يحدثنا الشيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة عن أول عمل قام به الرسول صلي الله عليه وسلم في المدينة بعد هجرته إليها. والمعروف أن الرسول صلي الله عليه وسلم بني مسجده الجامع, حيث بركت ناقته في مربد لغلامين يكفلهما أسعد بن زرارة, وكان الغلامان يريدان النزول عنه لله, فأبي الرسول عليه الصلاة والسلام إلا ابتياعه بثمنه, وكان المربد قبل أن يتخذ مصلي كهذه المصليات التي تنتشر في ريفنا.. كانت تنبت فيه نخل وشجر وتختفي في ترابه بعض قبور المشركين.
فأمر الرسول بالنخل فقطع, وبالقبور فسويت, وبالخرائب فسويت بالأرض. كانت القبلة يومئذ هي بيت المقدس, وقد بني بالطوب اللبن, واشترك الرسول صلي الله عليه وسلم في حمل اللبنات والأحجار مع المسلمين علي كواهلهم, وكانوا يروحون عن أنفسهم عناء الحمل والثقل والبناء بهذا الغناء: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.. فاغفر للأنصار والمهاجرة وقد ضاعف حماس الصحابة في العمل رؤيتهم النبي صلي الله عليه وسلم وهو يجهد كأحدهم, ويكره أن يتميز عليهم, وتم بناء المسجد في حدود البساطة.. فراشه الرمال والحصباء, وسقفه الجريد, وأعمدته الجذوع, وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه, وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح. هذا البناء المتواضع الساذج هو الذي ربي ملائكة البشر, ومؤدبي الجبابرة, وملوك الدار الآخرة. إن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي, فهو ساحة للعبادة.. ومدرسة للعلم.. وندوة للأدب, وقد ارتبطت بفضيلة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام, ولكن الناس لما أعياهم بناء النفوس علي الأخلاق الجليلة استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامقة تضم مصلين أقزاما, أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلي تزكية أنفسهم وتقويمها فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام. والأرض عند المسلمين كلها مسجد, والمسجد لا يتقيد في عبادته بمكان.
المراجع
موسوعة نسيج
التصانيف
اسلام الدّيانات العلوم الاجتماعية