يوسف
{31} فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ أَيْ بِغِيبَتِهِنَّ إِيَّاهَا , وَاحْتِيَالهنَّ فِي ذَمّهَا . وَقِيلَ : إِنَّهَا أَطْلَعَتْهُنَّ وَاسْتَأْمَنَتْهُنَّ فَأَفْشَيْنَ سِرّهَا , فَسُمِّيَ ذَلِكَ مَكْرًا .
{31} فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ فِي الْكَلَام حَذْف ; أَيْ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ تَدْعُوهُنَّ إِلَى وَلِيمَة لِتُوقِعهُنَّ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ ; فَقَالَ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ اِمْرَأَة الْعَزِيز قَالَتْ لِزَوْجِهَا إِنِّي أُرِيد أَنْ أَتَّخِذ طَعَامًا فَأَدْعُو هَؤُلَاءِ النِّسْوَة ; فَقَالَ لَهَا : اِفْعَلِي ; فَاِتَّخَذَتْ طَعَامًا , ثُمَّ نَجَّدَتْ لَهُنَّ الْبُيُوت ; نَجَّدَتْ أَيْ زَيَّنَتْ ; وَالنَّجْد مَا يُنْجَد بِهِ الْبَيْت مِنْ الْمَتَاع أَيْ يُزَيَّن , وَالْجَمْع نُجُود عَنْ أَبِي عُبَيْد ; وَالتَّنْجِيد التَّزْيِين ; وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ أَنْ يَحْضُرْنَ طَعَامهَا , وَلَا تَتَخَلَّف مِنْكُنَّ اِمْرَأَة مِمَّنْ سُمِّيَتْ . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : إِنَّهُنَّ كُنَّ أَرْبَعِينَ اِمْرَأَة فَجِئْنَ عَلَى كُرْه مِنْهُنَّ , وَقَدْ قَالَ فِيهِنَّ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : حَتَّى إِذَا جِئْنَهَا قَسْرًا وَمَهَّدَتْ لَهُنَّ أَنْضَادًا وَكَبَابَا وَيُرْوَى : أَنْمَاطًا . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : فَجِئْنَ وَأَخَذْنَ مَجَالِسهنَّ .
{31} فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ أَيْ هَيَّأَتْ لَهُنَّ مَجَالِس يَتَّكِئْنَ عَلَيْهَا . قَالَ اِبْن جُبَيْر : فِي كُلّ مَجْلِس جَام فِيهِ عَسَل وَأُتْرُجّ وَسِكِّين حَادّ . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر " مُتْكًا " مُخَفَّفًا غَيْر مَهْمُوز , وَالْمُتْك هُوَ الْأُتْرُجّ بِلُغَةِ الْقِبْط , وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُجَاهِد رَوَى سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد قَالَ : الْمُتَّكَأ مُثَقَّلًا هُوَ الطَّعَام , وَالْمُتْك مُخَفَّفًا هُوَ الْأُتْرُجّ ; وَقَالَ الشَّاعِر : نَشْرَب الْإِثْم بِالصُّوَاعِ جِهَارًا وَتَرَى الْمُتْك بَيْننَا مُسْتَعَارًا وَقَدْ تَقُول أَزْد شَنُوءَة : الْأُتْرُجَّة الْمُتْكَة ; قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْمُتْك مَا تُبْقِيه الْخَاتِنَة . وَأَصْل الْمُتْك الزُّمَاوَرْد . وَالْمَتْكَاء مِنْ النِّسَاء الَّتِي لَمْ تُخْفَض . قَالَ الْفَرَّاء : حَدَّثَنِي شَيْخ مِنْ ثِقَات أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ الْمُتْك مُخَفَّفًا الزُّمَاوَرْد . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّهُ الْأُتْرُجّ ; حَكَاهُ الْأَخْفَش . اِبْن زَيْد : أُتْرُجًّا وَعَسَلًا يُؤْكَل بِهِ ; قَالَ الشَّاعِر : فَظَلَلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَأْنَا وَشَرِبْنَا الْحَلَال مِنْ قُلَله أَيْ أَكَلْنَا . النَّحَّاس : قَوْله تَعَالَى : " وَأَعْتَدَتْ " مِنْ الْعَتَاد ; وَهُوَ كُلّ مَا جَعَلْته عِدَّة لِشَيْءٍ . " مُتَّكَأ " أَصَحّ مَا قِيلَ فِيهِ مَا رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : مَجْلِسًا , وَأَمَّا قَوْل جَمَاعَة مِنْ أَهْل , التَّفْسِير إِنَّهُ الطَّعَام فَيَجُوز عَلَى تَقْدِير : طَعَام مُتَّكَأ , مِثْل : " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " ; وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْحَذْف " وَآتَتْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ سِكِّينًا " لِأَنَّ حُضُور النِّسَاء مَعَهُنَّ سَكَاكِين إِنَّمَا هُوَ لِطَعَامٍ يُقَطَّع بِالسَّكَاكِينِ ; كَذَا قَالَ فِي كِتَاب " إِعْرَاب الْقُرْآن " لَهُ . وَقَالَ فِي كِتَاب " مَعَانِي الْقُرْآن " لَهُ : وَرَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : " الْمُتَّكَأ " الطَّعَام . وَقِيلَ : " الْمُتَّكَأ " كُلّ مَا اُتُّكِئَ عَلَيْهِ عِنْد طَعَام أَوْ شَرَاب أَوْ حَدِيث ; وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَهْل اللُّغَة , إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَات قَدْ صَحَّتْ بِذَلِكَ . وَحَكَى الْقُتَبِيّ أَنَّهُ يُقَال : اتَّكَأْنَا عِنْد فُلَان أَيْ أَكَلْنَا , وَالْأَصْل فِي " مُتَّكَأ " مَوْتَكَأ , وَمِثْله مُتَّزِن وَمُتَّعِد ; لِأَنَّهُ مِنْ وَزَنْت , وَوَعَدْت وَوَكَأْت , وَيُقَال : اِتَّكَأَ يَتَّكِئ اِتِّكَاء .
{31} فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ مَفْعُولَانِ ; وَحَكَى الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء أَنَّ السِّكِّين يُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : فَعَيَّثَ فِي السَّنَام غَدَاة قُرّ بِسِكِّينٍ مُوَثَّقَة النِّصَاب الْجَوْهَرِيّ : وَالْغَالِب عَلَيْهِ التَّذْكِير , وَقَالَ : يَرَى نَاصِحًا فِيمَا بَدَا فَإِذَا خَلَا فَذَلِكَ سِكِّين عَلَى الْحَلْق حَاذِق الْأَصْمَعِيّ : لَا يُعْرَف فِي السِّكِّين إِلَّا التَّذْكِير .
{31} فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ بِضَمِّ التَّاء لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ; لِأَنَّ الْكَسْرَة تَثْقُل إِذَا كَانَ بَعْدهَا ضَمَّة , وَكُسِرَتْ التَّاء عَلَى الْأَصْل . قِيلَ : إِنَّهَا قَالَتْ لَهُنَّ : لَا تَقْطَعْنَ وَلَا تَأْكُلْنَ حَتَّى أُعْلِمكُنَّ , ثُمَّ قَالَتْ لِخَادِمِهَا : إِذَا قُلْت لَك اُدْعُ إيلا فَادْعُ يُوسُف ; وإيل : صَنَم كَانُوا يَعْبُدُونَهُ , وَكَانَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام يَعْمَل فِي الطِّين , وَقَدْ شَدَّ مِئْزَره , وَحَسِرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ; فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ : اُدْعُ لِي إيلا ; أَيْ اُدْعُ لِي الرَّبّ ; وإيل بِالْعِبْرَانِيَّةِ الرَّبّ ; قَالَ : فَتَعَجَّبَ النِّسْوَة وَقُلْنَ : كَيْف يَجِيء ؟ ! فَصَعِدَتْ الْخَادِم فَدَعَتْ يُوسُف , فَلَمَّا اِنْحَدَرَ قَالَتْ لَهُنَّ : اِقْطَعْنَ مَا مَعَكُنَّ .
{31} فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى " أَكْبَرْنَهُ " فَرَوَى جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَعْظَمْنَهُ وَهِبْنَهُ ; وَعَنْهُ أَيْضًا أَمْنَيْنَ وَأَمْذَيْنَ مِنْ الدَّهَش ; وَقَالَ الشَّاعِر : إِذَا مَا رَأَيْنَ الْفَحْل مِنْ فَوْق قَارَّة صَهَلْنَ وَأَكْبَرْنَ الْمَنِيّ الْمُدَفَّقَا وَقَالَ اِبْن سَمْعَان عَنْ عِدَّة مِنْ أَصْحَابه : إِنَّهُمْ قَالُوا أَمَذَيْنَ عِشْقًا ; وَهْب بْن مُنَبِّه : عَشِقْنَهُ حَتَّى مَاتَ مِنْهُنَّ عَشْر فِي ذَلِكَ الْمَجْلِس دَهَشًا وَحَيْرَة وَوَجْدًا بِيُوسُف . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ حِضْنَ مِنْ الدَّهَش ; قَالَهُ قَتَادَة وَمُقَاتِل وَالسُّدِّيّ ; قَالَ الشَّاعِر : نَأْتِي النِّسَاء عَلَى أَطْهَارهنَّ وَلَا نَأْتِي النِّسَاء إِذَا أَكْبَرْنَ إِكْبَارًا وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَة وَغَيْره وَقَالُوا : لَيْسَ ذَلِكَ فِي كَلَام الْعَرَب , وَلَكِنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُنْ حِضْنَ مِنْ شِدَّة إِعْظَامهنَّ لَهُ , وَقَدْ تَفْزَع الْمَرْأَة فَتُسْقِط وَلَدهَا أَوْ تَحِيض . قَالَ الزَّجَّاج يُقَال أَكْبَرْنَهُ , وَلَا يُقَال حِضْنه , فَلَيْسَ الْإِكْبَار بِمَعْنَى الْحَيْض ; وَأَجَابَ الْأَزْهَرِيّ فَقَالَ : يَجُوز أَكْبَرَتْ بِمَعْنَى حَاضَتْ ; لِأَنَّ الْمَرْأَة إِذَا حَاضَتْ فِي الِابْتِدَاء خَرَجَتْ مِنْ حَيِّز الصِّغَر إِلَى الْكِبَر ; قَالَ : وَالْهَاء فِي " أَكْبَرْنَهُ " يَجُوز أَنْ تَكُون هَاء الْوَقْف لَا هَاء الْكِنَايَة , وَهَذَا مُزَيَّف , لِأَنَّ هَاء الْوَقْف تَسْقُط فِي الْوَصْل , وَأَمْثَل مِنْهُ قَوْل اِبْن الْأَنْبَارِيّ : إِنَّ الْهَاء كِنَايَة عَنْ مَصْدَر الْفِعْل , أَيْ أَكْبَرْنَ إِكْبَارًا , بِمَعْنَى حِضْنَ حَيْضًا . وَعَلَى قَوْل اِبْن عَبَّاس الْأَوَّل تَعُود الْهَاء إِلَى يُوسُف ; أَيْ أَعْظَمْنَ يُوسُف وَأَجْلَلْنَهُ .
{31} فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ بِالْمُدَى حَتَّى بَلَغَتْ السَّكَاكِين إِلَى الْعَظْم ; قَالَهُ وَهْب بْن مُنَبِّه . سَعِيد بْن جُبَيْر : لَمْ يَخْرُج عَلَيْهِنَّ حَتَّى زَيَّنَتْهُ , فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ فَجْأَة فَدُهِشْنَ فِيهِ , وَتَحَيَّرْنَ لِحُسْنِ وَجْهه وَزِينَته وَمَا عَلَيْهِ , فَجَعَلْنَ يَقْطَعْنَ أَيْدِيهنَّ , وَيَحْسَبْنَ أَنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الْأُتْرُجّ ; قَالَ مُجَاهِد : قَطَّعْنَهَا حَتَّى أَلْقَيْنَهَا . وَقِيلَ : خَدَشْنَهَا . وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : حَزًّا بِالسِّكِّينِ , قَالَ النَّحَّاس : يُرِيد مُجَاهِد أَنَّهُ لَيْسَ قَطْعًا تَبِين مِنْهُ الْيَد , إِنَّمَا هُوَ خَدْش وَحَزّ , وَذَلِكَ مَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنْ يُقَال إِذَا خَدَشَ الْإِنْسَان يَد صَاحِبه قَطَعَ يَده . وَقَالَ عِكْرِمَة : " أَيْدِيهنَّ " أَكْمَامهنَّ , وَفِيهِ بُعْد . وَقِيلَ : أَنَامِلهنَّ ; أَيْ مَا وَجَدْنَ أَلَمًا فِي الْقَطْع وَالْجَرْح , أَيْ لِشُغْلِ قُلُوبهنَّ بِيُوسُف , وَالتَّقْطِيع يُشِير إِلَى الْكَثْرَة , فَيُمْكِن أَنْ تَرْجِع الْكَثْرَة إِلَى وَاحِدَة جَرَحَتْ يَدهَا فِي مَوْضِع , وَيُمْكِن أَنْ يَرْجِع إِلَى عَدَدهنَّ .
{31} فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ أَيْ مَعَاذ اللَّه . وَرَوَى الْأَصْمَعِيّ عَنْ نَافِع أَنَّهُ قَرَأَ كَمَا قَرَأَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء . " وَقُلْنَ حَاشَا لِلَّهِ " بِإِثْبَاتِ الْأَلِف وَهُوَ الْأَصْل , وَمَنْ حَذَفَهَا جَعَلَ اللَّام فِي " لِلَّهِ " عِوَضًا مِنْهَا . وَفِيهَا أَرْبَع لُغَات ; يُقَال : حَاشَاك وَحَاشَا لَك وَحَاشَ لَك وَحَشَا لَك . وَيُقَال : حَاشَا زَيْد وَحَاشَا زَيْدًا ; قَالَ النَّحَّاس : وَسَمِعْت عَلِيّ بْن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعْت مُحَمَّد بْن يَزِيد يَقُول : النَّصْب أَوْلَى ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّهَا فِعْل لِقَوْلِهِمْ حَاشَ لِزَيْدٍ , وَالْحَرْف لَا يَحْذِف مِنْهُ ; وَقَدْ قَالَ , النَّابِغَة : وَلَا أُحَاشِي مِنْ الْأَقْوَام مِنْ أَحَد وَقَالَ بَعْضهمْ : حَاشَ حَرْف , وَأُحَاشَى فِعْل . وَيَدُلّ عَلَى كَوْن حَاشَا فِعْلًا وُقُوع حَرْف الْجَرّ بَعْدهَا . وَحَكَى أَبُو زَيْد عَنْ أَعْرَابِيّ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَلِمَنْ يَسْمَع , حَاشَا الشَّيْطَان وَأَبَا الْأَصْبَغ ; فَنَصَبَ بِهَا . وَقَرَأَ الْحَسَن " وَقُلْنَ حَاشْ لِلَّهِ " بِإِسْكَانِ الشِّين , وَعَنْهُ أَيْضًا " حَاشَ الْإِلَه " . اِبْن مَسْعُود وَأَبِي : " حَاشَ اللَّه " بِغَيْرِ لَام , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : حَاشَا أَبِي ثَوْبَان إِنَّ بِهِ ضَنًّا عَنْ الْمَلْحَاة وَالشَّتْم قَالَ الزَّجَّاج : وَأَصْل الْكَلِمَة مِنْ الْحَاشِيَة , وَالْحَشَا بِمَعْنَى النَّاحِيَة , تَقُول : كُنْت فِي حَشَا فُلَان أَيْ فِي نَاحِيَته ; فَقَوْلك : حَاشَا لِزَيْدٍ أَيْ تَنَحَّى زَيْد مِنْ هَذَا وَتَبَاعَدَ عَنْهُ , وَالِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج وَتَنْحِيَة عَنْ جُمْلَة الْمَذْكُورِينَ . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : هُوَ فَاعِل مِنْ الْمُحَاشَاة ; أَيْ حَاشَا يُوسُف وَصَارَ فِي حَاشِيَة وَنَاحِيَة مِمَّا قَرِفَ بِهِ , أَوْ مِنْ أَنْ يَكُون بَشَرًا ; فَحَاشَا وَحَاشَ فِي الِاسْتِثْنَاء حَرْف جَرّ عِنْد سِيبَوَيْهِ , وَعَلَى مَا قَالَ الْمُبَرِّد وَأَبُو عَلِيّ فِعْل .
{31} فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ : " مَا " بِمَنْزِلَةِ لَيْسَ ; تَقُول : لَيْسَ زَيْد قَائِمًا , و " مَا هَذَا بَشَرًا " و " مَا هُنَّ أُمَّهَاتهمْ " [الْمُجَادَلَة : 2] . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَمَّا حُذِفَتْ الْبَاء نُصِبَتْ ; وَشَرْح هَذَا - فِيمَا قَالَهُ أَحْمَد بْن يَحْيَى , - إِنَّك إِذَا قُلْت : مَا زَيْد بِمُنْطَلِقٍ , فَمَوْضِع الْبَاء مَوْضِع نَصْب , وَهَكَذَا سَائِر حُرُوف الْخَفْض ; فَلَمَّا حُذِفَتْ الْبَاء نَصَبَتْ لِتَدُلّ عَلَى مَحَلّهَا , قَالَ : وَهَذَا قَوْل الْفَرَّاء , قَالَ : وَلَمْ تَعْمَل " مَا " شَيْئًا ; فَأَلْزَمهُمْ الْبَصْرِيُّونَ أَنْ يَقُولُوا : زَيْد الْقَمَر ; لِأَنَّ الْمَعْنَى كَالْقَمَرِ ! فَرَدَّ أَحْمَد بْن يَحْيَى بِأَنْ قَالَ : الْبَاء أَدْخَل فِي حُرُوف الْخَفْض مِنْ الْكَاف ; لِأَنَّ الْكَاف تَكُون اِسْمًا . قَالَ النَّحَّاس : لَا يَصِحّ إِلَّا قَوْل الْبَصْرِيِّينَ ; وَهَذَا الْقَوْل يَتَنَاقَض ; لِأَنَّ الْفَرَّاء أَجَازَ نَصًّا مَا بِمُنْطَلِقٍ زَيْد , وَأَنْشَدَ : أَمَّا وَاَللَّه أَنْ لَوْ كُنْت حُرًّا وَمَا بِالْحُرِّ أَنْتَ وَلَا الْعَتِيق وَمَنَعَ نَصًّا النَّصْب ; وَلَا نَعْلَم بَيْن النَّحْوِيِّينَ اِخْتِلَافًا أَنَّهُ جَائِز : مَا فِيك بِرَاغِبٍ زَيْد , وَمَا إِلَيْك بِقَاصِدٍ عَمْرو , ثُمَّ يَحْذِفُونَ الْبَاء وَيَرْفَعُونَ . وَحَكَى الْبَصْرِيُّونَ وَالْكُوفِيُّونَ مَا زَيْد مُنْطَلِق بِالرَّفْعِ , وَحَكَى الْبَصْرِيُّونَ أَنَّهَا لُغَة تَمِيم , وَأَنْشَدُوا : أَتَيْمًا تَجْعَلُونَ إِلَيَّ نِدًّا وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَب نَدِيدٌ النِّدّ وَالنَّدِيد وَالنَّدِيدَة الْمِثْل وَالنَّظِير . وَحَكَى الْكِسَائِيّ أَنَّهَا لُغَة تِهَامَة وَنَجْد . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الرَّفْع أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ : قَالَ أَبُو إِسْحَاق : وَهَذَا غَلَط ; كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَلُغَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَى وَأَوْلَى .
قُلْت : وَفِي مُصْحَف حَفْصَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا " مَا هَذَا بِبَشَرٍ " ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَذَكَرَتْ النِّسْوَة أَنَّ صُورَة يُوسُف أَحْسَن , مِنْ صُورَة الْبَشَر , بَلْ هُوَ فِي صُورَة مَلَك ; وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي أَحْسَن تَقْوِيم " [التِّين : 4] وَالْجَمْع بَيْن الْآيَتَيْنِ أَنَّ قَوْلهنَّ : " حَاشَ لِلَّهِ " تَبْرِئَة لِيُوسُف عَمَّا رَمَتْهُ بِهِ اِمْرَأَة الْعَزِيز . مِنْ الْمُرَاوَدَة , أَيْ بَعُدَ يُوسُف عَنْ هَذَا ; وَقَوْلهنَّ : " لِلَّهِ " أَيْ لِخَوْفِهِ , أَيْ بَرَاءَة لِلَّهِ مِنْ هَذَا ; أَيْ قَدْ نَجَا يُوسُف مِنْ ذَلِكَ , فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الصُّورَة فِي شَيْء ; وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ فِي التَّبْرِئَة عَنْ الْمَعَاصِي كَالْمَلَائِكَةِ ; فَعَلَى هَذَا لَا تَنَاقُض . وَقِيلَ : الْمُرَاد تَنْزِيهه عَنْ مُشَابَهَة الْبَشَر فِي الصُّورَة , لِفَرَطِ جَمَاله . وَقَوْله : " لِلَّهِ " تَأْكِيد لِهَذَا الْمَعْنَى ; فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَتْ النِّسْوَة ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُنَّ أَنَّ صُورَة الْمَلَك أَحْسَن , وَمَا بَلَغَهُنَّ قَوْله تَعَالَى : " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي أَحْسَن تَقْوِيم " [التِّين : 4] فَإِنَّهُ مِنْ كِتَابنَا . وَقَدْ ظَنَّ بَعْض الضَّعَفَة أَنَّ هَذَا الْقَوْل لَوْ كَانَ ظَنًّا بَاطِلًا مِنْهُنَّ لَوَجَبَ عَلَى اللَّه أَنْ يَرُدّ عَلَيْهِنَّ , وَيُبَيِّن كَذِبهنَّ , وَهَذَا بَاطِل ; إِذْ لَا وُجُوب عَلَى اللَّه تَعَالَى , وَلَيْسَ كُلّ مَا يُخْبِر بِهِ اللَّه سُبْحَانه مِنْ كُفْر الْكَافِرِينَ وَكَذِب الْكَاذِبِينَ يَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَقْرُن بِهِ الرَّدّ عَلَيْهِ , وَأَيْضًا أَهْل الْعُرْف قَدْ يَقُولُونَ فِي الْقَبِيح كَأَنَّهُ شَيْطَان , وَفِي الْحُسْن كَأَنَّهُ مَلَك ; أَيْ لَمْ يُرَ مِثْله , لِأَنَّ النَّاس لَا يَرَوْنَ الْمَلَائِكَة ; فَهُوَ بِنَاء عَلَى ظَنّ فِي أَنَّ صُورَة الْمَلَك أَحْسَن , أَوْ عَلَى الْإِخْبَار بِطَهَارَةِ أَخْلَاقه وَبُعْده عَنْ التُّهَم . " إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَك " أَيْ مَا هَذَا إِلَّا مَلَك ; وَقَالَ الشَّاعِر : فَلَسْت لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلَأَكٍ تَنَزَّلَ مِنْ جَوّ السَّمَاء يَصُوب وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن : " مَا هَذَا بِشِرًى " بِكَسْرِ الْبَاء وَالشِّين , أَيْ مَا هَذَا عَبْدًا مُشْتَرًى , أَيْ مَا يَنْبَغِي لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يُبَاع , فَوَضَعَ الْمَصْدَر مَوْضِع اِسْم الْمَفْعُول , كَمَا قَالَ : " أُحِلّ لَكُمْ صَيْد الْبَحْر " [الْمَائِدَة : 96] أَيْ مَصِيده , وَشَبَهه كَثِير . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : مَا هَذَا بِثَمَنٍ , أَيْ مِثْله لَا يُثَمَّن وَلَا يُقَوَّم ; فَيُرَاد بِالشِّرَاءِ عَلَى هَذَا الثَّمَن الْمُشْتَرَى بِهِ : كَقَوْلِك : مَا هَذَا بِأَلْفٍ إِذَا نَفَيْت قَوْل الْقَائِل : هَذَا بِأَلْفٍ . فَالْبَاء عَلَى هَذَا مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ هُوَ الْخَبَر , كَأَنَّهُ قَالَ : مَا هَذَا مُقَدَّرًا بِشِرَاءٍ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة أَشْبَه ; لِأَنَّ بَعْده " إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَك كَرِيم " مُبَالَغَة فِي تَفْضِيله فِي جِنْس الْمَلَائِكَة تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ , وَلِأَنَّ مِثْل " بِشِرًى " يُكْتَب فِي الْمُصْحَف بِالْيَاءِ .
{32} قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ لَمَّا رَأَتْ اِفْتِتَانهنَّ بِيُوسُف أَظْهَرَتْ عُذْر نَفْسهَا بِقَوْلِهَا : " لُمْتُنَّنِي فِيهِ " أَيْ بِحُبِّهِ , و " ذَلِكَ " بِمَعْنَى " هَذَا " وَهُوَ اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ . وَقِيلَ : الْهَاء لِلْحُبِّ , و " ذَلِكَ " عَلَى بَابه , وَالْمَعْنَى : ذَلِكُنَّ الْحُبّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ , أَيْ حُبّ هَذَا هُوَ ذَلِكَ الْحُبّ . وَاللَّوْم الْوَصْف بِالْقَبِيحِ .
{32} قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ثُمَّ أَقَرَّتْ وَقَالَتْ : " وَلَقَدْ رَاوَدْته عَنْ نَفْسه فَاسْتَعْصَمَ " أَيْ اِمْتَنَعَ . وَسُمِّيَتْ الْعِصْمَة عِصْمَة لِأَنَّهَا تَمْنَع مِنْ اِرْتِكَاب الْمَعْصِيَة . وَقِيلَ : " اِسْتَعْصَمَ " أَيْ اِسْتَعْصَى , وَالْمَعْنَى وَاحِد .
{32} قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ عَاوَدَتْهُ الْمُرَاوَدَة بِمَحْضَرٍ مِنْهُنَّ , وَهَتَكَتْ جِلْبَاب الْحَيَاء , وَوَعَدَتْ بِالسِّجْنِ إِنْ لَمْ يَفْعَل , وَإِنَّمَا فَعَلَتْ هَذَا حِين لَمْ تَخْشَ لَوْمًا وَلَا مَقَالًا خِلَاف أَوَّل أَمْرهَا إِذْ كَانَ ذَلِكَ بَيْنه وَبَيْنهَا .
{32} قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ أَيْ الْأَذِلَّاء . وَخَطّ الْمُصْحَف " وَلَيَكُونًا " بِالْأَلِفِ وَتُقْرَأ بِنُونٍ مُخَفَّفَة لِلتَّأْكِيدِ ; وَنُون التَّأْكِيد تُثَقَّل وَتُخَفَّف وَالْوَقْف عَلَى قَوْله : " لَيُسْجَنَنَّ " بِالنُّونِ لِأَنَّهَا مُثَقَّلَة , وَعَلَى " لِيَكُونًا " بِالْأَلِفِ لِأَنَّهَا مُخَفَّفَة , وَهِيَ تُشْبِه نُون الْإِعْرَاب فِي قَوْلك : رَأَيْت رَجُلًا وَزَيْدًا وَعَمْرًا , وَمِثْله قَوْله : " لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ " وَنَحْوهَا الْوَقْف عَلَيْهَا بِالْأَلِفِ , كَقَوْلِ الْأَعْشَى : وَلَا تَعْبُد الشَّيْطَان وَاَللَّه فَاعْبُدَا أَيْ أَرَادَ فَاعْبُدًا , فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ كَانَ الْوَقْف بِالْأَلِفِ .
{33} قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ أَيْ دُخُول السِّجْن , فَحَذَفَ الْمُضَاف ; قَالَهُ الزَّجَّاج وَالنَّحَّاس . " أَحَبّ إِلَيَّ " أَيْ أَسْهَل عَلَيَّ وَأَهْوَن مِنْ الْوُقُوع فِي الْمَعْصِيَة ; لَا أَنَّ دُخُول السِّجْن مِمَّا يُحِبّ عَلَى التَّحْقِيق . وَحُكِيَ أَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا قَالَ : " السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ " أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ " يَا يُوسُف ! أَنْتَ حَبَسْت نَفْسك حَيْثُ قُلْت السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ , وَلَوْ قُلْت الْعَافِيَة أَحَبّ إِلَيَّ لَعُوفِيت " . وَحَكَى أَبُو حَاتِم أَنَّ عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَرَأَ : " السَّجْن " بِفَتْحِ السِّين وَحُكِيَ أَنَّ ذَلِكَ قِرَاءَة اِبْن أَبِي إِسْحَاق وَعَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج وَيَعْقُوب ; وَهُوَ مَصْدَر سَجَنَهُ سَجْنًا .
{33} قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ أَيْ كَيْد النِّسْوَانِ . وَقِيلَ : كَيْد النِّسْوَة اللَّاتِي رَأَيْنَهُ ؟ فَإِنَّهُنَّ أَمَرْنَهُ بِمُطَاوَعَةِ اِمْرَأَة الْعَزِيز , وَقُلْنَ لَهُ : هِيَ مَظْلُومَة وَقَدْ ظَلَمْتهَا . وَقِيلَ : طَلَبَتْ كُلّ وَاحِدَة أَنْ تَخْلُو بِهِ لِلنَّصِيحَةِ فِي اِمْرَأَة الْعَزِيز ; وَالْقَصْد بِذَلِكَ أَنْ تَعْذِلهُ فِي حَقّهَا , وَتَأْمُرهُ بِمُسَاعَدَتِهَا , فَلَعَلَّهُ يُجِيب ; فَصَارَتْ كُلّ وَاحِدَة تَخْلُو بِهِ عَلَى حِدَة فَتَقُول لَهُ : يَا يُوسُف ! اِقْضِ لِي حَاجَتِي فَأَنَا خَيْر لَك مِنْ سَيِّدَتك ; تَدْعُوهُ كُلّ وَاحِدَة لِنَفْسِهَا وَتُرَاوِدهُ ; فَقَالَ : يَا رَبّ كَانَتْ وَاحِدَة فَصِرْنَ جَمَاعَة . وَقِيلَ : كَيْد اِمْرَأَة الْعَزِيز فِيمَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ مِنْ الْفَاحِشَة ; وَكَنَّى عَنْهَا بِخِطَابِ الْجَمْع إِمَّا لِتَعْظِيمِ شَأْنهَا فِي الْخِطَاب , وَإِمَّا لِيَعْدِل عَنْ التَّصْرِيح إِلَى التَّعْرِيض . وَالْكَيْد الِاحْتِيَال وَالِاجْتِهَاد ; وَلِهَذَا سُمِّيَتْ الْحَرْب كَيْدًا لِاحْتِيَالِ النَّاس فِيهَا ; قَالَ عُمَر بْن لَجَأَ : تَرَاءَتْ كَيْ تَكِيدك أُمّ بِشْر وَكَيْد بِالتَّبَرُّجِ مَا تَكِيد
{33} قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ جَوَاب الشَّرْط , أَيْ أَمِلْ إِلَيْهِنَّ , مِنْ صَبَا يَصْبُو - إِذَا مَالَ وَاشْتَاقَ - صَبْوًا وَصَبْوَة ; قَالَ : إِلَى هِنْد صَبَا قَلْبِي وَهِنْد مِثْلهَا يُصْبِي أَيْ إِنْ لَمْ تَلْطُف بِي فِي اِجْتِنَاب الْمَعْصِيَة وَقَعَتْ فِيهَا .
{33} قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ أَيْ مِمَّنْ يَرْتَكِب الْإِثْم وَيَسْتَحِقّ الذَّمّ , أَوْ مِمَّنْ يَعْمَل عَمَل الْجُهَّال ; وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَمْتَنِع عَنْ مَعْصِيَة اللَّه إِلَّا بِعَوْنِ اللَّه ; وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى قُبْح الْجَهْل وَالذَّمّ لِصَاحِبِهِ .
{34} فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِلَّا تَصْرِف عَنِّي كَيْدهنَّ " تَعَرَّضَ لِلدُّعَاءِ , وَكَأَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ اِصْرِفْ عَنِّي كَيْدهنَّ ; فَاسْتَجَابَ لَهُ دُعَاءَهُ , وَلَطَفَ بِهِ وَعَصَمَهُ عَنْ الْوُقُوع فِي الزِّنَا .
{34} فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قِيلَ : لِأَنَّهُنَّ جَمْع قَدْ رَاوَدْنَهُ عَنْ نَفْسه . وَقِيلَ : يَعْنِي كَيْد النِّسَاء . وَقِيلَ : يَعْنِي كَيْد اِمْرَأَة الْعَزِيز , عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْآيَة قَبْل ; وَالْعُمُوم أَوْلَى .
{34} فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السَّمِيع لِمُنَاجَاتِهِ الْعَلِيم بِأَحْوَالِهِ
{35} ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ أَيْ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وَأَهْل مَشُورَته " مِنْ بَعْد أَنْ رَأَوْا الْآيَات " أَيْ عَلَامَات بَرَاءَة يُوسُف - مِنْ قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر ; وَشَهَادَة الشَّاهِد , وَحَزّ الْأَيْدِي , وَقِلَّة صَبْرهنَّ عَنْ لِقَاء يُوسُف : أَنْ يَسْجُنُوهُ كِتْمَانًا لِلْقِصَّةِ أَلَّا تَشِيع فِي الْعَامَّة , وَلِلْحَيْلُولَةِ بَيْنه وَبَيْنهَا . وَقِيلَ : هِيَ الْبَرَكَات الَّتِي كَانَتْ تَنْفَتِح عَلَيْهِمْ مَا دَامَ يُوسُف فِيهِمْ ; وَالْأَوَّل أَصَحّ . قَالَ مُقَاتِل عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : " ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوْا الْآيَات " قَالَ : الْقَمِيص مِنْ الْآيَات , وَشَهَادَة الشَّاهِد مِنْ الْآيَات , وَقَطْع الْأَيْدِي مِنْ الْآيَات , وَإِعْظَام النِّسَاء إِيَّاهُ مِنْ الْآيَات . وَقِيلَ : أَلْجَأَهَا الْخَجَل مِنْ النَّاس , وَالْوَجَل مِنْ الْيَأْس إِلَى أَنْ رَضِيَتْ بِالْحِجَابِ مَكَان خَوْف الذَّهَاب , لِتَشْتَفِيَ إِذَا مُنِعَتْ مِنْ نَظَره , قَالَ : وَمَا صَبَابَة مُشْتَاق عَلَى أَمَل مِنْ اللِّقَاء كَمُشْتَاقٍ بِلَا أَمَل أَوْ كَادَتْهُ رَجَاء أَنْ يَمَلَّ حَبْسه فَيَبْذُل نَفْسه .
{35} ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ" يَسْجُنُنَّهُ " فِي مَوْضِع الْفَاعِل ; أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ أَنْ يَسْجُنُوهُ ; هَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ . قَالَ الْمُبَرِّد : وَهَذَا غَلَط ; لَا يَكُون الْفَاعِل جُمْلَة , وَلَكِنَّ الْفَاعِل مَا دَلَّ عَلَيْهِ " بَدَا " وَهُوَ مَصْدَر ; أَيْ بَدَا لَهُمْ بَدَاء ; فَحَذَفَ لِأَنَّ الْفِعْل يَدُلّ عَلَيْهِ ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَحَقّ لِمَنْ أَبُو مُوسَى أَبُوهُ يُوَفِّقهُ الَّذِي نَصَبَ الْجِبَالَا أَيْ وَحَقَّ الْحَقُّ , فَحَذَفَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ثُمَّ بَدَا لَهُمْ رَأْي لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ ; وَحَذَفَ هَذَا لِأَنَّ فِي الْكَلَام دَلِيلًا عَلَيْهِ , وَحَذَفَ أَيْضًا الْقَوْل ; أَيْ قَالُوا : لَيَسْجُنُنَّهُ , وَاللَّام جَوَاب لِيَمِينٍ مُضْمَر ; قَالَهُ الْفَرَّاء , وَهُوَ فِعْل مُذَكَّر لَا فِعْل مُؤَنَّث ; وَلَوْ كَانَ فِعْلًا مُؤَنَّثًا لَكَانَ يَسْجُنَانِهِ ; وَيَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْله " لَهُمْ " وَلَمْ يَقُلْ لَهُنَّ , فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ النِّسْوَة وَأَعْوَانهنَّ فَغَلَّبَ الْمُذَكَّر ; قَالَهُ أَبُو عَلِيّ . وَقَالَ السُّدِّيّ : كَانَ سَبَب حَبْس يُوسُف أَنَّ اِمْرَأَة الْعَزِيز شَكَتْ إِلَيْهِ أَنَّهُ شَهَرَهَا وَنَشَرَ خَبَرهَا ; فَالضَّمِير عَلَى هَذَا فِي " لَهُمْ " لِلْمَلِكِ .
{35} ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ أَيْ إِلَى مُدَّة غَيْر مَعْلُومَة ; قَالَهُ كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِلَى اِنْقِطَاع مَا شَاعَ فِي الْمَدِينَة . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : إِلَى سِتَّة أَشْهُر . وَحَكَى إِلْكِيَا أَنَّهُ عَنَى ثَلَاثَة عَشَر شَهْرًا . عِكْرِمَة : تِسْع سِنِينَ . الْكَلْبِيّ : خَمْس سِنِينَ . مُقَاتِل : سَبْع . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِي الْحِين وَمَا يَرْتَبِط بِهِ مِنْ الْأَحْكَام . وَقَالَ وَهْب : أَقَامَ فِي السِّجْن اِثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَة . و " حَتَّى " بِمَعْنَى إِلَى ; كَقَوْلِهِ : " حَتَّى مَطْلَع الْفَجْر " [الْقَدْر : 5] . وَجَعَلَ اللَّه الْحَبْس تَطْهِيرًا لِيُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَمّه بِالْمَرْأَةِ . وَكَأَنَّ الْعَزِيز - وَإِنْ عَرَفَ بَرَاءَة يُوسُف - أَطَاعَ الْمَرْأَة فِي سَجْن يُوسُف . قَالَ اِبْن عَبَّاس : عَثَرَ يُوسُف ثَلَاث عَثَرَات : حِين هَمَّ بِهَا فَسُجِنَ , وَحِين قَالَ لِلْفَتَى : " اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك " [يُوسُف : 42] فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ , وَحِين قَالَ لِإِخْوَتِهِ : " إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ " [يُوسُف : 70] فَقَالُوا : " إِنْ يَسْرِق فَقَدْ سَرَقَ أَخ لَهُ مِنْ قَبْل " . [يُوسُف : 77] .
أُكْرِهَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْفَاحِشَة بِالسِّجْنِ , وَأَقَامَ خَمْسَة أَعْوَام , وَمَا رَضِيَ بِذَلِكَ لِعَظِيمِ مَنْزِلَته وَشَرِيف قَدْره ; وَلَوْ أُكْرِهَ رَجُل بِالسِّجْنِ عَلَى الزِّنَا مَا جَازَ لَهُ إِجْمَاعًا . فَإِنْ أُكْرِهَ بِالضَّرْبِ فَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاء , وَالصَّحِيح أَنَّهُ إِذَا كَانَ فَادِحًا فَإِنَّهُ يَسْقُط عَنْهُ إِثْم الزِّنَا وَحْده . وَقَدْ قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : إِنَّهُ لَا يَسْقُط عَنْهُ الْحَدّ , وَهُوَ ضَعِيف ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَجْمَع عَلَى عَبْده الْعَذَابَيْنِ , وَلَا يُصَرِّفهُ بَيْن بَلَاءَيْنِ ; فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَم الْحَرَج فِي الدِّين . " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج " . [الْحَجّ : 78] . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي " النَّحْل " إِنْ شَاءَ اللَّه . وَصَبَرَ يُوسُف , وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ الْكَيْد , فَاسْتَجَابَ لَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
{36} وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فَتَيَانِ " تَثْنِيَة فَتًى ; وَهُوَ مِنْ ذَوَات الْيَاء , وَقَوْلهمْ : الْفُتُوّ شَاذّ . قَالَ وَهْب وَغَيْره : حُمِلَ يُوسُف إِلَى السِّجْن مُقَيَّدًا عَلَى حِمَار , وَطِيفَ بِهِ " هَذَا جَزَاء مَنْ يَعْصِي سَيِّدَته " وَهُوَ يَقُول : هَذَا أَيْسَر مِنْ مُقَطَّعَات النِّيرَان , وَسَرَابِيل الْقَطِرَانِ , وَشَرَاب الْحَمِيم , وَأَكْل الزَّقُّوم . فَلَمَّا اِنْتَهَى يُوسُف إِلَى السِّجْن وَجَدَ فِيهِ قَوْمًا قَدْ اِنْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ , وَاشْتَدَّ بَلَاؤُهُمْ ; فَجَعَلَ يَقُول لَهُمْ : اِصْبِرُوا وَأَبْشِرُوا تُؤْجَرُوا ; فَقَالُوا لَهُ : يَا فَتَى ! مَا أَحْسَن حَدِيثك ! لَقَدْ بُورِكَ لَنَا فِي جِوَارك , مَنْ أَنْتَ يَا فَتَى ؟ قَالَ : أَنَا يُوسُف اِبْن صَفِيّ اللَّه يَعْقُوب , اِبْن ذَبِيح اللَّه إِسْحَاق , اِبْن خَلِيل اللَّه إِبْرَاهِيم . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا قَالَتْ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا إِنَّ هَذَا الْعَبْد الْعِبْرَانِيّ قَدْ فَضَحَنِي , وَأَنَا أُرِيد أَنْ تَسْجُنهُ , فَسَجَنَهُ فِي السِّجْن ; فَكَانَ يُعَزِّي فِيهِ الْحَزِين , وَيَعُود فِيهِ الْمَرِيض , وَيُدَاوِي فِيهِ الْجَرِيح , وَيُصَلِّي اللَّيْل كُلّه , وَيَبْكِي حَتَّى تَبْكِي مَعَهُ جُدُر الْبُيُوت وَسُقُفهَا وَالْأَبْوَاب , وَطُهِّرَ بِهِ السِّجْن , وَاسْتَأْنَسَ بِهِ أَهْل السِّجْن ; فَكَانَ إِذَا خَرَجَ الرَّجُل مِنْ السِّجْن رَجَعَ حَتَّى يَجْلِس فِي السِّجْن مَعَ يُوسُف , وَأَحَبَّهُ صَاحِب السِّجْن فَوَسَّعَ عَلَيْهِ فِيهِ ; ثُمَّ قَالَ لَهُ : يَا يُوسُف ! لَقَدْ أَحْبَبْتُك حُبًّا لَمْ أُحِبّ شَيْئًا حُبّك ; فَقَالَ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ حُبّك , قَالَ : وَلِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : أَحَبَّنِي أَبِي فَفَعَلَ بِي إِخْوَتِي مَا فَعَلُوهُ , وَأَحَبَّتْنِي سَيِّدَتِي فَنَزَلَ بِي مَا تَرَى , فَكَانَ فِي حَبْسه حَتَّى غَضِبَ الْمَلِك عَلَى خَبَّازه وَصَاحِب شَرَابه , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلِك عَمَّرَ فِيهِمْ فَمَلُّوهُ , فَدَسُّوا إِلَى خَبَّازه وَصَاحِب شَرَابه أَنْ يَسُمَّاهُ جَمِيعًا , فَأَجَابَ الْخَبَّاز وَأَبَى صَاحِب الشَّرَاب , فَانْطَلَقَ صَاحِب الشَّرَاب فَأَخْبَرَ الْمَلِك بِذَلِكَ , فَأَمَرَ الْمَلِك بِحَبْسِهِمَا , فَاسْتَأْنَسَا بِيُوسُف , فَذَلِكَ قَوْله : " وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْن فَتَيَانِ " وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْخَبَّاز وَضَعَ السُّمّ فِي الطَّعَام , فَلَمَّا حَضَرَ الطَّعَام قَالَ السَّاقِي : أَيّهَا الْمَلِك ! لَا تَأْكُل فَإِنَّ الطَّعَام مَسْمُوم . وَقَالَ الْخَبَّاز : أَيّهَا الْمَلِك لَا تَشْرَب ! فَإِنَّ الشَّرَاب مَسْمُوم ; فَقَالَ الْمَلِك لِلسَّاقِي : اِشْرَبْ ! فَشَرِبَ فَلَمْ يَضُرّهُ , وَقَالَ لِلْخَبَّازِ : كُلْ ; فَأَبَى , فَجُرِّبَ الطَّعَام عَلَى حَيَوَان فَنَفَقَ مَكَانه , فَحَبَسَهُمَا سَنَة , وَبَقِيَا فِي السِّجْن تِلْكَ الْمُدَّة مَعَ يُوسُف . وَاسْم السَّاقِي منجا , وَالْآخَر مجلث ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ عَنْ كَعْب . وَقَالَ النَّقَّاش : اِسْم أَحَدهمَا شرهم , وَالْآخَر سرهم ; الْأَوَّل , بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة . وَالْآخَر بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَعْصِر خَمْرًا هُوَ نبو , قَالَ السُّهَيْلِيّ : وَذَكَرَ اِسْم الْآخَر وَلَمْ أُقَيِّدهُ . وَقَالَ " فَتَيَانِ " لِأَنَّهُمَا كَانَا عَبْدَيْنِ , وَالْعَبْد يُسَمَّى فَتًى , صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَلَعَلَّ الْفَتَى كَانَ اِسْمًا لِلْعَبْدِ فِي عُرْفهمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : " تُرَاوِد فَتَاهَا عَنْ نَفْسه " [يُوسُف : 30] . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْفَتَى اِسْمًا لِلْخَادِمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا . وَيُمْكِن أَنْ يَكُون حَبَسَهُمَا مَعَ حَبْس يُوسُف أَوْ بَعْده أَوْ قَبْله , غَيْر أَنَّهُمَا دَخَلَا مَعَهُ الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ .
{36} وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" قَالَ أَحَدهمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِر خَمْرًا " أَيْ عِنَبًا ; كَانَ يُوسُف قَالَ لِأَهْلِ السِّجْن : إِنِّي أُعَبِّر الْأَحْلَام ; فَقَالَ أَحَد الْفَتَيَيْنِ لِصَاحِبِهِ : تَعَالَ حَتَّى نُجَرِّب هَذَا الْعَبْد الْعِبْرَانِيّ ; فَسَأَلَاهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَكُونَا رَأَيَا شَيْئًا ; قَالَهُ اِبْن مَسْعُود . وَحَكَى الطَّبَرِيّ أَنَّهُمَا سَأَلَاهُ عَنْ عِلْمه فَقَالَ : إِنِّي أَعْبُر الرُّؤْيَا ; فَسَأَلَاهُ عَنْ رُؤْيَاهُمَا . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : كَانَتْ رُؤْيَا صِدْق رَأَيَاهَا وَسَأَلَاهُ عَنْهَا ; وَلِذَلِكَ صَدَقَ تَأْوِيلهَا . وَفِي الصَّحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَصْدَقكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقكُمْ حَدِيثًا ) . وَقِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ رُؤْيَا كَذِب سَأَلَاهُ عَنْهَا تَجْرِيبًا ; وَهَذَا قَوْل اِبْن مَسْعُود وَالسُّدِّيّ . وَقِيلَ : إِنَّ الْمَصْلُوب مِنْهُمَا كَانَ كَاذِبًا , وَالْآخَر صَادِقًا ; قَالَهُ أَبُو مِجْلَز . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : ( مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ يَوْم الْقِيَامَة أَنْ يَعْقِد بَيْن شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَعْقِد بَيْنهمَا ) . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح وَعَنْ عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ كَذَبَ فِي حُلُمه كُلِّفَ يَوْم الْقِيَامَة عَقْد شَعِيرَة ) . قَالَ : حَدِيث حَسَن . قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا رَأَيَا رُؤْيَاهُمَا أَصْبَحَا مَكْرُوبَيْنِ ; فَقَالَ لَهُمَا يُوسُف : مَالِي أَرَاكُمَا مَكْرُوبَيْنِ ؟ قَالَا : يَا سَيِّدنَا ! إِنَّا رَأَيْنَا مَا كَرِهْنَا ; قَالَ : فَقُصَّا عَلَيَّ , فَقَصَّا عَلَيْهِ ; قَالَا : نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِ مَا رَأَيْنَا ; وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ رُؤْيَا مَنَام . قَالَ : فَمَا رَأَيْتُمَا ؟ قَالَ الْخَبَّاز : رَأَيْت كَأَنِّي اِخْتَبَزْت فِي ثَلَاثَة تَنَانِير , وَجَعَلْته فِي ثَلَاث سِلَال , فَوَضَعْته عَلَى رَأْسِي فَجَاءَ الطَّيْر فَأَكَلَ مِنْهُ . وَقَالَ الْآخَر : رَأَيْت كَأَنِّي أَخَذْت ثَلَاثَة عَنَاقِيد مِنْ عِنَب أَبْيَض , فَعَصَرَتهنَّ فِي ثَلَاث أَوَان , ثُمَّ صَفَّيْته فَسَقَيْت الْمَلِك كَعَادَتِي فِيمَا مَضَى , فَذَلِكَ قَوْله : " إِنِّي أَرَانِي أَعْصِر خَمْرًا " أَيْ عِنَبًا , بِلُغَةِ عُمَان , قَالَهُ الضَّحَّاك . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود : " إِنِّي أَرَانِي أَعْصِر عِنَبًا " . وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : أَخْبَرَنِي الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان أَنَّهُ لَقِيَ أَعْرَابِيًّا وَمَعَهُ عِنَب فَقَالَ لَهُ : مَا مَعَك ؟ قَالَ : خَمْر . وَقِيلَ : مَعْنَى . " أَعْصِر خَمْرًا " أَيْ عِنَب خَمْر , فَحَذَفَ الْمُضَاف . وَيُقَال : خَمْرَة وَخَمْر وَخُمُور , مِثْل تَمْرَة وَتَمْر وَتُمُور .
{36} وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فَإِحْسَانه , أَنَّهُ كَانَ يَعُود الْمَرْضَى وَيُدَاوِيهِمْ , وَيُعَزِّي الْحَزَانَى ; قَالَ الضَّحَّاك : كَانَ إِذَا مَرِضَ الرَّجُل مِنْ أَهْل السِّجْن قَامَ بِهِ , وَإِذَا ضَاقَ وَسَّعَ لَهُ , وَإِذَا اِحْتَاجَ جَمَعَ لَهُ , وَسَأَلَ لَهُ . وَقِيلَ : " مِنْ الْمُحْسِنِينَ " أَيْ الْعَالِمِينَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا الْعِلْم , قَالَهُ الْفَرَّاء . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : " مِنْ الْمُحْسِنِينَ " لَنَا إِنْ فَسَّرْته , كَمَا يَقُول : اِفْعَلْ كَذَا وَأَنْتَ مُحْسِن .
{37} قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ" قَالَ " لَهُمَا يُوسُف : " لَا يَأْتِيكُمَا طَعَام تُرْزَقَانِهِ " يَعْنِي لَا يَجِيئكُمَا غَدًا طَعَام مِنْ مَنْزِلكُمَا
{37} قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ لِتَعْلَمَا أَنِّي أَعْلَم تَأْوِيل رُؤْيَاكُمَا , فَقَالَا : اِفْعَلْ ! فَقَالَ لَهُمَا : يَجِيئكُمَا كَذَا وَكَذَا , فَكَانَ عَلَى مَا قَالَ ;
{37} قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَكَانَ هَذَا مِنْ عِلْم الْغَيْب خُصَّ بِهِ يُوسُف . وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّه خَصَّهُ بِهَذَا الْعِلْم لِأَنَّهُ تَرَكَ مِلَّة قَوْم لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ , يَعْنِي دِين الْمَلِك . وَمَعْنَى الْكَلَام عِنْدِي : الْعِلْم بِتَأْوِيلِ رُؤْيَاكُمَا , وَالْعِلْم بِمَا يَأْتِيكُمَا مِنْ طَعَامكُمَا وَالْعِلْم بِدِينِ اللَّه , فَاسْمَعُوا أَوَّلًا مَا يَتَعَلَّق بِالدِّينِ لِتَهْتَدُوا , وَلِهَذَا لَمْ يَعْبُر لَهُمَا حَتَّى دَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَام , فَقَالَ : " يَا صَاحِبَيْ السِّجْن أَأَرْبَاب مُتَفَرِّقُونَ خَيْر أَمْ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار . مَا تَعْبُدُونَ " [يُوسُف : 39 - 40] الْآيَة كُلّهَا , عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : عَلِمَ أَنَّ أَحَدهمَا مَقْتُول فَدَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَام لِيَسْعَدَا بِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ يُوسُف كَرِهَ أَنْ يَعْبُر لَهُمَا مَا سَأَلَاهُ لِمَا عَلِمَهُ مِنْ الْمَكْرُوه عَلَى أَحَدهمَا فَأَعْرَضَ عَنْ سُؤَالهمَا , وَأَخَذَ فِي غَيْره فَقَالَ : " لَا يَأْتِيكُمَا طَعَام تُرْزَقَانِهِ " فِي النَّوْم " إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا " بِتَفْسِيرِهِ فِي الْيَقَظَة , قَالَهُ السُّدِّيّ , فَقَالَا لَهُ : هَذَا مِنْ فِعْل الْعَرَّافِينَ وَالْكَهَنَة , فَقَالَ لَهُمَا يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام : مَا أَنَا بِكَاهِنٍ , وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِمَّا عَلَّمَنِيهِ رَبِّي , إِنِّي لَا أُخْبِركُمَا بِهِ تَكَهُّنًا وَتَنْجِيمًا , بَلْ هُوَ بِوَحْيٍ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : كَانَ الْمَلِك إِذَا أَرَادَ قَتْل إِنْسَان صَنَعَ لَهُ طَعَامًا مَعْرُوفًا فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِ , فَالْمَعْنَى : لَا يَأْتِيكُمَا طَعَام تُرْزَقَانِهِ فِي الْيَقَظَة , فَعَلَى هَذَا " تُرْزَقَانِهِ " أَيْ يَجْرِي عَلَيْكُمَا مِنْ جِهَة الْمَلِك أَوْ غَيْره . وَيَحْتَمِل يَرْزُقكُمَا اللَّه . قَالَ الْحَسَن : كَانَ يُخْبِرهُمَا بِمَا غَابَ , كَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام . وَقِيلَ : إِنَّمَا دَعَاهُمَا بِذَلِكَ إِلَى الْإِسْلَام ; وَجَعَلَ الْمُعْجِزَة الَّتِي يَسْتَدِلَّانِ بِهَا إِخْبَارهمَا بِالْغُيُوبِ .
المراجع
موسوعه الاسلام
التصانيف
تفسير القران الكريم