " وَالتَّنْوِين هُوَ الْأَصْل , وَبِهِ قَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة وَالْأَعْرَج وَابْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد وَعَيَّاش عَنْ أَبِي عَمْرو " مُنْذِر " مُنَوَّنًا , وَتَكُون فِي مَوْضِع نَصْب , وَالْمَعْنَى نَصْب , إِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِإِنْذَارِك مَنْ يَخْشَى السَّاعَة . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : يَجُوز أَنْ تَكُون الْإِضَافَة لِلْمَاضِي , نَحْو ضَارِب زَيْد أَمْس ; لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ الْإِنْذَار , الْآيَة رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ : أَحْوَال الْآخِرَة غَيْر مَحْسُوسَة , وَإِنَّمَا هِيَ رَاحَة الرُّوح أَوْ تَأَلُّمهَا مِنْ غَيْر حِسّ .
{46} كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا " كَأَنَّهُمْ يَوْم يَرَوْنَهَا " يَعْنِي الْكُفَّار يَرَوْنَ السَّاعَة " لَمْ يَلْبَثُوا " أَيْ فِي دُنْيَاهُمْ , " إِلَّا عَشِيَّة " أَيْ قَدْر عَشِيَّة " أَوْ ضُحَاهَا " أَيْ أَوْ قَدْر الضُّحَى الَّذِي يَلِي تِلْكَ الْعَشِيَّة , وَالْمُرَاد تَقْلِيل مُدَّة الدُّنْيَا , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار " { الْأَحْقَاف : 35 } . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : كَأَنَّهُمْ يَوْم يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا . وَقِيلَ : " لَمْ يَلْبَثُوا " فِي قُبُورهمْ " إِلَّا عَشِيَّة أَوْ ضُحَاهَا " , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اسْتَقْصَرُوا مُدَّة لُبْثِهِمْ فِي الْقُبُور لِمَا عَايَنُوا مِنْ الْهَوْل . وَقَالَ الْفَرَّاء : يَقُول الْقَائِل : وَهَلْ لِلْعَشِيَّةِ ضُحًى ؟ وَإِنَّمَا الضُّحَى لِصَدْرِ النَّهَار , وَلَكِنْ أُضِيفَ الضُّحَى إِلَى الْعَشِيَّة , وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي يَكُون فِيهِ عَلَى عَادَة الْعَرَب ; يَقُولُونَ : آتِيك الْغَدَاة أَوْ عَشِيَّتهَا , وَآتِيك الْعَشِيَّة أَوْ غَدَاتهَا , فَتَكُون الْعَشِيَّة فِي مَعْنَى آخِر النَّهَار , وَالْغَدَاة فِي مَعْنَى أَوَّل النَّهَار ; قَالَ : وَأَنْشَدَنِي بَعْض بَنِي عُقَيْل : نَحْنُ صَبَّحْنَا عَامِرًا فِي دَارهَا جُرْدًا تَعَادَى طَرَفَيْ نَهَارِهَا عَشِيَّة الْهِلَال أَوْ سِرَارهَا أَرَادَ : عَشِيَّة الْهِلَال , أَوْ سِرَار الْعَشِيَّة , فَهُوَ أَشَدُّ مِنْ آتِيكَ الْغَدَاةَ أَوْ عَشِيَّهَا .

المراجع

موسوعه الاسلام

التصانيف

تصنيف :تفسير القران الكريم