أحمد عبدالرحمن العرفج

تَشرَّبنَا مُنذ الصِّغَر –بحَمد الله- ثَقافَة دِينيّة تَحثّنا عَلى استغلال رَمضان في الطَّاعَات، وتَجنُّب الشَّغَب والنِّزاعَات، وحين كَبرنا اكتشفنَا أنَّ مُعلِّمينَا لَم يَكونوا جَادِّين في التَّوجيهَات، وأنَّنا جُبلنَا على الكذب والتّناقضات..

فلو سألت أي طفل صغير في الشارع ما هي الحكمَة من الصّوم..؟ لأجابَك قائلا: ليتعوّد المؤمن الصّبر على الجوع، وليتذكّر إخوانه الجائعين والمسحوقين في كلّ مَكان حول العالم.. لَكن الوَاقع يَكشف الحال، ويَتجاوز المُحَال، فقَد تَحوَّل رَمضان إلى موسم المَوائد، وكَأنَّ عَلى كُلِّ وَاحد مِنَّا أن يَأكل أكل «مودِّع»، وهَذا النَّمط الاستهلاكي أثَّر عَلى حياتنا الاجتماعيّة، والاقتصاديّة والصحيّة..

فمَا أن يُعلَن عَن دخول الشهر، حتّى يَشن القَوم هجُومَاً شَرساً عَلى الأسوَاق، وكأنَّهم سَمعوا خَبراً عَن زلزَالٍ سَاحِق، أو عَن حَظر التَّجوُّل بسَبب خَطر مَاحق يَتهدَّد حياتهم.. ولله درّ صَديقي المَديني الأثير «محمد الحازمي - أبونواف»؛ حِين وَصف مَن يُشاركون في هَذا الهجوم الكَاسِح عَلى الأسوَاق؛ ليلة هلال رَمضان قَائلاً: «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ. فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ»..

فهَؤلاء أثَاروا الفَوضى في كُلِّ مَكان، وتَسبَّبوا في رَفع الأسعَار، وتَردِّي جَودة الأصنَاف، وإلَّا لمَاذا أصبح سعر الكوسة بين 15-20 رَيالاً للكيلو الوَاحد..؟ ومَا يَحزُّ في النَّفس أنَّ 80% مِن المَوائد الرَّمضانيّة تَذهب إلى النِّفَايات -حَسب دِراسة اطّلعتُ عَليها قَبل سَنوات-..

وبَدلاً مِن أن يُصبح رَمضان شَهر التَّوبة والغُفران، انشَغلنا في كَرنفَالات الطَّعام، وأشغلنا مَعنا رَمضان في تَعرية مَفاهيمنا الاستهلاكيّة كُل عَام، ليُؤكّد لَنا أنّنا مَازلنا نَعيش في ذَاكرة الجوع، فالصَّوم يَدفعنا لملء المَوائد، كي تَمتلئ عيوننا الجَائعة قَبل البطون، وهَذا الدَّاء العضال اشتَكى منه الشَّاعِر الكَبير «مَعروف الرّصافي»، حين قَال:

وَلَوْ أَنِّي اسْتَطَعْتُ صِيَامَ دَهْرِي لَصُمْتُ فَكَانَ دَيْدَنِي الصِّيَامُ
وَلَكِنْ لاَ أَصُومُ صِيَامَ قَوْمٍ تَكَاثَرَ فِي فُطُورِهِم الطَّعَامُ
إِذَا رَمَضَان جَاءَهُمْ أَعَدُّوا مَطَاعِمَ لَيْسَ يُدْرِكُهَا انْهِضَامُ
وَقَالُوا يَا نَهَارُ لَئِنْ تُجِعْنَا فَإِنَّ اللَّيْلَ مِنْكَ لَنَا انْتِقَامُ
والأمرُ لا يَتوقَّف عَلى ذَلك فَقط، بَل إنَّ الأطبَّاء يُؤكِّدون انتشَار الأمرَاض المَعويّة في رَمضان، خَاصَّة القُرحَة التي تَنتشر بكَثرة؛ بسَبب تَرْس المَعِدَة «المسكينَة» بالسّكريّات والدّهنيّات، والمستقبل كَفيل بكَشف الكَثير مِن العَاهَات والآهات، ولا عَجب أنَّ الازدحَام الذي نَراه في الأسوَاق والمَطاعم؛ يَحدث أيضاً في المُستشفيات.. وإنْ لم يتغيّر سلوكنا في رَمضان، فليس لله حَاجة في ترك طَعامنا وشَرابنا، بَل قَد يَصل بِنَا الحَال إلى أن يُصبح الصَّوم «ممنوعا» عَلينا، طَالما أنَّه يُسبِّب أزمَات تَمسّ الضرورَات الخَمس التي جَاء الإسلَام لحِفظِهَا...


المراجع

موسوعة نسيج

التصانيف

اسلام   الدّيانات   العلوم الاجتماعية