ي رحلةِ الكرى كان عليها أنْ تحلُم متوسدةً كتفَ بوحه المُستطاب ؛ مستنشقةً أنفاسَ ترجّيه أنْ لا تتركهُ لموجِ الهجر وبناتِ الأعماق يجرجرنه إلى يمِّ الغرقِ والضياع .
في رحلةِ الكرى كان عليها أن تقرأ ذبولَ جموحه ، وتترجم فحوى ندمِه .. ينحني ليركع عند قدميها متوسلاً : " أنا حقير ، فلا ترشقينني بالمودّة .. خائنٌ أنا ؛ أتكىءُ على أسلافٍ من المراءات ، وأقتني أعرافاً مستلّة من مسلاّة الخداع ." .
تشهده ينكمشُ كقنفذٍ قميء ؛ فتأخذه بكفِّ حنوِّها وتضمّهُ إلى حضنِ دفئها .. تهدهدهُ : " أنا مَن يُطهركَ من رجسِكَ ، ويزيل عن مملكتِكَ أدرانَ الزيف ! .. تعالَ حبيباً لا ذليلاً ؛ كبيراً لا ضئيلاً .. فيردُّ بلسان دهشةٍ مُستطالة : " لا بدَّ أنكِ تحلمين ! .. كيف ترتضين ثعباناً يعترف بفعلِ سمٍّ يزرقهُ موتوراً في لدانةِ جسدك وتمزيقِ شرنقة تطلعكِ البهي ؟
... أنتِ تحلمين ." .
تنتفضُ من غيهبِ عتمته : " آ.. آ ، نعم . أنا أحلم ......آ..آ.. ولكنْ دعني أجتر لحظات التحليق ! .. لا أريد أن أفقدك خائناً في اليقظةِ فأنتَ ! أنتَ الحبيب . من فيضِ عينيك التي رسا عند مرفئِها مركبي أولَّ مرةٍ عرفتُ نغمة التفتّح ؛ ومن غمّازتيك الراكزتين على جبهتي خديك أطلَّ وجهُ الحب نادهاً بي أنْ تعالي إلى حديقة العشّاق المُشتهاة . " .. " آه .. لا .. لا ؛ ولكنَّكِ ستمتعضين يوماً وتلومين روحََكِ المسكين . تعنّفين قلبَكِ الثلجي لأنّه مارسَ السذاجةَ واكتسى ببرقعِ الغَفَل ! .. عندما تكبرين ستبدّلين قولي " أنا حقير " بقولِكِ " أنتَ حقير ". وستشتمينني بعينيكِ ، مرددّةً : " كنتَ حقيراً ؛ فكيف ارتضيتَ مودّةً سرابية ، وهمتُ تحت غواية عطرِكَ الفاغم ! " .
كانَ عليها أن تحلم برجلٍ يمدُّ لها كفّاً تستحيلُ غيمةً ألِقةً تحملها إلى جزرٍ سابحة بالبهاء ، وافقٍ ندي راعف بفيوضِ الازدهاء . أنْ تخطو بقدمِ الوثوق إلى ابتسامةٍ تخفي خلفَ أستارها سُهبَ النقاء لترفل على خمائله بجذلٍ ثاملٍ / رؤوم .
كانَ عليها أن تقف زاجرةً لتقول : كفى .. كفى | ... غير أنَّها نهضت من على سرير شوقها ووسادةِ أحلامِها متّجهةً إلى خزانةِ ملابسها ؛ مرتديةً أجملَ الفساتين ، ومتعطّرةً أشذا عطر ،، ثم مقتنصةً نظرةً بارقة على المرآة .. وأتخيلها _ أنا الكاتب _ تخرج .
على حثيث تسارعِ الخطى تتقافز ؛ مجتازةً الدروب بتقاطعاتها وتداخلاتها ، ومتوقفةً على عتبةِ بابٍ ستطرقه وتنتظر ثمّةَ لحظات ... قليلاً وستواجَه بذئبٍ ذي عينين حمراوين وقوائمَ أربعة رشيقة . يبتسم لها بأنيابٍ بيض ناصعة ولسان يقطر لعاباً سيّالاً . وستخطو أمامه إلى غرفةٍ تعرفُ أثاثها ومحتوياتها تفصيلاً . وستقف عندَ سريرٍ تُصالِب على خميلته نظراتٍ جامحة ، وتهفو إلى وسادةٍ أهملت عدد المرّات التي غاص في ريشها رأسُها الجيّاش بالرؤى ، واعتاد قماشُها الحريري حوارَ فمها المليء بالتأوهات الكسيرة ، والشبق اللذيذ .
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
|