يوسف

{90} قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ لَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا : " مَسَّنَا وَأَهْلنَا الضُّرّ " فَخَضَعُوا لَهُ وَتَوَاضَعُوا رَقَّ لَهُمْ , وَعَرَّفَهُمْ بِنَفْسِهِ , فَقَالَ : " هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُف وَأَخِيهِ " فَتَنَبَّهُوا فَقَالُوا : " أَئِّنَّك لَأَنْتَ يُوسُف " قَالَهُ اِبْن إِسْحَاق . وَقِيلَ : إِنَّ يُوسُف تَبَسَّمَ فَشَبَّهُوهُ بِيُوسُف وَاسْتَفْهَمُوا قَالَ اِبْن عَبَّاس لَمَّا قَالَ لَهُمْ : " هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُف " الْآيَة , ثُمَّ تَبَسَّمَ يُوسُف - وَكَانَ إِذَا تَبَسَّمَ كَأَنَّ ثَنَايَاهُ اللُّؤْلُؤ الْمَنْظُوم - فَشَبَّهُوهُ بِيُوسُف , فَقَالُوا لَهُ عَلَى جِهَة الِاسْتِفْهَام : " أَئِّنَّك لَأَنْتَ يُوسُف " . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : أَنَّ إِخْوَته لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى وَضَعَ التَّاج عَنْهُ , وَكَانَ فِي قَرْنه عَلَامَة , وَكَانَ لِيَعْقُوب مِثْلهَا شَبَه الشَّامَة , فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ : " هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُف " رَفَعَ التَّاج عَنْهُ فَعَرَفُوهُ , فَقَالُوا : " أَئِّنَّك لَأَنْتَ يُوسُف " . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَتَبَ يَعْقُوب إِلَيْهِ يَطْلُب رَدَّ اِبْنه , وَفِي الْكِتَاب : مِنْ يَعْقُوب صَفِيّ اللَّه اِبْن إِسْحَاق ذَبِيح اللَّه اِبْن إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه إِلَى عَزِيز مِصْر - أَمَّا بَعْد - فَإِنَّا أَهْل بَيْت بَلَاء وَمِحَن , اِبْتَلَى اللَّه جَدِّي إِبْرَاهِيم بِنُمْرُوذ وَنَاره , ثُمَّ اِبْتَلَى أَبِي إِسْحَاق بِالذَّبْحِ , ثُمَّ اِبْتَلَانِي بِوَلَدٍ كَانَ لِي أَحَبّ أَوْلَادِي إِلَيَّ حَتَّى كُفَّ بَصَرِي مِنْ الْبُكَاء , وَإِنِّي لَمْ أَسْرِق وَلَمْ أَلِد سَارِقًا وَالسَّلَام . فَلَمَّا قَرَأَ يُوسُف الْكِتَاب اِرْتَعَدَتْ مَفَاصِله , وَاقْشَعَرَّ جِلْده , وَأَرْخَى عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ , وَعِيلَ صَبْره فَبَاحَ بِالسِّرِّ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير " إِنَّك " عَلَى الْخَبَر , وَيَجُوز أَنْ تَكُون هَذِهِ الْقِرَاءَة اِسْتِفْهَامًا كَقَوْلِهِ : " وَتِلْكَ نِعْمَة " [الشُّعَرَاء : 22] .

{90} قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أَيْ أَنَا الْمَظْلُوم وَالْمُرَاد قَتْله , وَلَمْ يَقُلْ أَنَا هُوَ تَعْظِيمًا لِلْقِصَّةِ .

{90} قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أَيْ بِالنَّجَاةِ وَالْمُلْك .

{90} قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أَيْ يَتَّقِ اللَّه وَيَصْبِر عَلَى الْمَصَائِب , وَعَنْ الْمَعَاصِي .

{90} قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أَيْ الصَّابِرِينَ فِي بَلَائِهِ , الْقَائِمِينَ بِطَاعَتِهِ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير : " إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي " بِإِثْبَاتِ الْيَاء ; وَالْقِرَاءَة بِهَا جَائِزَة عَلَى أَنْ تُجْعَل " مَنْ " بِمَعْنَى الَّذِي , وَتَدْخُل " يَتَّقِي " فِي الصِّلَة , فَتُثْبَتْ الْيَاء لَا غَيْر , وَتُرْفَع " وَيَصْبِر " . وَقَدْ يَجُوز أَنْ تُجْزَم " وَيَصْبِر " عَلَى أَنْ تُجْعَل " يَتَّقِي " فِي مَوْضِع جَزْم و " مِنْ " لِلشَّرْطِ , وَتَثْبُت الْيَاء , وَتُجْعَل عَلَامَة الْجَزْم حَذْف الضَّمَّة الَّتِي كَانَتْ فِي الْيَاء عَلَى الْأَصْل ; كَمَا قَالَ : ثُمَّ نَادِي إِذَا دَخَلْت دِمَشْقَا يَا يَزِيد بْن خَالِد بْن يَزِيد وَقَالَ آخَر : أَلَمْ يَأْتِيك وَالْأَنْبَاء تَنْمِي بِمَا لَاقَتْ لَبُون بَنِي زِيَاد وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة ظَاهِرَة , وَالْهَاء فِي " إِنَّهُ " كِنَايَة عَنْ الْحَدِيث , وَالْجُمْلَة الْخَبَر .

{91} قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ الْأَصْل هَمْزَتَانِ خُفِّفَتْ الثَّانِيَة , وَلَا يَجُوز تَحْقِيقهَا , وَاسْم الْفَاعِل مُؤْثِر , وَالْمَصْدَر إِيثَار . وَيُقَال : أَثَرْت التُّرَاب إِثَارَة فَأَنَا مُثِير ; وَهُوَ أَيْضًا عَلَى أَفْعَل ثُمَّ أُعِلَّ , وَالْأَصْل أَثْيَر نُقِلَتْ حَرَكَة الْيَاء عَلَى الثَّاء , فَانْقَلَبَتْ الْيَاء أَلِفًا , ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَأَثَرْت الْحَدِيث عَلَى فَعَلْت فَأَنَا آثِرٌ ; وَالْمَعْنَى : لَقَدْ فَضَّلَك اللَّه عَلَيْنَا , وَاخْتَارَك بِالْعِلْمِ وَالْحِلْم وَالْحُكْم وَالْعَقْل وَالْمُلْك .

{91} قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ أَيْ مُذْنِبِينَ مِنْ خَطِئَ يَخْطَأ إِذَا أَتَى الْخَطِيئَة , وَفِي ضِمْن هَذَا سُؤَال الْعَفْو . وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاس : كَيْف قَالُوا " وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ " وَقَدْ تَعَمَّدُوا لِذَلِكَ ؟ قَالَ : وَإِنْ تَعَمَّدُوا لِذَلِكَ , فَمَا تَعَمَّدُوا حَتَّى أَخْطَئُوا الْحَقّ , وَكَذَلِكَ كُلّ مَنْ أَتَى ذَنْبًا تَخَطَّى الْمِنْهَاج الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ الْحَقّ , حَتَّى يَقَع فِي الشُّبْهَة وَالْمَعْصِيَة .

{92} قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أَيْ قَالَ يُوسُف - وَكَانَ حَلِيمًا مُوَفَّقًا : " لَا تَثْرِيب عَلَيْكُمْ الْيَوْم " وَتَمَّ الْكَلَام . وَمَعْنَى " الْيَوْم " : الْوَقْت . وَالتَّثْرِيب التَّعْيِير وَالتَّوْبِيخ , أَيْ لَا تَعْيِير وَلَا تَوْبِيخ وَلَا لَوْم عَلَيْكُمْ الْيَوْم ; قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَغَيْره ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا زَنَتْ أَمَة أَحَدكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدّ وَلَا يُثَرِّب عَلَيْهَا ) أَيْ لَا يُعَيِّرهَا ; وَقَالَ بِشْر : فَعَفَوْت عَنْهُمْ عَفْو غَيْر مُثَرِّب وَتَرَكْتهمْ لِعِقَابِ يَوْم سَرْمَد وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : ثَرَّبْت عَلَيْهِ وَعَرَّبْت عَلَيْهِ بِمَعْنَى إِذَا قَبَّحْت عَلَيْهِ فِعْله . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى لَا إِفْسَاد لِمَا بَيْنِي وَبَيْنكُمْ مِنْ الْحُرْمَة , وَحَقّ الْإِخْوَة , وَلَكُمْ عِنْدِي الْعَفْو وَالصَّفْح ; وَأَصْل التَّثْرِيب الْإِفْسَاد , وَهِيَ لُغَة أَهْل الْحِجَاز . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِعُضَادَتَيْ الْبَاب يَوْم فَتْح مَكَّة , وَقَدْ لَاذَ النَّاس بِالْبَيْتِ فَقَالَ : ( الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْده وَنَصَرَ عَبْده وَهَزَمَ الْأَحْزَاب وَحْده ) ثُمَّ قَالَ : ( مَاذَا تَظُنُّونَ يَا مَعْشَر قُرَيْش ) قَالُوا : خَيْرًا , أَخ كَرِيم , وَابْن أَخ كَرِيم وَقَدْ قَدَرْت ; قَالَ : ( وَأَنَا أَقُول كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُف " لَا تَثْرِيب عَلَيْكُمْ الْيَوْم " فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : فَفِضْت عَرَقًا مِنْ الْحَيَاء مِنْ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; ذَلِكَ أَنِّي قَدْ كُنْت قُلْت لَهُمْ حِين دَخَلْنَا مَكَّة : الْيَوْم نَنْتَقِم مِنْكُمْ وَنَفْعَل , فَلَمَّا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ اِسْتَحْيَيْت مِنْ قَوْلِي .

{92} قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ مُسْتَقْبَل فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاء ; سَأَلَ اللَّه أَنْ يَسْتُر عَلَيْهِمْ وَيَرْحَمهُمْ . وَأَجَازَ الْأَخْفَش الْوَقْف عَلَى " عَلَيْكُمْ " وَالْأَوَّل هُوَ الْمُسْتَعْمَل ; فَإِنَّ فِي الْوَقْف عَلَى " عَلَيْكُمْ " وَالِابْتِدَاء ب " الْيَوْم يَغْفِر اللَّه لَكُمْ " جَزْم بِالْمَغْفِرَةِ فِي الْيَوْم , وَذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا عَنْ وَحْي , وَهَذَا بَيِّن . وَقَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ : طَلَب الْحَوَائِج مِنْ الشَّبَاب أَسْهَلَ مِنْهُ مِنْ الشُّيُوخ ; أَلَمْ تَرَ قَوْل يُوسُف : " لَا تَثْرِيب عَلَيْكُمْ الْيَوْم يَغْفِر اللَّه لَكُمْ " وَقَالَ يَعْقُوب : " سَوْفَ أَسْتَغْفِر لَكُمْ رَبِّي " .

{93} اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ " اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا " نَعْت لِلْقَمِيصِ , وَالْقَمِيص مُذَكَّر , فَأَمَّا قَوْل الشَّاعِر : تَدْعُو هَوَازِن وَالْقَمِيص مُفَاضَة فَوْق النِّطَاق تُشَدّ بِالْأَزْرَارِ فَتَقْدِيره : [وَالْقَمِيص] دِرْع مُفَاضَة . قَالَهُ النَّحَّاس . وَقَالَ اِبْن السُّدِّيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُجَاهِد : قَالَ لَهُمْ يُوسُف : " اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْه أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا " قَالَ : كَانَ يُوسُف أَعْلَم بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ يَعْلَم أَنَّ قَمِيصه يَرُدّ عَلَى يَعْقُوب بَصَره , وَلَكِنَّ ذَلِكَ قَمِيص إِبْرَاهِيم الَّذِي أَلْبَسهُ اللَّه فِي النَّار مِنْ حَرِير الْجَنَّة , وَكَانَ كَسَاهُ إِسْحَاق , وَكَانَ إِسْحَاق كَسَاهُ يَعْقُوب , وَكَانَ يَعْقُوب أَدْرَجَ ذَلِكَ الْقَمِيص فِي قَصَبَة مِنْ فِضَّة وَعَلَقَة فِي عُنُق يُوسُف , لِمَا كَانَ يَخَاف عَلَيْهِ مِنْ الْعَيْن , وَأَخْبَرَهُ جِبْرِيل بِأَنْ أَرْسِلْ قَمِيصك فَإِنَّ فِيهِ رِيح الْجَنَّة , وَإِنَّ رِيح الْجَنَّة لَا يَقَع عَلَى سَقِيم وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عُوفِيَ . وَقَالَ الْحَسَن : لَوْلَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَعْلَم يُوسُف بِذَلِكَ لَمْ يَعْلَم أَنَّهُ يَرْجِع إِلَيْهِ بَصَره , وَكَانَ الَّذِي حَمَلَ قَمِيصه يَهُوذَا , قَالَ لِيُوسُف : أَنَا الَّذِي حَمَلْت إِلَيْهِ قَمِيصك بِدَمِ كَذِب فَأَحْزَنْته , وَأَنَا الَّذِي أَحْمِلهُ الْأَنّ لِأُسِرّهُ , وَلِيَعُودَ إِلَيْهِ بَصَره , فَحَمَلَهُ ; حَكَاهُ السُّدِّيّ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْقَمِيص الَّذِي بَعَثَهُ هُوَ الْقَمِيص الَّذِي قُدَّ مِنْ دُبُره , لِيَعْلَم يَعْقُوب أَنَّهُ عُصِمَ مِنْ الزِّنَا ; وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ , وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ وَاَللَّه أَعْلَم .

{93} اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ لِتَتَّخِذُوا مِصْر دَارًا . قَالَ مَسْرُوق : فَكَانُوا ثَلَاثَة وَتِسْعِينَ , مَا بَيْن رَجُل وَامْرَأَة .

{94} وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ أَيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَة مِنْ مِصْر إِلَى الشَّام , يُقَال : فَصَلَ فُصُولًا , وَفَصَلْته فَصْلًا , فَهُوَ لَازِم وَمُتَعَدٍّ .

{94} وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ أَيْ قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ قَرَابَته مِمَّنْ لَمْ يَخْرُج إِلَى مِصْر وَهُمْ وَلَد وَلَده

{94} وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَرَجَ بَعْض بَنِيهِ , فَقَالَ لِمَنْ بَقِيَ : " إِنِّي لَأَجِد رِيح يُوسُف لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ " . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هَاجَتْ رِيح فَحَمَلَتْ رِيح قَمِيص يُوسُف إِلَيْهِ , وَبَيْنهمَا مَسِيرَة ثَمَان لَيَالٍ . وَقَالَ الْحَسَن : مَسِيرَة عَشْر لَيَالٍ ; وَعَنْهُ أَيْضًا مَسِيرَة شَهْر . وَقَالَ مَالِك بْن أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنَّمَا أَوْصَلَ رِيحه مَنْ أَوْصَلَ عَرْش بِلْقِيس قَبْل أَنْ يَرْتَدّ إِلَى سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام طَرْفه . وَقَالَ مُجَاهِد : هَبَّتْ رِيح فَصَفَقَتْ الْقَمِيص فَرَاحَتْ رَوَائِح الْجَنَّة فِي الدُّنْيَا وَاتَّصَلَتْ بِيَعْقُوب , فَوَجَدَ رِيح الْجَنَّة فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ رِيح الْجَنَّة إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيص , فَعِنْد ذَلِكَ قَالَ : " إِنِّي لَأَجِد " أَيْ أَشُمّ ; فَهُوَ وُجُود بِحَاسَّةِ الشَّمّ .

{87} يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ تَيَقَّنَ حَيَاته ; إِمَّا بِالرُّؤْيَا , وَإِمَّا بِإِنْطَاقِ اللَّه تَعَالَى الذِّئْب كَمَا فِي أَوَّل الْقِصَّة , وَإِمَّا بِإِخْبَارِ مَلَك الْمَوْت إِيَّاهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِض رُوحه ; وَهُوَ أَظْهَر . وَالتَّحَسُّس طَلَب الشَّيْء بِالْحَوَاسِّ ; فَهُوَ تَفَعُّل مِنْ الْحِسّ , أَيْ اِذْهَبُوا إِلَى هَذَا الَّذِي طَلَبَ مِنْكُمْ أَخَاكُمْ , وَاحْتَالَ عَلَيْكُمْ فِي أَخْذه فَاسْأَلُوا عَنْهُ وَعَنْ مَذْهَبه . وَيُرْوَى أَنَّ مَلَك الْمَوْت قَالَ لَهُ : اُطْلُبْهُ مِنْ هَاهُنَا ! وَأَشَارَ إِلَى نَاحِيَة مِصْر . وَقِيلَ : إِنَّ يَعْقُوب تَنَبَّهَ عَلَى يُوسُف بِرَدِّ الْبِضَاعَة , وَاحْتِبَاس أَخِيهِ , وَإِظْهَار الْكَرَامَة ; فَلِذَلِكَ وَجَّهَهُمْ إِلَى جِهَة مِصْر دُون غَيْرهَا .

{87} يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ أَيْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ فَرَج اللَّه ; قَالَهُ اِبْن زَيْد , يُرِيد : أَنَّ الْمُؤْمِن يَرْجُو فَرَج اللَّه , وَالْكَافِر يَقْنَط فِي الشِّدَّة . وَقَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك : مِنْ رَحْمَة اللَّه .

{87} يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْقُنُوط مِنْ الْكَبَائِر , وَهُوَ الْيَأْس فِي " الزُّمَر " بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

{88} فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ أَيْ الْمُمْتَنِع .

{88} فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ هَذِهِ الْمَرَّة الثَّالِثَة مِنْ عَوْدهمْ إِلَى مِصْر ; وَفِي الْكَلَام حَذْف , أَيْ فَخَرَجُوا إِلَى مِصْر , فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُف قَالُوا : " مَسَّنَا " أَيْ أَصَابَنَا " وَأَهْلنَا الضُّرّ " أَيْ الْجُوع وَالْحَاجَة ; وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى جَوَاز الشَّكْوَى عِنْد الضُّرّ , أَيْ الْجُوع ; بَلْ وَاجِب عَلَيْهِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسه الضُّرّ مِنْ الْفَقْر وَغَيْره أَنْ يُبْدِي حَالَته إِلَى مَنْ يَرْجُو مِنْهُ النَّفْع ; كَمَا هُوَ وَاجِب عَلَيْهِ أَنْ يَشْكُو مَا بِهِ مِنْ الْأَلَم إِلَى الطَّبِيب لِيُعَالِجهُ ; وَلَا يَكُون ذَلِكَ قَدَحًا فِي التَّوَكُّل , وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ التَّشَكِّي عَلَى سَبِيل التَّسَخُّط ; وَالصَّبْر وَالتَّجَلُّد فِي النَّوَائِب أَحْسَن , وَالتَّعَفُّف عَنْ الْمَسْأَلَة أَفْضَل ; وَأَحْسَن الْكَلَام فِي الشَّكْوَى سُؤَال الْمَوْلَى زَوَال الْبَلْوَى ; وَذَلِكَ قَوْل يَعْقُوب : " إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنْ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ " [يُوسُف : 86] أَيْ مِنْ جَمِيل صُنْعه , وَغَرِيب لُطْفه , وَعَائِدَته عَلَى عِبَاده ; فَأَمَّا الشَّكْوَى عَلَى غَيْر مُشْكٍ فَهُوَ السَّفَه , إِلَّا أَنْ يَكُون عَلَى وَجْه الْبَثّ وَالتَّسَلِّي ; كَمَا قَالَ اِبْن دُرَيْد : لَا تَحْسَبَنَّ يَا دَهْر أَنِّي ضَارِع لِنَكْبَةٍ تَعْرِقُنِي عَرْق الْمُدَى مَارَسْت مَا لَوْ هَوَتْ الْأَفْلَاك مِنْ جَوَانِب الْجَوّ عَلَيْهِ مَا شَكَا لَكِنَّهَا نَفْثَة مَصْدُور إِذَا جَاشَ لُغَام مِنْ نَوَاحِيهَا غَمَا

{88} فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ الْبِضَاعَة الْقِطْعَة مِنْ الْمَال يُقْصَد بِهَا شِرَاء شَيْء ; تَقُول : أَبْضَعْت الشَّيْء وَاسْتَبْضَعْته أَيْ جَعَلْته بِضَاعَة ; وَفِي الْمَثَل : كَمُسْتَبْضِعِ التَّمْر إِلَى هَجَرَ .

{88} فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ صِفَة لِبِضَاعَةٍ ; وَالْإِزْجَاء السَّوْق بِدَفْعٍ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يُزْجِي سَحَابًا " [النُّور : 43] وَالْمَعْنَى أَنَّهَا بِضَاعَة تُدْفَع ; وَلَا يَقْبَلهَا كُلّ أَحَد . قَالَ ثَعْلَب : الْبِضَاعَة الْمُزْجَاة النَّاقِصَة غَيْر التَّامَّة . اُخْتُلِفَ فِي تَعْيِينهَا هُنَا ; فَقِيلَ : كَانَتْ قَدِيدًا وَحَيْسًا ; ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقِيلَ : خَلَق الْغَرَائِر وَالْحِبَال ; رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : مَتَاع الْأَعْرَاب صُوف وَسَمْن ; قَالَهُ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث . وَقِيلَ : الْحَبَّة الْخَضْرَاء وَالصَّنَوْبَر وَهُوَ الْبُطْم , حَبّ شَجَر بِالشَّامِ ; يُؤْكَل وَيُعْصَر الزَّيْت مِنْهُ لِعَمَلِ الصَّابُون , قَالَهُ أَبُو صَالِح ; فَبَاعُوهَا بِدَرَاهِم لَا تَنْفُق فِي الطَّعَام , وَتَنْفُق فِيمَا بَيْن النَّاس ; فَقَالُوا : خُذْهَا مِنَّا بِحِسَابِ جِيَاد تَنْفُق مِنْ الطَّعَام . وَقِيلَ : دَرَاهِم رَدِيئَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا . وَقِيلَ : لَيْسَ عَلَيْهَا صُورَة يُوسُف , وَكَانَتْ دَرَاهِم مِصْر عَلَيْهِمْ صُورَة يُوسُف . وَقَالَ الضَّحَّاك : النِّعَال وَالْأُدْم ; وَعَنْهُ : كَانَتْ سَوِيقًا مُنَخَّلًا . وَاَللَّه أَعْلَم .

{88} فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْل " يُرِيدُونَ كَمَا تَبِيع بِالدَّرَاهِمِ الْجِيَاد لَا تَنْقُصنَا بِمَكَانِ دَرَاهِمنَا ; هَذَا قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج . " فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْل " يُرِيدُونَ الْكَيْل الَّذِي كَانَ قَدْ كَالَهُ لِأَخِيهِمْ . " وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا " أَيْ تَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِمَا بَيْن سِعْر الْجِيَاد وَالرَّدِيئَة . قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر وَالسُّدِّيّ وَالْحَسَن : لِأَنَّ الصَّدَقَة تَحْرُم عَلَى الْأَنْبِيَاء . وَقِيلَ الْمَعْنَى : " تَصَدَّقْ عَلَيْنَا " بِالزِّيَادَةِ عَلَى حَقّنَا ; قَالَهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة . قَالَ مُجَاهِد : وَلَمْ تَحْرُم الصَّدَقَة إِلَّا عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : الْمَعْنَى " تَصَدَّقْ عَلَيْنَا " بِرَدِّ أَخِينَا إِلَيْنَا . وَقَالَ اِبْن شَجَرَة : " تَصَدَّقْ عَلَيْنَا " تَجَوَّزْ عَنَّا ; اُسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : تَصَدَّقْ عَلَيْنَا يَا اِبْن عَفَّان وَاحْتَسِبْ وَأْمُرْ عَلَيْنَا الْأَشْعَرِيّ لَيَالِيَا

الثَّانِيَة : اِسْتَدَلَّ مَالِك وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ أُجْرَة الْكَيَّال عَلَى الْبَائِع ; قَالَ اِبْن الْقَاسِم وَابْن نَافِع قَالَ مَالِك : قَالُوا لِيُوسُف " فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْل " فَكَانَ يُوسُف هُوَ الَّذِي يَكِيل , وَكَذَلِكَ الْوَزَّان وَالْعَدَّاد وَغَيْرهمْ , لِأَنَّ الرَّجُل إِذَا بَاعَ عِدَّة مَعْلُومَة مِنْ طَعَامه , وَأَوْجَبَ الْعَقْد عَلَيْهِ , وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبْرِزهَا وَيُمَيِّز حَقّ الْمُشْتَرِي مِنْ حَقّه , إِلَّا أَنْ يَبِيع مِنْهُ مُعَيَّنًا صُبْرَة أَوْ مَا لَا حَقّ تَوْفِيَة فِيهِ فَخَلَّى مَا بَيْنه وَبَيْنه , فَمَا جَرَى عَلَى الْمَبِيع فَهُوَ عَلَى الْمُبْتَاع ; وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا فِيهِ حَقّ تَوْفِيَة مِنْ كَيْل أَوْ وَزْن , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقّ الْبَائِع الثَّمَن إِلَّا بَعْد التَّوْفِيَة , وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْهُ قَبْل التَّوْفِيَة .

الثَّالِثَة : وَأَمَّا أُجْرَة النَّقْد فَعَلَى الْبَائِع أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمُبْتَاع الدَّافِع لِدَرَاهِمِهِ يَقُول : إِنَّهَا طَيِّبَة , فَأَنْتَ الَّذِي تَدَّعِي الرَّدَاءَة فَانْظُرْ لِنَفْسِك ; وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّفْع يَقَع لَهُ فَصَارَ الْأَجْر عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ لَا يَجِب عَلَى الَّذِي يَجِب عَلَيْهِ الْقِصَاص ; لِأَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَع يَد نَفْسه , إِلَّا أَنْ يُمَكَّن مِنْ ذَلِكَ طَائِعًا ; أَلَا تَرَى أَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِي يَده , وَيُصَالِح عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ الْمُقْتَصّ ذَلِكَ مِنْهُ , فَأَجْر الْقَطَّاع عَلَى الْمُقْتَصّ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور عَنْهُ : إِنَّهَا عَلَى الْمُقْتَصّ مِنْهُ كَالْبَائِعِ .

الرَّابِعَة : يُكْرَه لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُول فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ ; لِأَنَّ الصَّدَقَة إِنَّمَا تَكُون مِمَّنْ يَبْتَغِي الثَّوَاب , وَاَللَّه تَعَالَى مُتَفَضِّل بِالثَّوَابِ بِجَمِيعِ النِّعَم لَا رَبّ غَيْره ; وَسَمِعَ الْحَسَن رَجُلًا يَقُول : اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ ; فَقَالَ الْحَسَن : يَا هَذَا ! إِنَّ اللَّه لَا يَتَصَدَّق إِنَّمَا يَتَصَدَّق مَنْ يَبْتَغِي الثَّوَاب ; أَمَا سَمِعْت قَوْل اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ " قُلْ : اللَّهُمَّ أَعْطِنِي وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ .

{88} فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ يَعْنِي فِي الْآخِرَة ; يُقَال : هَذَا مِنْ مَعَارِيض الْكَلَام ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ أَنَّهُ عَلَى دِينهمْ , فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا : إِنَّ اللَّه يَجْزِيك بِصَدَقَتِك , فَقَالُوا لَفْظًا يُوهِمهُ أَنَّهُمْ أَرَادُوهُ , وَهُمْ يَصِحّ لَهُمْ إِخْرَاجه بِالتَّأْوِيلِ ; قَالَهُ النَّقَّاش وَفِي الْحَدِيث : ( إِنَّ فِي الْمَعَارِيض لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِب ) .

{89} قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ اِسْتِفْهَام بِمَعْنَى التَّذْكِير وَالتَّوْبِيخ , وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّه : " لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا " [يُوسُف : 15] الْآيَة .

{89} قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا صِغَارًا فِي وَقْت أَخْذهمْ لِيُوسُف , غَيْر أَنْبِيَاء ; لِأَنَّهُ لَا يُوصَف بِالْجَهْلِ إِلَّا مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَته ; وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ حَسُنَتْ حَالهمْ الْآن ; أَيْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ إِذْ أَنْتُمْ صِغَار جُهَّال ; قَالَ مَعْنَاهُ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن ; وَيَكُون قَوْلهمْ : " وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ " عَلَى هَذَا , لِأَنَّهُمْ كَبِرُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَبَاهُمْ بِمَا فَعَلُوا حَيَاء وَخَوْفًا مِنْهُ . وَقِيلَ : جَاهِلُونَ بِمَا تَؤُول إِلَيْهِ الْعَاقِبَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

{94} وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونِ ; وَمِنْهُ قَوْل النَّابِغَة : إِلَّا سُلَيْمَان إِذْ قَالَ الْمَلِيك لَهُ قُمْ فِي الْبَرِيَّة فَاحْدُدْهَا عَنْ الْفَنَد أَيْ عَنْ السَّفَه . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك : لَوْلَا أَنْ تُكَذِّبُونِ . وَالْفَنَد الْكَذِب . وَقَدْ أَفْنَدَ إِفْنَادًا كَذَبَ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرِي بِمَرْدُودِ وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : " لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ " لَوْلَا أَنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي ; وَقَالَهُ اِبْن إِسْحَاق . وَالْفَنَد ضَعْف الرَّأْي مِنْ كِبَر . وَقَوْل رَابِع : تُضَلِّلُونَ , قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة . وَقَالَ الْأَخْفَش : تَلُومُونِي ; وَالتَّفْنِيد اللَّوْم وَتَضْعِيف الرَّأْي . وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَمُجَاهِد أَيْضًا : تُهَرِّمُونَ ; وَكُلّه مُتَقَارِب الْمَعْنَى , وَهُوَ رَاجِع إِلَى التَّعْجِيز وَتَضْعِيف الرَّأْي ; يُقَال : فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا إِذَا أَعْجَزَهُ , كَمَا قَالَ : أَهْلَكَنِي بِاللَّوْمِ وَالتَّفْنِيد وَيُقَال : أَفْنَدَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْخَطَأِ ; وَالْفَنَد الْخَطَأ فِي الْكَلَام وَالرَّأْي , كَمَا قَالَ النَّابِغَة : فَاحْدُدْهَا عَنْ الْفَنَد أَيْ اِمْنَعْهَا عَنْ الْفَسَاد فِي الْعَقْل , وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : اللَّوْم تَفْنِيد ; قَالَ الشَّاعِر : يَا عَاذِلَيَّ دَعَا الْمَلَام وَأَقْصِرَا طَالَ الْهَوَى وَأَطَلْتُمَا التَّفْنِيدَا وَيُقَال : أَفْنَدَ فُلَانًا الدَّهْرُ إِذَا أَفْسَدَهُ ; وَمِنْهُ قَوْل اِبْن مُقْبِل : دَعْ الدَّهْر يَفْعَل مَا أَرَادَ فَإِنَّهُ إِذَا كُلِّفَ الْإِفْنَادَ بِالنَّاسِ أَفْنَدَا

{95} قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ أَيْ لَفِي ذَهَاب عَنْ طَرِيق الصَّوَاب . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن زَيْد : لَفِي خَطَئِك الْمَاضِي مِنْ حُبّ يُوسُف لَا تَنْسَاهُ . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : لَفِي جُنُونك الْقَدِيم . قَالَ الْحَسَن : وَهَذَا عُقُوق . وَقَالَ قَتَادَة وَسُفْيَان : لَفِي مَحَبَّتك الْقَدِيمَة . وَقِيلَ : إِنَّمَا قَالُوا هَذَا ; لِأَنَّ يُوسُف عِنْدهمْ كَانَ قَدْ مَاتَ . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ وَلَده وَلَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ الْخَبَر . وَقِيلَ : قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْله وَقَرَابَته . وَقِيلَ : بَنُو بَنِيهِ وَكَانُوا صِغَارًا ; فَاَللَّه أَعْلَم .

المراجع

موسوعة المعرفة

التصانيف

ابحاث