- الجزء الثالث - باب الطلاق قبل النكاح قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) قال أبو بكر : قد تنازع أهل العلم في دلالة هذه الآية في صحة إيقاع طلاق المرأة بشرط التزويج - ص 532 - وهو أن يقول : ( إن تزوجت امرأة فهي طالق ) ، فقال قائلون : ( قد اقتضت الآية إلغاء هذا القول وإسقاط حكمه ؛ إذ كانت موجبة لصحة الطلاق بعد النكاح ، وهذا القائل مطلق قبل النكاح ) .
وقال آخرون : ( دلالتها ظاهرة في صحة هذا القول من قائله ولزوم حكمه عند وجود النكاح ؛ لأنها حكمت بصحة وقوع الطلاق بعد النكاح ، ومن قال لأجنبية : إذا تزوجتك فأنت طالق ، فهو مطلق بعد النكاح ؛ فوجب بظاهر الآية إيقاع طلاقه وإثبات حكم لفظه ) . وهذا القول هو الصحيح وذلك لأنه لا يخلو العاقد لهذا القول من أن يكون مطلقا في حال العقد أو حال الإضافة ووجود الشرط ، فلما اتفق الجميع على أن من قال لامرأته : ( إذا بنت مني وصرت أجنبية فأنت طالق ) أنه موقع للطلاق في حال الإضافة لا في حال القول ،
وأنه بمنزلة من أبان امرأته ثم قال لها : ( أنت طالق ) فسقط حكم لفظه ولم يعتبر حال العقد مع وجود النكاح فيها ، صح أن الاعتبار بحال الإضافة دون حال العقد ، فإن القائل للأجنبية ( إذا تزوجتك فأنت طالق ) موقع للطلاق بعد الملك ، وقد اقتضت الآية إيقاع الطلاق لمن طلق بعد الملك . وقد اختلف الفقهاء في ذلك على ضروب من الأقاويل ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد : ( إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق ، أو قال كل مملوك أملكه فهو حر ، أن من تزوج تطلق ومن ملك من المماليك يعتق ) ، ولم يفرقوا بين من عم أو خص .
وقال ابن أبي ليلى : ( إذا عم لم يقع وإن سمى شيئا بعينه أو جماعة إلى أجل وقع ) ، وكذلك قول مالك ؛ وذكر عن مالك أيضا : ( أنه إذا ضرب لذلك أجلا يعلم أنه لا يبلغه فقال : إن تزوجت امرأة إلى كذا وكذا سنة ، لم يلزمه شيء ) . ثم قال مالك : ( ولو قال كل عبد أشتريه فهو حر ، فلا شيء عليه ) .
وقال الثوري : ( إذا قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق لزمه ما قال ) ، وهو قول عثمان البتي . وقال الأوزاعي فيمن قال لامرأته : كل جارية أتسرى بها عليك فهي حرة فتسرى عليها جارية فإنها تعتق .
وقال الحسن بن صالح : ( إذا قال كل مملوك أملكه فهو حر فليس بشيء ، ولو قال أشتريه أو أرثه أو نحو ذلك عتق إذا ملك بذلك الوجه ؛ لأنه خص ، ولو قال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق فليس بشيء ، ولو قال : من بني فلان أو من أهل الكوفة أو آل كذا لزمه ) . قال الحسن : لا نعلم أحدا منذ وضعت الكوفة أفتى بغير هذا . وقال الليث فيما خص : ( إنه يلزمه في الطلاق والعتق ) . وقال
الشافعي : ( لا يلزمه من ذلك شيء لا إذا خص ولا إذا عم ) .
- ص 533 - وقد اختلف السلف أيضا في ذلك ، روي عن ياسين الزيات عن عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب قال في رجل قال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ، قال : ( هو كما قال ) .
وروى مالك عن سعيد بن عمرو بن سليم الزرقي أنه سأل القاسم بن محمد عن رجل طلق امرأته قبل أن يتزوجها ، فقال القاسم : ( إن رجلا خطب امرأة فقال هي علي كظهر أمي إن تزوجتها ، فأمره عمر بن الخطاب أن يتزوجها ولا يقربها حتى يكفر كفارة الظهار ) .
وروى الثوري عن محمد بن قيس عن إبراهيم : ( عن الأسود أنه قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق ، فتزوجها ناسيا ، فأتى ابن مسعود فذكر ذلك له فألزمه الطلاق ) ، وهو قول النخعي والشعبي ومجاهد وعمر بن عبد العزيز ؛ وقال الشعبي : ( إذا سمى امرأة بعينها أو قال : إن تزوجت من بني فلان فهو كما قال ، وإذا قال : كل امرأة أتزوجها فليس بشيء ) .
وقال سعيد بن المسيب : ( إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فليس بشيء ) . وقال القاسم وسالم وعمر بن عبد العزيز : ( هو جائز عليه ) . وروي عن ابن عباس في رجل قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق أنه ليس بشيء . وروي عن عائشة وجابر في آخرين من التابعين قالوا : ( لا طلاق قبل نكاح ) . ولا دلالة في هذا اللفظ على مخالفة قول أصحابنا ؛ لأن عندنا أن من قال : ( إن تزوجت امرأة فهي طالق ) أنه مطلق بعد النكاح ، وما قدمنا من دلالة الآية على صحة قولنا كاف في الاحتجاج على المخالف وتصحيح المقالة .
ويدل عليه قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) اقتضى ظاهره إلزام كل عاقد موجب عقده ومقتضاه ، فلما كان هذا القائل عاقدا على نفسه إيقاع طلاق بعد النكاح وجب أن يلزمه حكمه ؛ ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم « المسلمون عند شروطهم » ، أوجب ذلك أن كل من شرط على نفسه شرطا ألزم حكمه عند وجود شرطه .
ويدل عليه من طريق النظر اتفاق الجميع على أن النذر لا يصح إلا في ملك ، وأن من قال : ( إن رزقني الله ألف درهم فلله علي أن أتصدق بمائة منها ) . أنه ناذر في ملكه من حيث أضافه إليه وإن لم يكن مالكا في الحال ، فكذلك الطلاق والعتق إذا أضافهما إلى الملك كان مطلقا ومعتقا في الملك . ويدل عليه أن من قال لجاريته : ( إن ولدت ولدا فهو حر ) فحملت بعد ذلك وولدت أنه يعتق وإن لم يكن مالكا في حال القول ؛ لأن الولد مضاف إلى الأم التي هو مالكها ، كذلك إذا أضاف العتق إلى الملك فهو معتق في الملك وإن لم يكن له ملك موجود في الحال .
المراجع
موسوعة الإسلام
التصانيف
المعرفة-الفقه