قضية الإنسان "الكامل"، "السليم" و"المنسجم" تحتل مكاناً مركزياً في رائعة غونتشاروف "أبلوموف"، فلا بد لكل من يقرأها للمرة الأولى، أو يعيد قراءتها، حتى في الربع الأخير من هذا القرن، أن يجد في حوار أبلوموف وشتولتس - الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية - توكيداً على الدور الإبداعي الخلاق للإنسان وعلى ضرورة ربط القول بالعمل والتقيد بمقاييس أخلاقية صارمة لدى ممارسة شتى أشكال النشاط الإنساني. سيجد القارئ حتماً إدانة محقة صائبة لمظاهر الكسل والخمول وقلة الحركة وإنعدام النشاط، أي للسمات،

التي تفقد الإنسان جوهره الإبداعي. ظهرت رواية "أبلوموف" في مرحلة زمنية كانت روسيا تعيش فيها فترة مخاض وتحضير لتغييرات إجتماعية، أهمها إلغاء نظام القنانة، في مرحلة برزت فيها بشكل حاد مشكلة الماضي التاريخي والتطور المستقبلي "لروسيا المستيقظة من غفوتها"، وفي معرض تحديده لدور الأدب في تلك المرحلة، أشار "دوبرولوبوف" إلى أن الأدب أصبح أداة هامة من أدوات التطور الإجتماعي الشامل، فليس مطلوباً منه أن يكون وسيلة لغوية تعبيرية عن المجتمع فحسب، بل أذناً صاغية وعيناً ساهرة أيضاً، إذ من الضروري أن يعكس ظواهر الحياة بكل غناها وتنوعها ويقدمها في إطار شمولي مترابط. تأسيساً على ذلك، جاءت رائعة "غونتشاروف" "أبلوموف" لتمثل من جهة نظر "دوبرولوبوف" إدانة صارمة للنظام الإقطاعي

- العبودي، الذي كان يسمح "للنبيل" أن يملك أنفساً عدة. كتب "بيساريف" معلقاً على رواية "غونتشاروف" "أبلوموف" يقول: "سيظل مصطلح الأبلوموفية حياً خالداً في الأدب الروسي، فإستخدام هذا المصطلح سيتجاوز حدود الأصقاع الروسية مترامية الأطراف ليصبح مصطلحاً عاماً شاملاً، واسع الإستخدام"، لقد استطاع "غونتشاروف" أن يكشف بجلاء ودقة المعنى الإجتماعي والجذور التاريخية العميقة لظاهرة الأبلوموفية ويوضح خطرها وتأثيرها السلبي على مجمل عملية التطور الإجتماعي في روسيا. يتضح لنا من خلال قراءة الرواية أن "غونتشاروف" لم يتناول إطاراً واسعاً من الأحداث لتصوراته وتخيلاته، فالحديث عن إستلقاء الكسول الطيب "أبلوموف" في سريره، وكيف أن الصداقة والحب لم يستطيعا بعث النشاط والمبادرة فيه لا تمثل بحد ذاتها قصة هامة، لكن الأمر الذي يسترعي الإنتباه حقاً هو أن الرواية تعتبر إنعكاساً ومرآة صادقة للحياة الروسية في ذلك الزمن.

من هنا تأتي أهميتها القصوى، لقد جاءت بكلمة جديدة اختزلت الواقع الروسي برمته وحددت الوضع الإجتماعي بصورة دقيقة صائبة ألا وهي الأبلوموفية، فهذه الكلمة تعتبر مفتاحاً لفهم ظواهر الحياة الروسية كلها في القرن التاسع عشر، ونتاجاً رائعاً تفتقت عنه موهبة كاتب عملاق. وتتبدى السمات الأساسية لشخصية "أبلوموف" في الخمول والكسل وإنعدام المبادرة وغياب الإهتمام بكل ما يحدث في هذا العالم من أحداث وتطورات، سبب ذلك يعود في جانب منه إلى وضعه الإجتماعي، بينما يعود الجانب الآخر إلى نمط تطوره الذهني والروحي، فهو من حيث وضعه الإجتماعي "نبيل" يملك خادماً اسمه زاخار، كما يملك ثلاثمائة زاخار آخر على حد تعبير "دوبرولوبوف" فوضعه الإجتماعي جعله في منأى عن العمل كلياً،

فلم يذق مرارة الجوع والحرمان يوماً ولم يعرف المعاناة، فكل ما يريده ويطلبه موجود في متناول اليد، الخدم، كثر من حوله، فما إن تبدر منه حركة من إصبع حتى يهرع الجميع لتنفيذ ما يرغب، هكذا نشأ وهكذا تربى، لم يعتمد على نفسه يوماً للقيام بعمل أو لتنفيذ مهمة، فالكل في خدمته منذ ان أبصر النور. هكذا يتضح بجلاء أن وضعاً كهذا لا بد أن ينعكس بالضرورة على التكوين الذهني والروحي لـ"أبلوموف"، فقواه الروحية الداخلية لا بد أن تذبل حتماً من جراء وضع كهذا، فينغرس التواكل والخمول والكسل في نفسه، لم يمارس عملاً في يوم من الأيام، إذا استثنينا طبعاً خدمته الوظيفية القصيرة التي لا تندرج ضمن إطار العمل حتى بمفهومه الضيق، وبالتالي فإنه لا يستطيع أن يتخذ موقفاً جدياً فاعلاً من أية قضية أو مسألة مهماً كانت بسيطة أو صغيرة، رغباته وأحلامه حبيسة صيغة تعبيرية محددة: "لو كان الامر هكذا لتحسنت الامور"،

لكن ما إن يتطلب الأمر منه مجرد حركة أو نشاط حتى تراه قد تخلى فوراً عن هذه الرغبات. واضح ان "أبلوموف" يملك شخصية حالمة، فهو يفكر بكثير من الأمور، إنه إنسان طيب، رقيق ومحب، لكن قواه عاجزة عن تحقيق ما يحلم ويفكر به، سبب ذلك أنه رضع حليب التواكل والخمول والكسل وعدم المبالاة في البيئة الإقطاعية، التي نشأ وترعرع فيها، إنه يعيش حالة من العبودية الروحية الناجمة عن عجزه الكامل في مواجهة أية قضية تعترضه، فالعجز والكسل مشروطان بوضعه الإجتماعي، كما أن وضعه الإجتماعي يشترط بدوره الخمول وإنعدام المبادرة والحركة وإحتقار العمل والنشاط؛ فأبلوموف رهن إرادة الآخرين، إنه عبد ذليل لمبادرة وإرادة الغير، إنه يعيش حالة من التبعية المقيتة حتى على صعيد علاقته بخادمه زاخار، فزاخار يستطيع على الأقل أن يمارس عملاً ما، لكن "أبلوموف" لا يقدر على فعل أي شيء. حتى قصة حبه لأولغا لم تستطع أن تخلق فيه أي تبدل يخفف من خموله وكسله، فعندما بلغت قصة حب مرحلة تطلبت منه القيام ببعض الأعمال البسيطة، كالذهاب إلى القرية لتنظيم أملاكه وتدبير بعض شؤونه الخاصة، فإننا نراه يتخلى عن هذا الحب، مفضلاً عليه حياة الخمول والكسل، فأي محرك وباعث على النشاط والتضحية أكبر من الحب. لكن "أبلوموف" يدرك سبب سقوطه وعجزه، الأمر الذي يزيد من مأساوية وضعه النفسي والمعنوي، ففي معرض رده على سؤال أولغا: "ما الذي قتل كل شيء فيك" يجيب" الأبلوموفية؛ أما سريرة أبلوموف الصافية الطيبة فتقدم لنا مقطوعة الجذور عن تربة النشاط الإنساني والممارسة الإجتماعية، وبالتالي فهي لا تملك معنى إيجابياً، لأنها غير موضوعة في إطار إجتماعي واقعي.


المراجع

raffy.me

التصانيف

تصنيف :فنون   تصنيف :كتب   الآداب