الآية السابعة قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن » مسألة معنى قوله تعالى بالله
الجزء الثاني - المسألة الثالثة :
قوله تعالى : ( بالله )
وإن كان غاية أيمان الكفار على اعتقادهم الذي قدمنا ، فإنه غاية أيمان المسلمين ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : « من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت » . وهذا يفيد المنع من الحلف بغير الله . والحلف بغير الله على وجهين : أحدهما : على وجه التحريم ، بأن يحلف بغير الله سبحانه تعالى معظما له مع الله ، أو معظما له من دونه ؛ فهذا كفر .
الثاني : أن يكون على وجه الكراهية ، بأن يلزم نفسه معنى مما يلزمه جنسه في الشرع ابتداء بوجه ما إذا ربطه بفعل أو ترك ، وهو معنى اتفقت عليه الأمة فيما إذا قال : إن دخلت الدار فامرأتي طالق ، أو عبدي حر ، فهذه يمين منعقدة ، وهي أصل لغيرها من الأيمان ، وقد تكررت في كتب الفقه وتركب عليها مسألة رابعة : المسألة الرابعة : وهي : ما إذا قال : الأيمان تلزمه إن كان كذا وكذا .
وقد كانت هذه اليمين في صدر الإسلام معروفة بغير هذه الصورة ؛ كانوا يقولون : علي أشد ما أخذه أحد على أحد ، فقال مالك : يطلق نساءه ، ثم تكاثرت الصور حتى آلت بين الناس إلى صورة هذه أمها . وقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يقول : يلزمه إطعام ثلاثين مسكينا إذا حنث - ص 268 - فيها ؛ لأن قوله : " الأيمان " جمع يمين ، وهو لو قال : علي يمين ، وحنث للزمته كفارة . ولو قال : علي يمينان للزمته كفارتان إذا حنث . والأيمان جمع يمين فيلزمه فيها ثلاث كفارات . وكان أهل القيروان قد اختلفوا فيها اختلافا كثيرا مرجعه إلى قولين : أحدهما : أن الطلاق فيها ثلاث . والثاني : أن الطلاق فيها واحدة بائنة . وقد جمعت في المسألة رسالة إبان كنت بإفريقية ، وقد كثر السؤال فيها علي ، فاستخرت الله سبحانه وتعالى على متوسط من الأقوال لم أخرج فيه عن جادة الأدلة ، ولا عن أصل إمام الأئمة مالك بن أنس . أما أصل مالك فقوله فيمن قال : علي أشد ما أخذ أحد على أحد . قال علماؤنا : يطلق نساءه ؛ وذلك لأن الناس كانوا في زمانه ، وقبل ذلك ، يحلفون في البيعة ويتوثقون فيما يحتاجون إليه من العهود في المحالفة ، ويدخلون في اليمين بالله اليمين بالعتق والطلاق والحج وغيره ؛ فلما سئل مالك عن هذه النازلة وأصحابه رأوا أن الحرج عليهم في أن يتركوا معه أزواجه محتبسين في النكاح ، ومما يأخذه الناس بعضهم على بعض الطلاق فتحرجوا في ذلك ، وقالوا : يطلق نساءه . وأما طريق الأدلة فلأن الألف واللام لا يخلو أن يراد بها هاهنا الجنس أو العهد ، فإن دخلت للعهد فالمعهود قولك بالله ، فيكون ما قاله الفهري .
وإن دخلت للجنس فالطلاق جنس ، فيدخل فيها ولا يستوفى عدده ؛ فإن الذي يكفي أن يدخل من كل جنس معنى واحد ، فإنه لو دخل في الجنس المعنى كله للزمه أن يتصدق بجميع ماله ؛ إذ قد تكون الصدقة بجميع المال يمينا ، ونافذة فيما إذا كان المال معينا في دار أو عبد أو دابة أو كبش وتصدق بذلك فإنه ينفذ إجماعا ؛ فتبصرنا ذلك ، وأخذنا - ص 269 - بالوسط منه ، وقد بسطنا ذلك في الرسالة الحاكمة على الأيمان اللازمة ، وهناك يستوفي الناظر غرضه منها ، والله عز وجل أعلم ، وبه التوفيق .
المراجع
موسوعة الإسلام
التصانيف
المعرفة-الفقه