النمل
{45} وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ إِلَى ثَمُود أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّه " وَهُوَ ثَمُود بْن عَاد بْن إِرَم بْن سَام بْن نُوح . وَهُوَ أَخُو جديس , وَكَانُوا فِي سَعَة مِنْ مَعَايِشهمْ ; فَخَالَفُوا أَمْر اللَّه وَعَبَدُوا غَيْره , وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض . فَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ صَالِحًا نَبِيًّا , وَهُوَ صَالِح بْن عُبَيْد بْن آسَف بْن كَاشِح بْن عُبَيْد بْن حَاذِر بْن ثَمُود . وَكَانُوا قَوْمًا عَرَبًا . وَكَانَ صَالِح مِنْ أَوْسَطهمْ نَسَبًا وَأَفْضَلهمْ حَسَبًا فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى حَتَّى شَمِطَ وَلَا يَتَّبِعهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ . وَلَمْ يَنْصَرِف " ثَمُود " لِأَنَّهُ جُعِلَ اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَمْ يَنْصَرِف , لِأَنَّهُ اِسْم أَعْجَمِيّ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا غَلَط لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الثَّمَد وَهُوَ الْمَاء الْقَلِيل . وَقَدْ قَرَأَ الْقُرَّاء " أَلَا إِنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبّهمْ " { هُود : 68 } عَلَى أَنَّهُ اِسْم لِلْحَيِّ . وَكَانَتْ مَسَاكِن ثَمُود الْحِجْر بَيْن الْحِجَاز وَالشَّام إِلَى وَادِي الْقُرَى . وَهُمْ مِنْ وَلَد سَام بْن نُوح . وَسُمِّيَتْ ثَمُود لِقِلَّةِ مَائِهَا . وَسَبَقَ بَيَانه فِي " الْحِجْر " .
{45} وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ يَخْتَصِمُونَ " قَالَ مُجَاهِد : أَيْ مُؤْمِن وَكَافِر ; قَالَ : وَالْخُصُومَة مَا قَصَّهُ اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله : " أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَل مِنْ رَبّه " {الْأَعْرَاف : 75} إِلَى قَوْله : " كَافِرُونَ " . وَقِيلَ : تَخَاصُمهمْ أَنَّ كُلّ فِرْقَة قَالَتْ : نَحْنُ عَلَى الْحَقّ دُونكُمْ .
{46} قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْل الْحَسَنَة " قَالَ مُجَاهِد : بِالْعَذَابِ قَبْل الرَّحْمَة ; الْمَعْنَى : لِمَ تُؤَخِّرُونَ الْإِيمَان الَّذِي يَجْلِب إِلَيْكُمْ الثَّوَاب , وَتُقَدِّمُونَ الْكُفْر الَّذِي يُوجِب الْعِقَاب ; فَكَانَ الْكُفَّار يَقُولُونَ لِفَرْطِ الْإِنْكَار : اِيتِنَا بِالْعَذَابِ . وَقِيلَ : أَيْ لِمَ تَفْعَلُونَ مَا تَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْعِقَاب ; لَا أَنَّهُمْ اِلْتَمَسُوا تَعْجِيل الْعَذَاب .
{46} قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَيْ هَلَّا تَتُوبُونَ إِلَى اللَّه مِنْ الشِّرْك .
{46} قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لِكَيْ تُرْحَمُوا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ .
{47} قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ اِطَّيَّرْنَا بِك بِمَنْ مَعَك " أَيْ تَشَاءَمْنَا . وَالشُّؤْم النَّحَس . وَلَا شَيْء أَضَرّ بِالرَّأْيِ وَلَا أَفْسَد لِلتَّدْبِيرِ مِنْ اِعْتِقَاد الطِّيَرَة . وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ خُوَار بَقَرَة أَوْ نَعِيق غُرَاب يَرُدّ قَضَاء , أَوْ يَدْفَع مَقْدُورًا فَقَدْ جَهِلَ . وَقَالَ الشَّاعِر : طِيَرَة الدَّهْر لَا تَرُدّ قَضَاء و فَاعْذُرْ الدَّهْر لَا تَشُبْهُ بِلَوْمِ ش أَيّ يَوْم يَخُصّهُ بِسُعُودٍ /و وَالْمَنَايَا يَنْزِلْنَ فِي كُلّ يَوْم لَيْسَ يَوْم إِلَّا وَفِيهِ سُعُود /و وَنُحُوس تَجْرِي لِقَوْمٍ فَقَوْم وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَب أَكْثَر النَّاس طِيَرَة , وَكَانَتْ إِذَا أَرَادَتْ سَفَرًا نَفَّرَتْ طَائِرًا , فَإِذَا طَارَ يَمْنَة سَارَتْ وَتَيَمَّنَتْ , وَإِنْ طَارَ شِمَالًا رَجَعَتْ وَتَشَاءَمَتْ , فَنَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ : ( أَقِرُّوا الطَّيْر عَلَى وَكْنَاتهَا ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي {الْمَائِدَة: 47} قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ " أَيْ مَصَائِبكُمْ .
{47} قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ تُفْتَنُونَ " أَيْ تُمْتَحَنُونَ . وَقِيلَ : تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكُمْ .
{48} وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ الْمَدِينَة " أَيْ فِي مَدِينَة صَالِح وَهِيَ الْحِجْر
{48} وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ أَيْ تِسْعَة رِجَامِنْ أَبْنَاء أَشْرَافهمْ . قَالَ الضَّحَّاك . كَانَ هَؤُلَاءِ التِّسْعَة عُظَمَاء أَهْل الْمَدِينَة , وَكَانُوا يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَأْمُرُونَ بِالْفَسَادِ , فَجَلَسُوا عِنْد صَخْرَة عَظِيمَة فَقَلَبَهَا اللَّه عَلَيْهِمْ . وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : بَلَغَنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُقْرِضُونَ الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم , وَذَلِكَ مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض ; وَقَالَهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . وَقِيلَ : فَسَادهمْ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ عَوْرَات النَّاس وَلَا يَسْتُرُونَ عَلَيْهِمْ . وَقِيلَ : غَيْر هَذَا . وَاللَّازِم مِنْ الْآيَة مَا قَالَهُ الضَّحَّاك وَغَيْره أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَوْجَه الْقَوْم وَأَقْنَاهُمْ وَأَغْنَاهُمْ , وَكَانُوا أَهْل كُفْر وَمَعَاصٍ جَمَّة ; وَجُمْلَة أَمْرهمْ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ . وَالرَّهْط اِسْم لِلْجَمَاعَةِ ; فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا رُؤَسَاء يَتَّبِع كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ رَهْط . وَالْجَمْع أَرْهُط وَأَرَاهِط . قَالَ : يَا بُؤْس لِلْحَرْبِ الَّتِي /و وَضَعَتْ أَرَاهِط فَاسْتَرَاحُوا ش وَهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ كَانُوا أَصْحَاب قِدَار عَاقِر النَّاقَة ; ذَكَرَهُ اِبْن عَطِيَّة .
قُلْت : وَاخْتُلِفَ فِي أَسْمَائِهِمْ ; فَقَالَ الْغَزْنَوِيّ : وَأَسْمَاؤُهُمْ قُدَار بْن سَالِف وَمِصْدَع وَأَسْلَم ودسما وذهيم وذعما وذعيم وقتال وصداق . اِبْن إِسْحَاق : رَأْسهمْ قُدَار بْن سَالِف وَمِصْدَع بْن مُهْرِج , فَاتَّبَعَهُمْ سَبْعَة ; هُمْ بَلَع بْن مَيْلَع ودعير بْن غَنْم وذؤاب بْن مهرج وَأَرْبَعَة لَمْ تُعْرَف أَسْمَاؤُهُمْ . وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيّ أَسْمَاءَهُمْ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه : الْهُذُيْل بْن عَبْد رَبّ , غَنْم بْن غَنْم , رَيَّاب بْن مهرج , مُصَدِّع بْن مُهَرِّج , عُمَيْر بْن كردبة , عَاصِم بْن مَخْرَمَة , سُبَيْط بْن صَدَقَة , سَمْعَان بْن صَفِيّ , قُدَار بْن سَالِف ; وَهُمْ الَّذِينَ سَعَوْا فِي عَقْر النَّاقَة , وَكَانُوا عُتَاة قَوْم صَالِح , وَكَانُوا مِنْ أَبْنَاء أَشْرَافهمْ . السُّهَيْلِيّ : ذَكَرَ النَّقَّاش التِّسْعَة الَّذِينَ كَانُوا يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَلَا يُصْلِحُونَ , وَسَمَّاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ , وَذَلِكَ لَا يَنْضَبِط بِرِوَايَةٍ ; غَيْر أَنِّي أَذْكُرهُ عَلَى وَجْه الِاجْتِهَاد وَالتَّخْمِين , وَلَكِنْ نَذْكُرهُ عَلَى مَا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَاب مُحَمَّد بْن حَبِيب , وَهُمْ : مُصَدَّع بْن دَهْر . وَيُقَال دَهْم , وَقُدَار بْن سَالِف , وهريم وصواب وَرَيَّاب وداب ودعما وَهَرْمًا وَدُعَيْن بْن عُمَيْر .
قُلْت : وَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيّ أَسْمَاءَهُمْ عَنْ اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : هُمْ دَعْمًا وَدُعَيْم وَهَرْمًا وَهُرَيْم وداب وصواب وَرَيَّاب وَمِسْطَح وَقُدَار , وَكَانُوا بِأَرْضِ الْحِجْر وَهِيَ أَرْض الشَّام .
{49} قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْله " يَجُوز أَنْ يَكُون " تَقَاسَمُوا " فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا وَهُوَ أَمْر ; أَيْ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ اِحْلِفُوا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَاضِيًا فِي مَعْنَى الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ : قَالُوا مُتَقَاسِمِينَ بِاَللَّهِ ; وَدَلِيل هَذَا التَّأْوِيل قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَلَا يُصْلِحُونَ . تَقَاسَمُوا بِاَللَّهِ " وَلَيْسَ فِيهَا " قَالُوا " . " لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْله ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ " قِرَاءَة الْعَامَّة بِالنُّونِ فِيهِمَا وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ : بِالتَّاءِ فِيهِمَا , وَضُمَّ التَّاء وَاللَّام عَلَى الْخِطَاب أَيْ أَنَّهُمْ تَخَاطَبُوا بِذَلِكَ ; وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَحُمَيْد بِالْيَاءِ فِيهِمَا , وَضُمَّ الْيَاء وَاللَّام عَلَى الْخَبَر . وَالْبَيَات مُبَاغَتَة الْعَدُوّ لَيْلًا .
{49} قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ " لِوَلِيِّهِ " أَيْ لِرَهْطِ صَالِح الَّذِي لَهُ وِلَايَة الدَّم .
{49} قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ أَهْله " أَيْ مَا حَضَرْنَا , وَلَا نَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ وَقَتَلَ أَهْله . وَالْمُهْلَك بِمَعْنَى الْإِهْلَاك ; وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَوْضِع . وَقَرَأَ عَاصِم وَالسُّلَمِيّ : ( بِفَتْحِ الْمِيم وَاللَّام ) أَيْ الْهَلَاك ; يُقَال : ضَرَبَ يَضْرِب مَضْرَبًا أَيْ ضَرْبًا . وَقَرَأَ الْمُفَضَّل وَأَبُو بَكْر : ( بِفَتْحِ الْمِيم وَجَرّ اللَّام ) فَيَكُون اِسْم الْمَكَان كَالْمَجْلِسِ لِمَوْضِعِ الْجُلُوس ; وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِلَيْهِ مَرْجِعكُمْ " { يُونُس : 4 } أَيْ رُجُوعكُمْ .
{49} قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فِي إِنْكَارنَا لِقَتْلِهِ .
{50} وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " مَكْرهمْ مَا رُوِيَ أَنَّ هَؤُلَاءِ التِّسْعَة لَمَّا كَانَ فِي صَدْر الثَّلَاثَة الْأَيَّام بَعْد عَقْر النَّاقَة , وَقَدْ أَخْبَرَهُمْ صَالِح بِمَجِيءِ الْعَذَاب , اِتَّفَقُوا وَتَحَالَفُوا عَلَى أَنْ يَأْتُوا دَار صَالِح لَيْلًا وَيَقْتُلُوهُ وَأَهْله الْمُخْتَصِّينَ بِهِ ; قَالُوا : فَإِذَا كَانَ كَاذِبًا فِي وَعِيده أَوْقَعْنَا بِهِ مَا يَسْتَحِقّ , وَإِنْ كَانَ صَادِقًا كُنَّا عَجَّلْنَاهُ قَبْلنَا , وَشَفَيْنَا نُفُوسنَا ; قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَرْسَلَ اللَّه تَعَالَى الْمَلَائِكَة تِلْكَ اللَّيْلَة , فَامْتَلَأَتْ بِهِمْ دَار صَالِح , فَأَتَى التِّسْعَة دَار صَالِح شَاهِرِينَ سُيُوفهمْ , فَقَتَلَهُمْ الْمَلَائِكَة رَضْخًا بِالْحِجَارَةِ فَيَرَوْنَ الْحِجَارَة وَلَا يَرَوْنَ مَنْ يَرْمِيهَا . وَقَالَ قَتَادَة : خَرَجُوا مُسْرِعِينَ إِلَى صَالِح , فَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَلَك بِيَدِهِ صَخْرَة فَقَتَلَهُمْ . وَقَالَ السُّدِّيّ : نَزَلُوا عَلَى جُرُف مِنْ الْأَرْض , فَانْهَارَ بِهِمْ فَأَهْلَكَهُمْ اللَّه تَحْته . وَقِيلَ : اِخْتَفَوْا فِي غَار قَرِيب مِنْ دَار صَالِح , فَانْحَدَرَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَة شَدَخَتْهُمْ جَمِيعًا , فَهَذَا مَا كَانَ مِنْ مَكْرهمْ . وَمَكْر اللَّه مُجَازَاتهمْ عَلَى ذَلِكَ .
{51} فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ مَكْرهمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمهمْ أَجْمَعِينَ " أَيْ بِالصَّيْحَةِ الَّتِي أَهْلَكَتْهُمْ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَلَاك الْكُلّ كَانَ بِصَيْحَةِ جِبْرِيل . وَالْأَظْهَر أَنَّ التِّسْعَة هَلَكُوا بِعَذَابٍ مُفْرَد ; ثُمَّ هَلَكَ الْبَاقُونَ بِالصَّيْحَةِ وَالدَّمْدَمَة . وَكَانَ الْأَعْمَش وَالْحَسَن وَابْن أَبِي إِسْحَاق وَعَاصِم وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ يَقْرَءُونَ : " أَنَّا " بِالْفَتْحِ ; وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَب لَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَى " عَاقِبَة مَكْرهمْ " لِأَنَّ " أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ " خَبَر كَانَ . وَيَجُوز أَنْ تَجْعَلهَا فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى الْإِتْبَاع لِلْعَاقِبَةِ . وَيَجُوز أَنْ تَجْعَلهَا فِي مَوْضِع نَصْب مِنْ قَوْل الْفَرَّاء , وَخَفْض مِنْ قَوْل الْكِسَائِيّ عَلَى مَعْنَى : بِأَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَلِأَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ . وَيَجُوز أَنْ تَجْعَلهَا فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْإِتْبَاع لِمَوْضِعِ " كَيْف " فَمِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِب لَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَى " مَكْرهمْ " . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَنَافِع وَأَبُو عَمْرو : " إِنَّا دَمَّرْنَاهُمْ " بِكَسْرِ الْأَلِف عَلَى الِاسْتِئْنَاف ; فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَب يَحْسُن الْوَقْف عَلَى " مَكْرهمْ " . قَالَ النَّحَّاس : وَيَجُوز أَنْ تُنْصَب " عَاقِبَة " عَلَى خَبَر " كَانَ " وَيَكُون " إِنَّا " فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّهَا اِسْم " كَانَ " . وَيَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ تَبْيِينًا لِلْعَاقِبَةِ ; وَالتَّقْدِير : هِيَ إِنَّا دَمَّرْنَاهُمْ ; قَالَ أَبُو حَاتِم : وَفِي حَرْف أُبَيّ " أَنْ دَمَّرْنَاهُمْ " تَصْدِيقًا لِفَتْحِهَا .
{52} فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ " قِرَاءَة الْعَامَّة بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال عِنْد الْفَرَّاء وَالنَّحَّاس ; أَيْ خَالِيَة عَنْ أَهْلهَا خَرَابًا لَيْسَ بِهَا سَاكِن . وَقَالَ الْكِسَائِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة : " خَاوِيَة " نُصِبَ عَلَى الْقَطْع ; مَجَازه : فَتِلْكَ بُيُوتهمْ الْخَاوِيَة , فَلَمَّا قُطِعَ مِنْهَا الْأَلِف وَاللَّام نُصِبَ عَلَى الْحَال ; كَقَوْلِهِ : " وَلَهُ الدِّين وَاصِبًا " { النَّحْل : 52 } . وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر وَنَصْر بْن عَاصِم وَالْجَحْدَرِيّ : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا خَبَر عَنْ " تِلْكَ " وَ " بُيُوتهمْ " بَدَل مِنْ " تِلْكَ " . وَيَجُوز أَنْ تَكُون " بُيُوتهمْ " عَطْف بَيَان وَ " خَاوِيَة " خَبَر عَنْ " تِلْكَ " . وَيَجُوز أَنْ يَكُون رُفِعَ " خَاوِيَة " عَلَى أَنَّهَا خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف ; أَيْ هِيَ خَاوِيَة , أَوْ بَدَل مِنْ " بُيُوتهمْ " لِأَنَّ النَّكِرَة تُبْدَل مِنْ الْمَعْرِفَة .
{53} وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ الَّذِينَ آمَنُوا " أَيْ آمَنُوا بِصَالِحٍ . قِيلَ : آمَنَ بِصَالِحٍ قَدْر أَرْبَعَة آلَاف رَجُل . وَالْبَاقُونَ خَرَجَ بِأَبْدَانِهِمْ - فِي قَوْل مُقَاتِل وَغَيْره - خُرَاج مِثْل الْحِمَّص ; وَكَانَ فِي الْيَوْم الْأَوَّل أَحْمَر , ثُمَّ صَارَ مِنْ الْغَد أَصْفَر , ثُمَّ صَارَ فِي الثَّالِث أَسْوَد . وَكَانَ عَقْر النَّاقَة يَوْم الْأَرْبِعَاء , وَهَلَاكهمْ يَوْم الْأَحَد . قَالَ مُقَاتِل : فُقِعَتْ تِلْكَ الْخُرَاجَات , وَصَاحَ جِبْرِيل بِهِمْ خِلَال ذَلِكَ صَيْحَة فَخَمَدُوا , وَكَانَ ذَلِكَ ضَحْوَة . وَخَرَجَ صَالِح بِمَنْ آمَنَ مَعَهُ إِلَى حَضْرَمَوْت ; فَلَمَّا دَخَلَهَا مَاتَ صَالِح ; فَسُمِّيَتْ حَضْرَمَوْت . قَالَ الضَّحَّاك : ثُمَّ بَنَى الْأَرْبَعَة الْآلَاف مَدِينَة يُقَال لَهَا حَاضُورًا ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي قِصَّة أَصْحَاب الرَّسّ .
{53} وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ اللَّه وَيَخَافُونَ عَذَابه .
{54} وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَيْ وَأَرْسَلْنَا لُوطًا , أَوْ اُذْكُرْ لُوطًا
{54} وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ لِقَوْمِهِ " وَهُمْ أَهْل سَدُوم .
{54} وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَة " الْفِعْلَة الْقَبِيحَة الشَّنِيعَة .
{54} وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَنَّهَا فَاحِشَة , وَذَلِكَ أَعْظَم لِذُنُوبِكُمْ . وَقِيلَ : يَأْتِي بَعْضكُمْ بَعْضًا وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ . وَكَانُوا لَا يَسْتَتِرُونَ عُتُوًّا مِنْهُمْ وَتَمَرُّدًا .
{55} أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ الرِّجَال شَهْوَة مِنْ دُون النِّسَاء " أَعَادَ ذِكْرهَا لِفَرْطِ قُبْحهَا وَشُنْعَتهَا . وَاخْتِيَار الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ تَخْفِيف الْهَمْزَة الثَّانِيَة مِنْ " أَئِنَّكُمْ " فَأَمَّا الْخَطّ فَالسَّبِيل فِيهِ أَنْ يُكْتَب بِأَلِفَيْنِ عَلَى الْوُجُوه كُلّهَا ; لِأَنَّهَا هَمْزَة مُبْتَدَأَة دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِف الِاسْتِفْهَام .
{55} أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تَجْهَلُونَ " إِمَّا أَمْر التَّحْرِيم أَوْ الْعُقُوبَة .
modified by: Abdurrahman Zaidan
المراجع
موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم