قرة باغ
قرة باغ اقليم جبلي جزء من أذربيجان بجنوب القوقاز. ويسمى بالأرمينية: أرتساخ Արցախ
احتلته أرمنيا في 2 سبتمبر 1991 كما احتلت الشريط الأرضي الفاصل جغرافياً لقرة باغ عن أرمنيا (ويسمى رواق لاچين) وكذلك أراضي أخرى شرق وجنوب قرة باغ كما يظهر بالخريطة المرفقة. الميليشيات الأرمنية أعلنت من جانبها جمهورية ناگورنو قرة باغ التي لم تعترف بها أي دولة. إلا أن أرمنيا تعاملها كجزء منها.
قائد الميليشيات الأرمنية في تلك الحرب، روبرت كوتشاريان، أصبح رئيس جمهورية أرمينيا.
الاسم
أو Nagornyi (Нагорный) هي كلمة روسية تعني "مرتفعات". والكلمة لا تـُستخدم في الأذربيجانية أو الأرمنية، ولكنها كانت مستخدمة في الاسم الرسمي للمنطقة ضمن الاتحاد السوڤيتي في الاسم Nagorno-Karabakhskaya Avtonomnaya Oblast. وتستخدم اللغات الأخرى المناطظر لكلمة جبلي، علوي، أو مرتفعات؛ فعلى سبيل المثال، الاسم الرسمي المستخدم لجمهورية ناگورنو قرة باغ في فرنسا هو Haut-Karabakhويعني "قرةباخ العليا".
كلمة قرةباخ يـُعتقد عموماً أن أصلها توركي وفارسي، وتعني حرفياً "الحديقة السوداء".[1][2] الاسم ظهر لأول مرة في المصادر الجورجية والفارسية في القرنين 13 و 14 م.[2] قرةباغ لها بديل مقبول للتهجي هو كراباخ، والذي يـُطلق على نوع من سجاد ذو نمط مميز نشأت صناعته في المنطقة.[3]
التاريخ
التاريخ المبكر
وردت التسمية الارمنية القديمة لقره باغ "ارتساخ" التي تذكر للمرة الاولى في مخطوطات قيصر "اورارتو" ساردور الثاني (الأعوام 763 – 734 قبل الميلاد).
وكان اقليم ارتساخ الى جانب الاقاليم المجاورة يدخل ضمن دولة ميديا . ثم احتله في الفترة ما بين اعوام 180 و160 قبل الميلاد مؤسس مملكة ارمينيا الكبرى ارتاشيكس الاول. ثمة فرضية اخرى لدى علماء التاريخ وهى ان الملك ارتاشيكس انتزع ارتساخ من الالبانيين القوقازيين.
وقد أسس القديس جورجيوس منور عموم ارمينيا في ارتساخ دير "اماراس" بصفته مركزا هاما للحياة الثقافية والدينية الارمنية. ودفن في هذا الدير لاحقا القديس جورجيوس الآخر وهو حفيد المنور الذي سقط على ايدي وثنيين في ألبانيا القوقازية.
ولدى تقسيم ارمينيا في عام 387 م. انضم ارتساخ في نتيجته الى المملكة الالبانية.
ويعود الملوك الارمن الى الكنيسة الارمنية حيث كانت اللغة الارمنية لغة الطقوس الدينية فيها. واتحدت كنيسة الكاثوليكوس الالبانية مع الكنيسة الارمنية في عام 705 وظل الامر هكذا حتى عام 1836 . وكانت مدينة اغفانكا مقرا للكاثوليكوس حتى القرن التاسع عشر . وبهذا السبب فان قره باغ كان تقليديا يسمى ب "أغفانك". واجتاح الفرس المملكة الالبانية في عام 461 م. وتم القضاء عليها نهائيا في عام 705 م. من قبل العرب.[5]
ومنذ عام 885 م. دخل اقليم ارتساخ في دولة "البغراميين" الارمنية المستعادة. وتنص على ذلك مصادر ارمنية واجنبية على حد سواء. وبينها الرسائل الرسمية التي بعث بها الى الامراء الارمن ملوك بيزنطة .
فمنذ القرن العاشر الميلادي عُرف قره باغ كإمارة خاتشين نسبةً الى تسمية العاصمة أو بالاحرى القلعة التي كانت مقرا للامراء.
وفي القرنين 16 و17 انقسمت امارة خاتشين الى خمس إمارات صغيرة.
وفي القرون الوسطى الاخيرة تذكر مصادر الرحالة الاتراك الذين ظهروا في وادي نهري اراكس وكورا واختلطوا هناك باهالي المنطقة الأرمن والمسلمين الحضريين ، الامر الذي تسسب في قيام جيب تركي وسط البلد الارمني ، واطلقلت عليه تسمية "شوشا". ومن جهة اخرى فان 11 الف اسرة ارمنية هاجرت الى داخل حدود روسيا في شمال القوقاز ومدينة كيزلار، وغيرها من المدن خوفا من ثأر الفرس.
في يوليو / تموز عام 1795 فرض الجيش الايراني بقيادة اغا محمد شاه قلعة شوشا ليجعل ابراهيم خليل خان يطيع له. واستمر الحصار 33 يوما. الا انه بفضل صمود المدافعين عن القلعة كانوا مسلمين او الارمن لم يتمكن الفرس الاستيلاء على القلعة. واضطر الى رفع الحصار في شهر اغسطس / آب من العام نفسه.
وفي عام 1797 عاد اغا محمد شاه اعتدى على قره باخ. وكانت الاوضاع في الخانية وقتئذ صعبة جدا من جراء الجوع والاوبئة السائدة هناك. واضطر أغلب سكان قره باغ للهجرة الى خانيات اخرى بحثا لقمة العيش. وكان من الصعب في ظروف كهذه تنظيم الدفاع عن العاصمة . لكن اغا محمد شاه الذي كان قد اجتاح مدينة شوشا سقط على ايدي خدمه. مما ادى الى انسحاب الجيش الايراني من قره باغ.
لكن الحرب مع الفرس لم تتوقف ، فتوجه ابراهيم خان الى روسيا بطلب دعم في حربه ضد الفرس. ووقع في عام مع الامير تسيتسينوف قائد الجيش الروسي 1805 اتفاقية "كيوريكشاي" التي تولى القيصر الروسي بموجبها رعاية اراضي ابراهيم خان.
ووقعت في عام 1813 بقلعة غولسطان القرباغية المعاهدة الروسية الايرانية التي تقضي بانتقال خانية قره باغ تحت حكم روسيا. غير ان مهدي خان ابن ابراهيم خان هرب في عام 1822 الى ايران ، ورجع الى قره باغ مع القوات الفارسية. فلم يستطع الفرس الاستيلاء على مدينة شوشا التي دافعت عنها الحامية الروسية بمساعدة الارمن.
قره باغ تحت حكم الامبراطورية الروسية
استولت روسيا على الاقليم من فارس سنة 1823 بموجب معاهدة گولستان والتي أعقبتها معاهدة تركمان چاى سنة 1828 والتي بموجبها استولت روسيا على باقي جنوبي القوقاز. وقد شجعت روسيا هجرة الأرمن من فارس إلى ناگورنو قرةباخ لكي توازن هجرة المسلمين من الإقليم إلى فارس بعد أن احتلتها.
هاجر الكثير من السكان المسلمين المحليين الى إيران بعد انضمام خانية قره باغ الى الامبراطورية الروسية. هذا ووصل عدد كبير من أرمن إيران وتركيا الى المقاطعات الروسية الجديدة بما فيها قره باخ. واقيمت في عام 1928المقاطعة الارمنية في اراضي الخانيتين المنضمتين الى روسيا.
وتحولت مدينة شوشا في القرن التاسع عشر الى خامس مراكزمنطقة ما وراء القوقاز أهمية. وكان يزداد عدد سكانها على حساب الارمن القادمين الذين صاروا يشكلون اغلبية فيها.
وشهدت المدينة في عام 1905 اشتباكات دموية اسفرت عن مقتل 318 شخصا وحرق 240 منزلاً بالاضافة الى مسرح خاندليزوف. وشملت الاشتباكات جميع الاقاليم في منطقتي قره باغ وزانغيزور ذات السكان المختلطين.
وانضم قره باغ بعد ثورة اكتوبر عام 1917 الى فدرالية ما وراء القوقاز بصفتها جمهورية فدرالية ديمقراطية مستقلة التي انقسمت فيما بعد الى دول مستقلة ارمنية واذرية وجورجية. وضمت حكومة الجمهورية الاذربيجانية الديمقراطية اقليمي قره باغ و زانغيزور. الا ان الارمن في هذين الاقليمين رفضوا الاعتراف بحكم اذربيجان. وانعقد في 22 يوليو / تموز عام 1918 اول مؤتمر لارمن قره باغ الذي أعلن اقليما اداريا وسياسيا في قره باخ، وانتخب حكومة شعبية.
وفي ربيع عام 1918 تجلى التناقض الحاد بين السكان الارمن الحضريين والمسلمين الرحل. وحاول الارمن خوفا من الاعتداء من طرف الرحل ردعهم والحيلولة دون صعودهم الى الجبال ونجحوا في ذلك في عامي 1917 و 1918 .غير ان الرحل المبعدين عن مراعيهم والمهددين بالموت من الجوع اعتبروا الأرمن بمثابة أعداء لدودين لهم.
فيما حاول حرب المساواة الاذرية ضم قره باغ الى اذربيجان بمساعدة قوات الاحتلال التركية ، وقدم قائد القوات التركية نوري باشا انذارا نهائيا للمجلس الوطني في قره باغ. غير ان المؤتمر الثاني لارمن قره باغ المنعقد في 6 سبتمبر/ايلول عام 1918 رفض هذا الانذار. واحتلت القوات التركية في 15 سبتمبر/ايلول عام 1918 مدينة باكو التي انتقلت اليها من مدينة غانجا حكومة شكلها حزب المساواة للجمهورية الاذربيجانية الديمقراطية (وقبل ذلك كانت هناك حكومة سوفيتية). واندفعت اثر ذلك من باكو الى قره باغ فرقة تركية قدمت مجددا انذارا نهائيا الى الحكومة الشعبية في قره باغ وطالبت منها نزع السلاح والاعتراف بالسلطة الاذربيجانية والسماح بالمرور الى مدينة شوشا.
وفي 17 سبتمبر/ايلول عام 1918 انعقد المؤتمر الثالث لارمن قره باغ الذي رفض رفضا قاطعا هذه المطالب واتخذ قرار بالبدء في المباحثات مع الاتراك. لكن الاتراك غير الراضين بالمماطلات احتلوامدينة شوشا وقاموا بتحرير الوحدات الارمنية من السلاح وقامت بحملات الاعتقالات الواسعة في اوساط المثقفين المحليين. غير ان الارمن شكلوا 4 مفارز مسلحة في الجبال ، ولم يسمحوا بتوغل الاتراك اليها. وظل الوضع كذلك حتى اواخر اكتوبر / تشرين الاول.
وفي يوم 31 اكتوبر / تشرين الاول استسلمت تركيا امام الحلفاء ( انتانتا). وبعد فترة قصيرة من ذلك احتلت القوات البريطانية مدينة باكو. الا ان بقايا القوات التركية المختلطة مع القوات الاذرية ما زالت فترة طويلة ترابط في قره باغ وفي اواخر نوفمبر / تشرين الثاني تقدم الجنرال الارمني اندرونيك ضد الاتراك والاذريين واجتاح في طريقه الى قره باغ 150 قرية وبلدة يقطنها المسلمون، كما تؤكد ذلك وزارة الداخلية الاذرية. غير انه رجع الى ارمينيا بضغط من بريطانيا التي وصته بوقف العمليات القتالية ضد الاتراك والاذريين. فاستعيد في قره باغ المجلس الوطني الارمني الذي تولى زمام الحكم هناك رغم ان اعمال النهب والسلب والاشتباكات الارمنية الاذرية ما زالت قائمة.
ومما زاد تفاقم الوضع هوعدد كبير من اللاجئين في قره باغ الذين بلغ تعدادهم زهاء 40 الف لاجئ ، وبينهم 30 الف ارمني و10 آلاف مسلم.
وبعد فترة اتضح ان الانجليز خيبوا آمال الارمن وأيدوا مطالب اذربيجان بضم قره باغ، وذلك لمصالحهم النفطية. واعلن الانجليز ان مصير الاراضي المتنازع عليها يجب ان يقرر في مؤتمر باريس. وفي واقع الامر كانت القيادة البريطانية تقدم كل الاشكال من الدعم لاذربيجان في قضية قره باخ. واعلنت باكو بحصولها على تأكيدات من الانجليز أعلنت التعبئة العامة فاحتلت حامية شوشا وغيرها من المناطق.
وفي 15 يناير / كانون الثاني عام 1919 عينت القيادة البريطانية حسروف بيك سلطانوف محافظا عسكريا لاقليم قره باغ قبل ان تحل مشاكل الجدل بشكل نهائي . واعتبره الارمن شخصا معاديا لهم يتحمل مسئولية ارتكاب مذبحة الارمن في باكو.
واتخذ سلطانوف من مدينة شوشا مقرا له، وحاول تهدئة الاوضاع بدفع رواتب للموظفين الارمن المعترفين باذربيجان. لكنه لم ينجح في ذلك. فحاصر الجيش الاذربيجاني شوشا ، وحاول احتلال الاحياء الارمنية وفشل في ذلك. ثم تم الفصل بين الطرفين من قبل القوات البريطانية. ودخلت الوحدات الاذرية المدعومة بالانجليز احد الاحياء الارمنية ، وتقول مصادر ارمنية ان الجنرال سلطانوف كان يصدر اوامر بارتكاب مذابح واعمال سلب ونهب في الاحياء الارمنية. وفي الوقت نفسه دمر الاذريون عددا من القرى الارمنية.
وفي نهاية المطاف تم التوصل الي الاتفاق حول عقد المؤتمر السادس لارمن قره باغ الذي كان من المتوقع ان يشارك فيه ممثلون عن البعثة البريطانية والحكومة الاذربيجانية. غير انهم لم يصلوا الا بعد انتهاء اعمال المؤتمر. ولم تجرى محادثات. وشكل المؤتمر لجنة من شأنها الاستنتاج حول مواصلة المقاومة. واتخذت اللجنة قرارا بتقديم تنازلات.
الحرب الاذربيجانية الأرمنية عام 1920
وتفاقمت الاوضاع مجددا في في فبراير/ شباط عام 1920 حين وجه سلطانوف في 19 فبراير/ شباط عام 1920 دعوة الى المجلس الوطني لارمن قره باغ طالب فيها بالحل الفوري لمسألة انضمام قره باغ الى اذربيجان كجزء لا يتجزأ منها. وبدأت اذربيجان تحشد القوات والوحدات غير النظامية حول قره باغ. ووصل الجنرال التركي خليل باشا لكونه احد المنظمين لابادة الارمن الجماعية في عام 1915 الى مدينة شوشا لكي يقدم خدمات المستشار العسكري للجانب الاذربيجاني.
وفي الفترة ما بين 28 فبراير/شباط و4 مارس/آذار عام 1920 انعقد المؤتمر الوطني الثامن لأرمن قره باغ الذي رفض مطلب سلطانوف بالانضمام النهائي الى اذربيجان.
وبدأت الانتفاضة الارمنية في ليلة 22 مارس/آذار عام 1920 المصادفة عيد النوروز بالهجوم على بلدتي عسكران وهنكيدي. وراهن الارمن على ان الاذريين المشغولين بالاحتفالات لن يستعدوا للهجوم. وسقطت عسكران بايدي المهاجمين. لكن الهجوم على هنكيدي تم صده . اما محاولة الهجوم على الحامية الاذرية في مدينة شوشا ففشلت لعدم تنسيق الاعمال بين مفارز ارمنية. واحرقت القوات الاذرية من جانبها الاحياء الارمنية في مدينة شوشا واقامت مذبحة للسكان مدمرة المدينة كلها عمليا.
وبقيت مذبحة شوشا في ذاكرة الارمن كاحدى الكوارث القومية الكبرى في تاريخهم.
ونتيجة لعمليات حربية تلت المذبحة انتقلت المبادرة العسكرية الى الارمن الذي باتوا يتحضرون لاقتحام شوشا. وانعقد في 23 ابريل / نيسان عام 1920 المؤتمر الوطني التاسع لارمن قره باغ الذي أعلن إقليم قره باغ الجبلي جزءا لا يتجزأ من ارمينيا.
غير ان اذربيجان استعادت سيطرتها على الاقليم في مايو/آيار – يونيو/حزيران عام 1920 نتيجة تدخل القوات السوفيتية.
الحقبة السوڤتية
في اواخر عام 1920 احتل البلاشفة ارمينيا ووعدوا لكسب ثقة الارمن بان يحيلوا قره باغ لارمينيا الى جانب إقليمي ناخيتشيفان وزانغيزور المتنازع عليهما بسكانهما المختلطين إثنيا . وفي الوقت نفسه كانت لدى موسكو خطط بعيدة المدى إزاء تركيا .وكانت روسيا آنذاك تأمل بان تركيا ستختار طريقا شيوعياً في تطورها اللاحق. ولذلك وافقت موسكو على تقسيم الاراضي القوقازية. وفي نتيجته بقيت زانغيزور ضمن ارمينيا . اما قره باغ و ناخيتشيفان فدخلتا في قوام اذربيجان.
وفي 7 يوليو سنة 1923 أسست مقاطعة قره باغ ذات الحكم الذاتي ضمن جمهورية اذربيجان السوفيتية الاشتراكية . والجدير بالذكر ان معظم القرارات باحالة اراض وإنشاء كيانات ذاتية الحكم اتخذت بالضغط من ستالين الذي الأرمن والاذريون على حد سواء يتهمونه حتى الآن في اتخاذ قرارات تناقض مصالحهم القومية. وأعطى الاقليم اسم اوبلاست ناگورنو قرةباخ الذاتي. وقد قبل الأرمن والأذريون هذا الترتيب لأنه كان بمنزلة تنظيم إداري داخل الدولة السوڤيتية.
ولكن مع بداية الإصلاحات السياسية التي أدخلها گورباتشوڤ متضمنة حرية التعبير السياسي أعلن الأرمن المقيمون في ناگورنو قرةباخ الاستقلال، وتكوين جمهورية ناگورنو قرةباخ ما أدى إلى صدامات مع الأذريين من سكان الإقليم بين عامي 1988، 1990. وقد تدخل الاتحاد السوفيتي لمنع أي تعديل لوضع الإقليم وتم إرسال قوات مسلحة إلى الاقليم لمنع الصدامات الدموية هناك وتم فرض حالة الطوارئ ما أدى إلى وقف القتال مؤقتا. ولكن القتال عاد ليتجدد مع انسحاب القوات السوفيتية من المنطقة وإعلان أرمنيا وأذربيجان الاستقلال عن الاتحاد السوڤيتي في 22، 30 أغسطس سنة 1991 على التوالي. وقامت أذربيجان بفرض حصار على الإقليم لمنع جمهورية أرمنيا من دعم الانفصاليين الأرمن كما قامت بالغاء الوضع المستقل للأقليم في نوفمبر سنة 1991. ولكن الأرمن ردوا بإعلان استقلاله في 10 ديسمبر من العام ذاته بعد اجراء استفتاء. وطوال السنوات التالية دارت حرب شاملة بين القوات المسلحة الأرمينية والأذرية والميليشيات الأرمنية المتمركزة في ناجورنو قرةباخ.[6]
واستطاع أرمن الإقليم السيطرة عليه. وقد قتل في هذه الحرب حوالي 40 ألف نسمة من المدنيين والعسكريين بالإضافة إلى تشريد عشرات الآلاف ومعظمهم من الأذريين. وقد وسعت القوات الأرمينية من نطاق القتال ليشمل مناطق أخرى خارج الاقليم، وأهمها منظقة خوجالي وغيرها، لكي تستعملها فيما بعد للمساومة على الاحتفاظ باقليم ناغورنو قره باخ مستعملة أساليب التطهير العرقي للاقليم من الأذريين ما أدى الى تقلص عدد سكان الاقليم بالاضافة الى تحويل الاقليم الى اقليم «نقي عرقيا» اليوم. فقد هبط عدد السكان الى 138,000 نسمة يشكل الأرمن 95% منهم (حسب احصاءات السلطة الأرمينية في الاقليم والصادرة سنة 2007). وفي ديسمبر سنة 1994 تم وقف إطلاق النار بناء على تدخل الأمم المتحدة وروسيا. وتتمع جمهورية ناگورنو قرةباخ حاليا بوضع مستقل اذ ان لها رئاسة جمهورية وهياكل سياسية خاصة بها، ولكنها مرتبطة بأرمنيا الى حد كبير وبالذات عبر ممر لاچين. بل أن انقلاباً داخلياً حدث في أرمنيا نفسها وسيطر بموجبه الأرتساخ (أرمن ناگورنو قرةباخ) على كل المناصب الرئيسية في أرمنيا لآخر ثلاث رؤساء جمهوريات.
وعلى مدى 65 سنة لكيان مقاطعة قره باغ ذات الحكم الذاتي كان يشعر الارمن في قره باغ بانهم بمثابة عرضة لتقييدات مفروضة من طرف اذربيجان. ويكمن السبب الاساسي لعدم رضائهم في ان السلطات الاذربيجانية كانت تنتهج سياسة استيطان في المنطقة تهدف إلى توطين الاذريين والابعاد التدريجي للسكان الارمن عن مقاطعة قره باغ ذات الحكم الذاتي، وتجاهل حاجاتهم الاقتصادية والثقافية. كما تعرضت شعوب اخرى (الاكراد مثلا) لسياسة الدمج والاذابة من قبل اذربيجان.
وبينت احصائيات عام 1979 ان العدد الاجمالي لسكان مقاطعة قره باغ ذات الحكم الذاتي بلغ 162200 نسمة وبينهم 123100 ارمني (نسبة 75.9%) و 37300 اذري ( نسبة 22.9%) علما بان نسبة الارمن في عام 1923 كانت تشكل 94%.
حركة قره باغ
أدرجت مسألة قره باغ مجددا في جدول الاعمال مع البدء في سياسة العلنية ونشر الديمقراطية. وفاض الكرملين من رسائل بعث بها الارمن بطلب دمج قره باغ بأرمنيا . اما قره باغ نفسها فبدأت فيها منذ النصف الثاني لعام 1987 حملة جمع التواقيع تأييدا لضم قره باغ الى ارمينيا. وقد تم جمع 80 الف توقيع بحلول عام 1987 ثم تم تسليمها الى ممثلي اللجنة المركزية للحزب الشيوعي.
وفي 13 فبراير/شباط عام 1988 جرى في مديتة ستبانكيرت اول اجتماع طرح مطلب ضم مقاطعة قره باغ ذات الحكم الذاتي الى ارمينيا. وبمرور اسبوع فقط شارك في اجتماعات آلاف من الناس.
وفي 20 فبراير/شباط عام 1988 اتخذ مجلس النواب الشعبي في مقاطعة قره باغ ذات الحكم الذاتي قرارا بطلب دمج المقاطعة مع ارمينيا، الامر الذي اثار الغضب لدى الاذريين . وصار السكان الاذريون المحليون يتجمهرون لفرض النظام في قره باخ. ووقع اول اشتباك بين الارمن والاذريين المتوجهين الى ستباناكيرت بالقرب من مدينة عسكران الواقعة على حدود مقاطعة قره باغ ذات الحكم الذاتي. وقتل في الاشتباك اذريان واصيب 50 ارمني بجروح.
وذكر المدعي العام للاتحاد السوفيتي في تصريح للتلفزيون السوفيتي جنسية الضحايا، مما تسبب في اضطرابات وقعت في مدينة سومغاييت الاذرية اسفرت عن اعمال قتل ونهب وسلب ضد الارمن. واستمرت الاضطربات 3 ايام. وافاد التحقيق الرسمي بقتل 26 ارمني و6 اذريين. فيما تعتقد مكتبة الكونغرس الامريكي ان عدد الضحايا تجاوز 100 قتيل.
وأثارت أعمال العنف في سومغاييت موجة غاضبة لدى الرأي العام الارمني، فبدأت اجتماعات شعبية في ارمينيا.
وفي خريف عام 1988 استؤنفت حملة المطاردة ضد الارمن في اذربيجان التي رافقها تهجير الارمن منها . كما تعرض الاذريون الساكنون في ارمينيا لحملة التهجير ايضا.
و نتيجة اعمال العنف غادر ارمينيا في اوائل عام 1989 جميع الاذريين وقسم كبير من الاكراد المسلمين. كما غادر اذربيجان جميع الارمن ما عدا ارمن قره باغ وباكو جزئيا.
وابتداءا من صيف عام 1989 جرت اشتباكات مسلحة مستمرة في مقاطعة قره باغ ذات الحكم الذاتي. واعلنت سلطة المقاطعة عدم طاعتها لاذربيجان.
وفي 12 يوليو/تموز عام 1989 اتخذ مجلس المقاطعة قرارا بانسحاب قره باغ من جمهورية اذربيجان السوفيتية الاشتراكية. واخرجت موسكو في بداية عام 1989 قره باغ من تحت سلطة اذربيجان، وفرضت نظام الاحكام العرفية في في المقاطعة. واعتقل في يريفان اعضاء لجنة " قره باغ" برئاسة ليفون تير- بيتروسيان الرئيس الارمني لاحقا. اما الدورة المشتركة للمجلس الاعلى الارمني ومجلس مقاطعة قره باغ ذات الحكم الذاتي فاعلنت في ديسمبر / كانون الاول عام 1989دمج قره باغ وارمينيا. وقبل ذلك بعدة ايام تمت اعادة قره باغ الى سلطة جمهورية اذربيجان السوفيتية الاشتراكية. كما تم تشكيل السلطة العسكرية في منطقة الاحكام العرفية. ثم اعلنت هناك حالة الطوارئ. ونظم محتاجون في باكو حملات سلب ونهب جديدة ضد الارمن الباقين هناك.
وفي الفترة ما بين شهري ابريل/نيسان – اغسطس / آب اجرت وحدات الجيش السوفيتي بالتعاون مع وحدات الشرطة الخاصة الاذربيجانية حملة تحرير سكان القرى القرباغية من الاسلحة وتهجيرهم الى ارمينيا. واطلقت على هذه العملية تسمية " الطوق" . وفي نتيجة الحملة تم تهجير سكان 24 قرية ارمنية. غير انه توقف اي تأثير لموسكو على الاحداث إثر وقوع انقلاب اغسطس/آب الفاشل في موسكو. وآنذاك أصبح أرمن قره باغ، الذين قد شكلوا مفارزمسلحة لهم ، والاذريون بدعم من وحدات الشرطة يقفون وجها لوجه .
وفي 2 سبتمبر/ايلول عام 1991 اعلن أرمن قره باغ قيام جمهورية قره باغ ضمن الاتحاد السوفيتي المنتهي كيانه في واقع الامر. واتخذ المجلس الاعلى لجمهورية اذربيجان من جهته قرارا بالغاء مقاطعة قره باغ ذات الحكم الذاتي. واجاب الارمن باستفتاء في موضوع الاستقلال اجري في 10 ديسمبر/كانون الاول. واعلنوا رسميا قيام دولة مستقلة.
فبدأت الحرب التي تحولت فيما بعد الى الحرب بين اذربيجان وارمينيا. واسهم انهيار الاتحاد السوفيتي في تفاقم الاوضاع.
حرب قرةباغ
كانت بحوزة ارمن قره باغ 6000 مقاتل ضمن قوات الدفاع الذاتي في جمهورية قره باغ (جيش جمهورية قره باغ فيما بعد) الخاضعة للجنة الدفاع. وزادت هذه القوات من ترسانتها على حساب القوات السوفيتية المنسحبة. وانتقل الارمن الى الهجوم واستولوا في ليلة 26 فبراير / شباط عام 1992 علي مدينة حجلي. محققين بذلك اول نجاح كبير في الحرب اظلمته قتل اللاجئين من مدينة حجلي الذين قدم لهم ممر انساني. ويشير الجانب الاذربيجاني الى هلاك 485 شخصا بين القتلى والمتجمدين في الطريق بمن فيهم مئات النساء والاطفال. وتصف منظمة حماية حقوق الانسان " human rights" هذا الحدث بانه اكبر مذبحة في تاريخ النزاع. ولم تكلل بنجاح محاولة الجانب الاذربيجاني للانتقال الى الهجوم المضاد واستعادة حجلي في مارس/آذار.
واثارات نجاحات الارمن ازمة سياسية في اذربيجان التي اسهم بدورها في المزيد من الانتصارات الارمنية في ميدان القتال. وسقطت مدينة شوشا بايدي الوحدات الارمنية في 8-9 مايو/آيار وباتت اراضي جمهورية قره باغ كلها تحت سيطرة الارمن ، ثم اندفعت القوات الارمنية نحو مدينة لاتشين التي تفصل جمهورية قره باغ عن ارمينيا ، وسقطت لاتشين في 18 مايو/آيار واتصلت جمهورية قره باغ بارمينيا اتصالا مباشرا. واعتبر الارمن ان الحرب قد انتهت. ولم يبق لهم الا الاستيلاء على بعض القرى الارمنية.
غير ان الحكومة الاذربيجانية الجديدة قررت استعادة قره باغ مهما كانت الظروف. وقد جلب تقسيم اسلحة الجيش السوفيتي المنتهى لهم كميات كبيرة من الاسلحة مما ضمن لهم التفوق على الارمن.
وفاجأ الاذريون الارمن يوم 12 يونيو/حزيران بهجومهم في الاتجاه الشمالي. وتم الاستيلاء على المنطقة الشمالية لقره باغ خلال عدة ايام. وبحسب المعطيات الارمنية تحول 18 الف شخص الى لاجئين ، وأصبح 405 شخص من النساء والاطفال والشيوخ مفقودين. واستمر هجوم الجيش الاذربيجاني. وفي اوائل سبتمر / ايلول انتقل ثلث اراضي جمهورية قره باغ الى سيطرة اذربيجان ، مما اصبح ذروة لنجاحات الجيش الاذربيجاني في الحرب.
واعلنت قره باغ من جانبها حالة الطوارئ والتعبئة العامة ، ونقلت الى هناك معونات من ارمينيا.
وفي 18 سبتمبر/ايلول بدأ الاذريون هجوما جديدا. غير ان قواهم استنفدت ، وتمكن الارمن المنتقلين الى الهجوم المضاد من ارجاعهم الى مواقع اولية.
وفي هذا الحين اتمت ارمينيا تزويد جيشها باسلحة .وتم نقل جزء كبير منه الى قره باخ. وبلغ تعداد القوات الارمنية في قره باغ في اواخر السنة 18 الف جندي ، وبينهم 12 الف جندي من اهالي قره باغ ، وكانت بحوزتهم 100 دبابة و 190 عربة قتالية.
وفي 15 يناير/كانون الاول بدأت اذربيجان هجومها الجديد في الجبهة الشمالية. الا انه باء بالفشل الذي غدا مقدمة لهزائم الجيش الاذربيجاني في موسم الربيع – الخريف.
وتسببت هزائم الجيش الاذربيجاني في ازمة سياسية جديدة ادت الى سقوط الحكومة والرئيس وعودة حيدر علييف الى السلطة. اما الارمن فسعوا الى تطوير النجاح وبداوا هجوما كبيرا. واستطعوا خلال 8 اشهر فرض سيطرتهم على اراضي مساحتها 14000 كيلومتر مربع .
وفي 15 ديسمبر /كانون الاول اتخذ الاذريون محاولة يائسة لاسترجاع الاوضاع ، وانتقلوا الى الهجوم الذي لم يكلل بنجاح. اما الارمن فاستمروا في هجومهم في شتاء وربيع عام 1994 مخططين لقطع المنطقة الشمالية الغربية لاذربيجان ، كما هو الحال سابقا مع المنطقة الجنوبية الغربية . وكان من المفترض ان توافق اذربيجان بعد كارثة كهذه على شروط الصلح المفروضة عليهم من قبل الارمن. غير ان الاحداث بينت ان الارمن ليس بمقدورهم تطوير النجاح. فاقيم التوازن في القوى . وفي شهر مايو/آذار وقع الممثلون عن اذربيجان وجمهورية قره باغ وارمينيا في مدينة بشكيك القرغيزية اتفاقية وقف اطلاق النار بوساطة روسية.
ووضعت اتفاقية بشكيك نهاية للمرحة الحادة في النزاع. ويسري مفعول الاتفاقية لحد الآن.
تواصل العنف 1994–الحاضر
تعتبر قره باغ في الوقت الحاضر من حيث الواقع دولة مستقلة مسماة بجمهورية قره باغ. وانها تحتفظ بعلاقات وثيقة مع جمهورية ارمينيا وتستخدم عملتها القومية "درام". وتتعرض السلطات الارمنية دوما لضغوط من طرف القوى الداخلية الداعية الى ضم قره باغ لارمينيا. غير انها لم تجرؤ على ذلك خوفا من رد الفعل الاذربيجاني والدولي الذي لا يزال يعتبر قره باغ جزءً من اذربيجان. وترتبط الحياة السياسية في قره باغ وارمينيا الى درجة ان الرئيس السابق لجمهورية قره باغ روبرت كوتشاريان ترأس حكومة ارمينيا في عام 1997 وكان رئيسا لها في الفترة من عام 1998 حتى ابريل / نيسان عام 2008.
ويمثل القيادة الارمنية ارمن قره باغ في مباحثات السلام ، اذ ان اذربيجان ترفض اعترافهم كاحد طرفي النزاع ، الامر الذي يثير عدم الرضاء في قره باغ نفسها.
وتوقفت عملية المباحثات لمدة طويلة بسبب ان كلا الطرفين لم يقدما على تنازلات . اما قره باغ فاستثني من عملية المباحثات. وتعتقد اذربيجان ان لديها كل الحقوق بان تمتلك قره باغ وتطالب باسترجاع كافة الاراضي الواقعة في منطقة الامن. ويعلن الجانب الارمني انه لا يمكن ان يوافق على ذلك بدون تقديم ضمانات دولية لأمن جمهورية قره باغ . كما تطالب الاعتراف بالوضع القانوني المستقل لجمهورية قره باغ معتبرة اياها كيانا من كيانات الاتحاد السوفيتي السابق.
وكان الممثلون عن ارمينيا واذربيجان وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة التقوا في بارس وولاية فلوريدا الامريكية في ربيع عام 2001 حيث ناقشوا العلاقات بين حكومة اذربيجان والقيادة القره باغية . وبالرغم من شائعات تقول ان الاطراف كانت على وشك عقد اتفاقيات آنذاك ، فان حكومتي الرئيس الراحل حيدر علييف ونجله إلهام رفضتا رفضا قاطعا وجود اي اتفاق في باريس او فلوردا.
وجرت المباحثات اللاحقة بين الهام علييف وروبرت كوتشيريان في سبتمبر / ايلول عام 2004 في عاصمة كازاخستان استانا. ويفيد بعض المصادر انه بين المقترحات التي نوقشت هناك كان انسحاب قوات الاحتلال من الاراضي الاذربيجانية المتاخمة لقره باغ واجراء استفتاء هناك وفي بقية اراضي اذيربيجان في موضوع مستقبل الاقليم.
وفي 10 – 11 فبراير/شباط عام 2006 جرت في فرنسا المباحثات بين الرئيسين روبرت كوتشيريان وإلهام علييف بمبادرة من الرئيس الفرنسي جاك شيراك. غير ان الطرفين لم يتمكنا من التوصل الى اي اتفاق.
وفي 11 ابريل / شباط انضم الى المباحثات المشرفون على مجموعة مينسك لمنظمة الامن والتعاون في اوروبا التي يدخل فيها الممثلون عن الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا. وتجرى في هذا الاطار لقاءات على مستويات مختلفة. الا ان الوضع لا يزال على حاله .
وقد انعقد في بداية نوفمبر 2008 في موسكو لقاء بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس ارمينيا سيرج سركيسيان حول موضوع تسوية النزاع في قره باغ ، وذلك بمشاركة الرئيس الروسي دميتري مدفيديف.
نزاع قرةباغ
نزاع ناجورنو قرة باغ
المراجع
www.marefa.org/index.php/%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9_%D9%86%D8%A7%D8%AC%D9%88%D8%B1%D9%86%D9%88_%D9%82%D8%B1%D8%A9_%D8%A8%D8%A7%D8%BAموسوعة المعرفة
التصانيف
ابحاث