جاء اليوم الثالث من تعينه في المدرسة مصحوبا بآلام حادة في الرأس، صحا على أثرها منزعجا وراح يفتش في الأدراج عن حبة أسبرين تعينه على تحمل تلك الألم أو التخفيف منها، فوجد ضالته في واحد منها، نظر إلى ساعته، فأشارت إلى الرابعة والنصف..عاد وتمدد في السرير محاولا استعادة غفوته، لكنه لم يستطع، راح يحدق في السقف محاولا استشراف ملامح يومه الجديد، استعاد سجل المدعوين، الأقارب.. الأصدقاء.. زملاء العمل القدامى والجدد .. فداهمته الهواجس مرة أخرى ..لاحقه الخوف من مستجدات طارئة.. تكدره الأفكار.. ترهقه..يحاول الفكاك منها..الابتعاد عنها، فتلتصق به أكثر، حتى ظن في لحظة قاتمة، أن عصر هذا اليوم غير آت، فأغمض عينيه محاولا الفرار منها، النأي بنفسه عنها، فأغرقته في دوامة حالكة.. مظلمة وخدر راح يسري في عروقه.. ينساب في خلاياه.. يثقل الرأس ..فتندلق دفعة واحدة ولا ينتشله منها سوى رنين الساعة.. ينظر إليها فيقفز من الفراش كالملدوغ.. يرتدي ملابسه على عجل ويخرج مسرعا.
مع صلاة العصر اكتمل جمع المدعوين عنده.. انتظروا حتى تميل الشمس إلى الغروب، ثم انطلقوا صوب دار العروس.
عند البيت لم يكن ما يشير إلى مظاهر فرح،سوى عدد من الرجال وقليل من المقاعد الفارغة وبعض الصبية الواقفين في فناء البيت، فجالت الأسئلة في النفوس مستفسرة، أحدهم همس قائلا: ربما تقدم لها أحد الأقارب وثان ادعى بأن حالة وفاة حدثت في العائلة صباح اليوم، فجاء سكوت النساء عن الغناء معززا لطرحه، ثم تبع ذلك مجيء عم العروس وانفراده بالعريس جانبا لبعض الوقت، فأعطى مؤشرا قويا على صحة ما دار من همس وتساؤلات.
لحظات من الشد والتوتر دخل على إثرها العريس إلى البيت بصحبة والده وظل البقية ينتظرون خارجا، مروا بجمع صغير من النسوة اللواتي احتشدن في صالة البيت وفي وسطهن العروس بفستانها الأبيض ووجومها الذي خيم على الجميع.
دخلوا غرفة الحاج فوجدوه ممددا في السرير وإلى جواره الطبيب وعدد من الأقارب، أشار للعريس بيده، فاقترب، ابتسم في وجهه ابتسامة منهكة.. تعبة وهمس قائلا : أكمل الفرح.
- يجب أن يتم الأمر بسرعة، قال الطبيب معقبا.
- سيتم بإذن الله.، ثم اتكأ على أحد الحضور واعتدل في جلسته، فنظر محمد إلى الطبيب محاولا فهم ما يجري، إلا أن الأخير اكتفى بإشارة أسكتته.
أحد الواقفين في الخارج أعلن عن مجيء المأذون.. فزغردت إحداهن في الصالة وعلى الإثر انطلقت عاصفة لحقت بالمأذون إلى داخل الغرفة، ثم دخلت العروس بصحبة أحد أعمامها وأنجزت المراسم على عجل، صدحت الزغاريد مرة أخرى.. فابتسم الحاج وقبل رأس ابنته .. مسح دموعها.. وضع يدها في يد العريس وأشار لهما بالخروج إلى الصالة.
كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة والربع حين هم بالخروج من البيت، استوقفه الأب وسأله بشيء من الدهشة: ألم تقل بأن دوامك مسائي
.
- صحيح ولكنني اعتدت الخروج مبكرا.
- من الآن | .
- سأتجول قليلا ومن ثم أمضي.
- عل بركة الله.
ارتشف رشفة من كوب الشاي وخرج مودعا، توقف عند الباب الخارجي وراح يتأمل المارة، داعبته نسائم الصبح .. شعر بالانتعاش يدغدغه..سار متهاديا في خطاه.. ألقى التحية على بعض المعارف والأصحاب، ذكرى الأمس داهمته وأعادت إلى نفسه شيئا من الكدر، خوصا حين تسرب إلى نفسه هاجس مفاده أن ما حدث بالأمس، كان فأل شؤم ينذر بمستقبل مبهم الملامح.
جهد لإبعاد الفكرة عن رأسه.. التلهي عنها بالنظر إلى المارة على ندرتهم..الانشغال بما سيحمله اليوم في طياته، فينتشله صوت من شروده.. يلتفت ناحيته، فإذ به أحد رفاق العمل القدامى.. دنا منه الشاب بوجه متهلل فرح وقال: هل علمت بالخبر؟.
أي خبر؟ .
لقد أفرجوا عن سمير.
كيف علمت بالأمر؟ .
أنا قادم للتو من هناك.
صادفه عند الباب أثناء توديعه لأحد الأقارب، عانقه بحرارة..دخل إلى البهو بصحبته..سلم على الحضور.. سأله عن حاله، عن المعاناة التي عاشها طوال فترة اعتقاله، عما ينوي فعله، فأخبره بأنهم منعوه من دخول اسرائيل عام بأكمله، تداول بعض الأحاديث مع عدد من الحضور، ثم استأذن بالانصراف.
في طريقه إلى المدرسة مر بالسوق، فبدت له بوادر حركة غريبة تدور في أزقتها، عربات جند تدور.. عسكر يجوبون الأمكنة، تريث في سيره منقبا عن مسلك يبعده عنهم، فباغته أحد الجنود بإشارة من يده، دنا منه.. طلب بطاقة هويته وأمره بالوقوف إلى جانب الحائط.
جاب المكان ببصره مستغلا انشغال الجندي بتفحص بطاقته، فأدرك من كثرة انتشارهم أن في الأمر شيئا ، صوت اللغط الدائر بين الجنود وبعض أصحاب المحال جعله يخمن بأن حملة ضريبية تجرى في المكان وزاد من توقعه هذا، سؤال أحد الجنود له عن دكانه.
- أنا معلم.
- شو معلم.
- معلم مدرسة .
- تعلمون الأولاد رمي الحجارة علينا.، قال الجندي متهكما.
- نعلمهم ما يجب عليهم تعلمه.
- قف مكانك.، صاح جندي آخر محذرا، التفت ناحيته، فرأى والده مقبلا، نهره الجندي مرة أخرى، فصاح الرجل بقوة وانفعال:
ابني .. .
- روح البيت يا شيخ . ، قال الجندي محذرا.
- أي بيت وأي زفت .. اتركوا الولد ونروح معا.
- أهدأ يا شيخ.، قال جندي آخر بعربية تشي بأنه درزي.
- كيف أهدأ | .
- مجرد فحص ويمضي.
سار إلي جوار أبيه يعتريه الغضب.. سأل بصوت خافت : هل داهموا دكانك؟.
- نعم، لكنهم لم يجدوا ما يأخذوه ولكن صادروا ما كان من مال في درج أبي يوسف وكسروا باب محمود الأعرج، رغم جهدنا في إقناعهم بأن المحل مغلق منذ مدة.
- قاتلهم الله.
كان الطلاب في فصولهم لحظة أن دخل المدرسة، عرج على غرفة الناظر ليأخذ جدول حصصه، فسأله الأخير عن سبب تأخره، رد بإيجاز موضحا ما وقع معه وذهب بعدها إلى الفصل،أشار بيده للتلاميذ الذين وقفوا لأداء التحية له طالبا منهم الجلوس، ثم ألتقط أصبع الطباشير وكتب :
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي و لا بد للقيد أن ينكسر
اشرح ما على السبورة بالتفصيل.
رحلة العذاب " الجرح" - ج8.
بقلم:محمد نصار.
المراجع
pulpit.alwatanvoice.com
التصانيف
تصنيف :أدب عربي الآداب
|