نزل إلى الشارع هربا من هواجسه .. من أفكاره.. من مخاوفه التي لا تكف عن نهشه في كل خطوة يخطوها،فما أن عاد من بيت الحاج،حتى راحت تؤزه بكل المعيقات والمثبطات المنغصة، ' قد لا تقبل الفتاة به.. ربما في ذهنها شخص آخر .. قد يتقدم لها أحد الأقرباء، أو لعلها تريد إكمال دراستها الجامعية...الخ من الظنون والهواجس التي تتوالد في نفسه تباعا و من دون توقف'.
توقف بالباب حائرا .. مترددا.. راح يتأمل المارة على قلتهم وقد أوشكت الشمس على المغيب.. سار تاركا لقدميه تحديد الاتجاه.. داعبته نسائم ربيعية باردة .. أنعشه شذاها النفاذ.. خطر بباله أبيه، فقرر أن يسير إليه وحين اقترب من زاوية السوق دوى انفجار أطاح به أرضا .. تبعته زخات قوية من الرصاص والحجارة التي تطايرت في كل مكان
.تدافع الناس على قلتهم في كل اتجاه وعلا صراخ مجلجل تغلفه سحب الدخان ورائحة البارود التي انتشرت مصحوبة بفحيح أجهزة اللاسلكي وهي تستغيث طالبة العون والمدد.
وقف على قدميه مذعورا.. جذبه أحدهم من ذراعه وصاح فيه بقوة: ماذا تنتظر
.. أهرب من هنا.
انطلق خلف الرجل لا يدري إلى أين.. لمح عربات الجند آتية من نفس الاتجاه، فانزوى في زقاق قريب .. جرى محاولا الاختفاء قبل وصولها إليه، إلا أن الزقاق كان طويلا، تراصت البيوت على جانبيه دون أية تفريعات بينها، دفع أحد الأبواب فانصاع بيسر، تقدمت منه امرأة في الأربعين من عمرها، رمقته بحذر، ثم أطلت من شق الباب وارتدت بسرعة إلى الوراء..أغلقت الباب خلفها واتجهت صوب عجوز تجلس بباب غرفتها رافعة أكفها إلى الله بالدعاء وقالت بصوت خافت: اليهود في الزقاق.
لم يسمع ما قالته، لكنه شعر به ، تعابير وجهها دلت عليه، حاول أن يستعيد شيئا من رتابة أنفاسه، فأعاد مكبر الصوت الخوف إلى نفسه من جديد ' ممنوع التجول .. على الجميع البقاء في بيوتهم .. ممنوع التجول ' وزاد الطين بلة وقع أقدامهم الآخذة في الاقتراب وخشخشة أجهزة اتصالهم التي تثير الرعب في النفوس.
وقع ضربات قوية على الباب أثار الهلع في نفسه وجفف اللعاب في حلقه، دارت عيناه في المكان بحثا عن منفذ، فلم تجد سبيلا.. فتش عن مخبئ يداريه، فلم يتسع البيت له، بدا في نظره أصغر من خرم إبرة،أحس حينها باليأس يتسرب إلى نفسه، بل راح يوطنها للتعامل مع الركلات وأعقاب البنادق، ثم ما يلي ذلك من تحقيق وتعذيب وفترة اعتقال.
دوامة حالكة تجره إلى قاع سحيق ويد تجهد لانتشاله منها.. نظر نحو المرأة التي تجذبه إليها بقوة محاولا فهم مرادها، فصاحت فيه بصوت حاولت ألا يصل إلى مسامعهم : اتبعني بسرعة.
تبعها مذهولا.. جرته خلفها وأغلقت الباب.. زاد ت حيرته حين اكتشف بأنهما في الحمام وكاد أن يصعق حين رفعت المرأة غطاء شعرها، فانسدل على كتفها كما الليل ، ثم خلعت القميص الذي ترتديه دون أدنى اكتراث بوجوده ، فأشاح بوجهه عنها، فتحت صنبور الماء فبلله رذاذ الماء المنهمر فوق رأسها.. وقع ضربات على الباب الخارجي جعلها تنظر صوبه بخوف وترقب.. صوت العجوز يرد بانفعال : أيوه .
دخلوا كالبغال الهائجة .. اندفعوا في كل اتجاه، فجذبته نحو الركن القريب من الباب وأجلسته خلفها.. حاول أحد الجنود الاقتراب من الباب، فصاحت به العجوز محذرة: المرأة تستحم.،فأطلت من فتحة في أعلى الباب متعمدة إخراج رأسها المبلول منها وصاحت بقوة: ماذا دهاكم. | . أتريدون الدخول علي وأنا في الحمام | .
تراجع الجندي إلى الوراء.. دار البقية في الغرف الأخرى، لم يجدوا شيئا ، سألوا العجوز عن الرجال، فأخبرتهم بأن ابنها في العمل وحين سألوها عن المرأة التي في الحمام قالت زوجته، فابتسم بعضهم بخبث ثم غادروا المكان.
خرجت المرأة مبللة الرأس والثياب.. احتضنتها العجوز وهي تتمتم بصوت أجش: ربنا يسترك دنيا وآخرة.
ظل ينظر لما يدور حوله بصمت وذهول.. يتابع ما يجرى كما لو كان كابوسا.. لم يشعر بمرور الوقت إلا حين داهم الظلام الأمكنة بوحشته وسكونه الذي يجلب الأرق و الأسئلة، هل يبقى في المكان؟.. ماذا لو داهموا البيت مرة أخرى ؟.. هل ستعود المرأة لنفس الحيلة؟، أم ستبتدع حيلة أخرى؟.. ماذا لو خرجت الآن؟..، ثم وقف قاصدا الباب، فصاحت العجوز مستهجنة فعله: إلى أين ؟
.
- إلى بيتي.
- انتظر ريثما تهدأ الأمور.
- قد يطول الحال يا حاجة.
- ربنا يسترك يا ولدي.
أطل من شق الباب.. أزاح المزلاج بحذر، ثم التفت ناحيتهم بأعين تشع بالامتنان وهمس قائلا: لن أنسى معروفكم ما حيت.
وقف يحدق في الظلام للحظة.. أغلق الباب خلفه..أرهف السمع قليلا، ثم انطلق مسرعا باتجاه البيت ، توارى خلف إحدى حاويات القمامة، جاب الشارع بنظره واندفع بخفة قط حتى وصل آخر تقاطع يفصله عن البيت..تفحص الشارع مرة أخرى وتابع عدوه من جديد.
دنا من البيت..دفع الباب الخارجي بحذر.. انطلق عبر الفناء مهرولا..دق الباب دقات خفيفة، فاستقبلته أمه بأعين يفيض منها الدمع ونظر إليه أبيه نظرات ملؤها اللوم والعتب، فتوارى من أمامها وجلس منهارا على المقعد.
في فجر اليوم الرابع، علا نعيق مكبرات الصوت معلنا انتهاء الحظر..تكرر النداء مرة أو اثنتين، ثم خيم الصمت, مما أثار الشك في النفوس وأربكها، فمن سمع النداء لم يميز إن كان ذلك تأكيدا للحظر،أم رفعا له والذي لم يسمع ظل في سباته مستمتعا بدفء المخدع.
صوت أبيه المنادي على أمه وهو يحثها على الإسراع في إعداد الفطار، جعله يرجح رفع الحظر، نظر إلى الساعة فأشارت إلى السادسة والنصف، أزاح الغطاء عن جسده وخرج إلى الصالة ليتأكد من ذلك، ألقى التحية عليهم وسأل إن كان الحظر قد رفع، فجاء رد أبيه مؤكدا حدسه.
- سأنزل معك.
- هل بدأ الدوام؟ .
- بعد يومين.
- ولم العجلة إذن | .
- للتعارف .
- لا داعي للخروج الآن، فالجند مازالوا في الطرقات.
مضى الوقت ثقيلا.. لزجا، يثير الكآبة في النفوس، وموهما في الوقت ذاته ببقاء الحظر قائما، فلولا بعض الباعة وقليل من العربات المارة لتأكد الأمر.
نظر إلى ساعته مرة أخرى، فأشارت إلى العاشرة.. قام إلى غرفته.. بدل ملابسه بتمهل ملحوظ، ثم خرج مودعا.
نزل إلى الشارع ترافقه ذكراه الأخيرة.. لحظاته المرعبة، فينقبض صدره ويزداد توتره، يهرب من ذاته إلى المارة.. يتابع خطاهم..يحيي بعضهم.. يتأمل ردات فعلهم، فيلمس في نظراتهم وابتساماتهم الباهتة، نفس المعانات التي يعيش، والحصار الذي لا يطيق.
أحد الباعة رشقته عربة مسرعة بماء الشارع، فصرخ في الحصان الذي يجر عربته مزمجرا :قلت لك يا ابن الكلب يوم أغبر من أوله وما رضيت غير تطلع..ها .،ثم لسعه بالكرباج عدة لسعات، جعلته يطير في الشارع على غير هدى.
كاد ينفجر ضاحكا، لكنه أمسك عن ذلك بصعوبة حتى لا يستثير غضب الرجل أكثر، فترك المشهد في نفسه أثرا أنساه ما كان يداخله قبل لحظات، فكر في التعريج على بيت الحاج للسلام عليه والاطمئنان، لكنه عدل عن ذلك إلى حين معرفة ردهم.
وصل الدكان فرأى الوالد منهمكا في إفراغ الثلاجة من محتوياتها، طرح التحية، فرد العجوز بشيء من الضيق والأسى: أهلا.
- دعني أرتبها عنك.
- هدوا حيلي..الله يخرب بيتهم مثل ما خربوا بيوت الناس.، قالها وتهادى على مقعد قريب.
- هل من جديد؟
- اعتقلوا فوزي الحداد وسعيد الفوال وخربوا بيوت العالم.
- ربنا يصلح الحال.
حين أشرفا على البيت كانت الشمس تميل إلى الغروب والشوارع تبدو شبه خالية.. نظر صوب المرأة التي خرجت من بيتهم على عجل، فتعالت ضربات قلبه ..نظر جهة أبيه فلم ير أي تبدل على ملامحه.. تساءل مستفسرا: أي رد حملت.
دفع الباب بتوجس وقلق، فطالعه وجه أمه مشرقا ..بعث فيه الآمال من جديد.. ضمته إلى صدرها وقالت بفرح غامر:مبروك يا حبيبي.
تهللت أساريره.. انحنى على يدها وقبلها.. فعل نفس الشيء مع أبيه..احتضنه العجوز وتمتم بأعين يفيض الدمع منها: مبروك يا ولدي.
رحلة العذاب " الجرح " - ج7.
بقلم:محمد نصار.
المراجع
pulpit.alwatanvoice.com
التصانيف
تصنيف :أدب عربي الآداب
|