ناكد الريحان فيرديه جميلاً .. الربيع
البهجةُ التي توالدت من بين ثنايا الربيع هي التي أزالتْ مِنْ أمامِ ناظريه مُسوحَ القلقِ . والقلبُ الذي اكتوى لأيامٍ بنيرانِ هَجرِها نامَ تلكَ الليلةَ رَخيّاً ، عَفيَاً ، رائقاً .. قالتْ لهُ عَبرَ مَساراتِ التيه التي توالدت في مَساربِ روحِهِ الرهِص : أنا لكَ ؛ فلا تبتئس . والهاتفُ الذي شكّلَ من نفسهِ عرّاباً أرّخَ ولادةً جديدة لحبِّ ستدوّنه مخالبُ الأيام بخطوطٍ من دمٍ راعف ، وشرايين لا تعرف وقفَ النزيف . قال لها : يا ربيعي الذي لا أجني منه سوى ريحان سَحَري ، لا تُلقِ بظلِّكَ الحنونِ على متكآت خدري . فأنا إنسانٌ جبلته الأيامُ على اغترافِ الكَدر ، وحتّمته الظروف مرفأً لسفنِ الضياع ؛ رُغم أنني أحبُكِ ، والأيام التي قطعتِها نائيةً عنّي حطَّمت دفاعاتِ جَلَدي .
عمّها الارتباك ؛ والهاتفُ نقلَ أنفاساً مخَّضتها المفاجأة ..
كادت تقول : أيها الزائدُ مِن ورودِ رياضي ، كيف اختصرتَ المسافات لتباغتني بالذي من عِداد الهواء ؟ .. كيف ولجتَ من أبوابِ التيه التي ما ظننتُها ستُفتحُ بأصابعَ شوقِكَ الرهيف . أنا ما ناغيتُ جناحَ قلبي الشرقي ، فكيف أتى شوقُك يُعلن عشقَ جناحِهِ الغربي ؟
.. من أين لنا كلُّ هذا الأملِ الفيضي حتى نُعلن شروعَ الانتصار بأكفٍّ ستلتقي وأصابعَ ستشتبك ؟ الأيام التي أرهقتكَ هي نفسها التي سحقتني ... آآآآآه ! المسافات ! المسا ... فات .
كان المساءُ فات .. والحزنُ نشرَ أشرعةَ سطوته على القلبين المحلّقين في هُلام النأي .
خُيِّلَ إليه أنَّها ستقطعُ الاتصالَ لتتناولَ وجبةً من الإجهاش ، وكؤوساً من الدمعِ الدفيق .
شُبِّهَ له أنها ستخلِّف لديه حفنةً من السكاكين يُقطِّع بها بقايا صبرِهِ الناضبِ الشحيح ويرميه نثاراً ، فصرخَ بحنجرةٍ خرساء لم ينفلت هتافُها سوى بحشرجةٍ تقول : لا .. لا .. انتظري . أرجوكِ |
( عادت إليه رجاءات أمّه لحظة أبصرها_ ولمّا يزل صبياً _ تتهالك عند أقدام أبيه أن لا يهجرها ويغادر إلى مرافئ المجهول بناء على غوايةِ كنوزٍ من غماماتٍ سرابيةٍ خديعة . مرافئ أفردت ذراعيها لبلاهته ، ونادته هلمَّ أيها المعتوه المخضب بسخام الخيبة .. هائجاً ، مائجاً اندفعَ ! لا يأبه لتهالكات التحذير من جموع الانقياء المعاتبين .. فسقطت تلك الأم الحنون على صخرةِ الانتظار والترجي .. وماتت تعيسةً ، بئيسةً ، حائرة . )
لا .. لا ! ربيـ ..
لا يدري كيف تعثَّر صوتُها وانكفأ ! وكيف تمالكَتْ حزنَها المتراغي فتجلَّدت .
سمِعها تقولُ بلسانٍ شعرٍ عزفته ذاكرتُها الجريحة : يا زائداً نسيَ الزمانُ أريجَهُ .. الهاتفُ سليلُ الخداع فلا تأتمنه . سأكتبُ لكَ هذه الليلة . لا تنم قبل أن تقرأ رسالتي ، وتكتب لي .
في صوتها ترجمَ عزيفَ لحنه المُرتجى ؛ ومن رجائها حصدَ ورودَ وفاءٍ ستُدبِجُهُ الليالي بطراوة أغلاسٍ رطيبة عذباء ..
أيقنَ أنها تخطو في دروب رجاءاته التي تمنّى ، وأحلامِهِ التي رام ... وحين أسدلت ستارةَ دراما الهاتف ، استدار ؛ وقد عَلت في سماءِ تطلُّعاتهِ أغنيةٌ لها لونُ قَمرٍ لهيف ، وجوقةُ حمائِمَ ارتدتْ فساتينَ النجوم .
في الطريقِ إلى بيته الذي يقع على رابيةٍ خضراء أبصرَ قلبَه فتىً يعدو فيدخل مهرجانَ مفرداتٍ تتهاطل من عيني ربيع راعفٍ قادم ، فانتشى بشذا ريحانٍ فائحٍ عابق ... وهام
| | |
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
مقالات قد تهمك
-
الكاتبة, فاطمة عزت محمد البرماوي-الأردن رقــم خاص
-
الكاتب, مازن رفاعي-رومانيا
-
الكاتبة, سحر سليمان-فرنسا اللعب بالدم
-
الكاتبة, فاطمة الفلاحي-العراق حظر تجوال
-
الكاتب, د. رياض الأسدي-العراق عقود طنطلية
-
الكاتب, ضمد كاظم وسمي-العراق المكافأة
-
الكاتب, حسن عبد الرزاق-العراق ترانيم الفواخت
-
الكاتبة, كُليزار أنور-العراق رياض النور
-
الكاتب, أدهم مطر-السعودية أخي ..
-
الكاتبة, هناء كرم سابا-قبرص أيهما بيتي؟
|