.
- الرجال لا يؤتمن لهم جانب .
- محمود يختلف عن كل الرجال.
- في موضوع النساء لا فرق بين رجل وآخر.
- أنا أحذرك قبل أن تقع الفأس في الرأس .
غادرت أمها وأبقت خلفها سيلا من الهواجس والوساوس التي ماانفكت تهاجمها بقسوة وعنف وألهبت بداخلها خيالات مرعبة ، تعبث فيها حينا وتنهشها أحيانا أخرى وكلمات أمها وحش يزأر في أذنيها، تحاول الهروب من أمامه .. مهادنته قليلا، حتى يتسنى لها مسح تصرفات زوجها، أو إعادة النظر فيها من جديد ، لكن الأمر لم يكن هينا أو بالسهولة المتوخاة ، إلا أن نظرات خاطفة على بعض المواقف التي بدرت عنه منذ أن جلبها إلى البيت ، وعدم نسيانه تفاصيل ماضيه بكل ما فيه من مواقف وأحداث ، أثار بداخلها خوفا لم يكن في الوارد من قبل ، قصة الحب التي مازال يحفظها عن ظهر قلب وربما لازالت تتقد في داخله ..حرصه الزائد على إبقائها بقربه بدعوى الشفقة وعقدة الذنب التي مازالت تطارده، كل هذه الأشياء وغيرها جعلتها تعيش حالة من عدم الاتزان.
أمضت سحابة ذلك النهار متوترة .. حائرة .. غير قادرة حتى على مباشرة أعمال المنزل وحين خيم الليل تمددت في السرير إلى جانبه دون أن تنبس بكلمة.. أطبقت جفنيها وراحت تراقب خلجاته .. تقلباته في السرير وهي تتساءل حيرى : هل تراه يفكر فيها ؟ .. ما الذي يؤرقه ويقض مضجعه .. لقد كان يفيض حبا وحنانا قبل أن تدخل هذه المرأة في حيتنا .. أما الآن فلا أراه إلا واجما .. عابسا وكأن هموم الدنيا ترزح على منكبيه.. كم أنا غبية ، كيف سمحت له باستقبالها في بيتي؟ . ، ثم صدرت عنها تنهيدة عجزت عن كبتها ، فالتفت إليها قائلا : هل هناك ما يزعجك ؟ .
- لا شيء . ، ردت بعد تردد وصمت.
ودت أن تفاتحه بما يعتمل في صدرها ، لكنها آثرت أن ترجئ الأمر ، عسى أن يبدي آتي الأيام بما يجلي حقيقة المخاوف التي تراودها أو يدحضها مرة و إلى الأبد.
- سميحة أود أن أسألك كطبيبة.
- هل تشكو من شيء ؟.
- لا .. أنا بخير ، لكني أود أن أعرف طبيعة الحالة المرضية لليلى .. هل يمكن شفاؤها؟ .
دوى السؤال في أذنيها كعبوة ناسفة...ودت لو تصرخ ... تصيح تصم أذنيها ... تلقي نفسها من عل .,حبست دموعها مكرهة وبصعوبة بالغة قالت : نعم يمكن شفاؤها , شرط أن تبتعد عن مسببات الحالة .
- أي أنها إن بقيت هنا , كان الشفاء أسرع , رد معلقا
- أحست بأنه يريد الوصول إلي شيء ما ,يفكر في أمر لا يرغب بالإفصاح عنه ,ترى هل صدقت ظنون أمها ؟ وهل يحق لها أن تخفى الحقائق أو تزيفها , تحت وقع الغيرة وسيفها المسنون , أم ترد بما يملي ضميرها والرسالة الإنسانية التي تحملها .,فردت بعد تريث قائلة : نعم.
- لكن ما الداعي لهذه الأسئلة .؟
- مجرد سؤال مر بخاطري ., رد قائلا
....بركان تفجر في أعماقها ,تطايرت في الفضاء قطعا متناثرة , شعور غريب راح يهاجمها , لم تشعر به من قبل ..أحست أنها تجهله ..تنكره ...تساؤل صعب لا يجد جوابا : أهذا محمود الذي أحببته ؟
هدير محركات مقبلة كدر سكون الليل , مشاعر خوف وترقب حامت بالأفق , خفقات قلبها زادت عن المألوف , وخيم على المكان صمت ثقيل .., صوت أللاسلكي آت يشق الصمت من خلف النافذة , تجمد الدم في عروقها , وراح كل منهما ينظر إلي الآخر بخوف وفزع , وقع أقدامهم في الشارع ، دفعها لأن تضمه بقوة ولسان حالها يقول : ربما هذه أخر مرة.
لحظات مرت كأنها الدهر , لمس حالة الرعب التي تنتابها , حاول الحد منها: يبدوا أنهم جاءوا لاعتقال شخص آخر ,لست أنا المقصود بذلك , و إلا ما احتاجهم كل هذا الوقت
قشعريرة تسري فيها مع كل حركة تأتي من الشارع , و ازداد الوضع سوءا حين انسل من السرير تاركا الغرف، فسألته بصوت خافت : إلى أين ؟ .، فأجابها قائلا : أود التأكد من أن ما يحدث لم يوقظها , وإلا وقع ما لا تحمد عقباه.
ألقت بالغطاء علي وجهها . تكتم صرخات تدوي ودموع تنهمر.
استقل عربته قاصدا المكتب يداعبه شعور جميل وتشرح صدره نسمات صبح تحمل في طياتها نفحات معطرة برائحة أزهار البرتقال المنبعثة من بعض البساتين المبعثرة على جانبي الطريق، غاص في ثنايا اللحظة من دون أن يرهق نفسه في عناء البحث عن الأسباب التي ولدت بداخله هذا الشعور الجميل، حتى لا يفقد براءتها وجمالها، خصوصا أن هذه اللحظات الجميلة، باتت قليلة في هذه الأيام العصيبة.
ظل يتابع سيره مترنما بأنغام بوس لي عينيه، التي تشدو بها فيروز بصوتها الساحر الشجي، فأطل أمامه وجه سميحة واجما .. عابسا ، هرب من أمامه عازيا ما بها من ضيق وكدر إلى ما مرت به في الليلة السابقة ، وكأنه لا يريد الانجرار وراء تداعيات قد تفسد عليه حالة الانسجام التي تملكته، حتى أنه لم يعر انتباها لعربات الجند التي كانت تصادفه على الطريق ، أو بمعنى أدق لم يكترث لوجودها، لدرجة بات فيها حسه الصحفي مخدرا، أو في غفوة ربما أرادها أن تدوم لبعض الوقت.
دخل مكتبه مترنما ببعض كلمات الأغنية التي علقت في ذهنه، ألقى بجسده على المقعد ، ثم نادى :علاء.
فأقبل يحمل فنجاني قهوة ,ناوله أحدهما وأبقي الآخر لنفسه، أخذا يتجاذبان أطراف الحديث الذي تشعب في مسارات مختلفة، كانت تصب كلها في موضوع واحد ,هو ما يدور علي الساحة اليوم ,المواجهات ,الإضرابات التي زادت بشكل مضطرد ,من الأكثر تضررا ؟العمال أم التجار و الوضع التعليمي وما آل إليه , كثرة أيام الإغلاق التي تتعرض لها المدارس والجامعات، لكنه "علاء" كان متحيزا بقوة للعمال,كونه عاملا حرم من العمل في الداخل ,نتيجة اشتراكه في فعاليات الانتفاضة ,مما افقده مصدر رزق وافر فاضطر للعمل لدى محمود بنصف ما كان يتقاضاه سابقا.
رن جرس التليفون فرفعه علاء وبعد لحظة صمت , تغيرت على إثرها ملامح وجهه , ثم قال :اندلعت مواجهات في حي الزيتون ,وسقط شهيدان وعشرون جريحا ,
هب على عجل يعد آلة تصوير ,ثم قفز إلي عربته وهو يحث علاء علي البقاء قرب التليفون ,السحب السوداء تغطي السماء ,وتظهر للعيان من بعيد ,أصوات القنابل وصلي الطلقات ,أحال المكان إلي ساحة حرب ,القادم للوهلة الأولي يظن أنه اخطأ المكان وسقط من حيث لا يدري في أفغانستان أو فيتنام , لم يجرؤ علي الاقتراب أكثر, والتوغل لمسافة أبعد ,أحس برعب يسرى في أوصاله رغم الشجاعة التي تأصلت فيه , من أحداث سابقة ,علت الهتافات حتى طغت علي صوت الرصاص , فشعر بالأمان ,أقبل عليه نفر من الصبية تعلو وجوههم ابتسامة ساخرة , وتشع عيونهم ببريق التحدي ,سأله أحدهم : لماذا لا تتقدم إلي الأمام ؟ وتصور الأحداث عن قرب ..,أأنت خائف؟.
أحس بالارتباك ...راح يمسح عن جبينه العرق ...ود لو خسفت به الأرض من شدة الخجل , كل طفل استحال ما ردا يلامس رأسه السحاب ,أمسك الكاميرا ..عاودته شجاعته ...تقدم بضع خطوات ...صاح فيه صبي: اتبعني إلي دار أبو يوسف ,فهي تشرف علي ساحة القتال.
تقدم يتبعه إلي السطح قبل أن يسمع منه أي جواب، شك بآلة التصوير وهو لا يصدق ما يري , هل عطب أصابها ؟
أم أنها تزور الحقائق ؟. أشاح بوجهه جانبا وراح يفرك عينيه ,هاله ما يحدث ,قفز إلي ألته وهو يعنف نفسه علي كل دقيقة أضاعها ,لقد كان حلما أن ترى الناس يتصدون للرصاص بصدورهم , القبضة الحديدية لوتها سواعد الأطفال هنا, عربات الجند تقهقرت تحت حجارة الفتيان , صوت القنابل أصبح لحنا تطرب له الآذان , جنود مغرورون
حاولوا التقدم انقلبوا يتصارخون , جموع أقسمت على القتال , فكان الثمن باهظا , نسوة يحاصرن عددا من الجنود و يعاركنهم يصرخن بهم , يتجاذبون شيئا لم يميزه، قذفوهن بقنبلة سامة وأسرعوا يفرون بالغنيمة , تبعهم عبر عدسة التصوير , كان الصبي الذي أوصله إلي السطح يجلس في العربة وقد أحاطوا به من كل جانب ,مقيد اليدين ويعلو عينيه شريط أسود , لم يكترث بهم ولم يجفل منهم, كان كأسد تحيط به فئران
..عاد إلي المكتب والصورة ما زالت عالقة قي ذهنه ,تداعب عواطفه ,تهاجمه ,تسخر منه , لعن الأمة وحالها المخزي , وهي لا تقوى علي غير الأسف ,لم يبد اهتماما بالقائمة التي قدمها علاء ,مما أثار دهشة الأخير ,فسأله مستغربا :هل هناك ما يزعجك ؟ فرد وكأنه في حلم مزعج: لا ضعها جانبا الآن, فعجب لحاله وراح يوضح الآمر:أنها تحتوي على أسماء الشهداء والجرحى.
- أذن بلغ الجريدة ودعني الآن.
... علا رنين التليفون . فامسك السماعة لبرهة ثم قال بهدوء : يطلبونك . من البيت ..,
اعتدل في مكانه وراح يحاور من يهاتفه ، ثم قال بهدوء : أنا ؟ . ،أنت ., سأله مستفسرا فرد وهو يغادر المكان : ضيوف في انتظاري.
أحس بالدم يغلي في عروقه ., أي مفاجأة جمعتها معا , ومن هذه الوجوه الغريبة التي جلست ترتشف القهوة بصمت وماذا يبغي الشيخ حسين الآن وقد طرده بالأمس , أسئلة عديدة باغتته دفعة واحدة ,أراد طردهم للوهلة الأولى، لكنه عدل عن ذلك على مضض ، ود سحب يده حين امتدت بشكل عفوي لمصافحة وليد وقد وقف ضمن الواقفين للسلام عليه ،لكنه أحجم عن ذلك، صحيح أنها كانت مهمة عسيرة بالنسبة له ، لكنه أنجزها مكرها.
رحب بالضيوف، فاعتدل أحدهم وكان أكثرهم هيبة ووقارا، ألقى التحية من جديد عليه، ثم بدأ في الحديث نيابة عنهم ، بدأ مجاملا .. تحدث عن خلقة وطيب أصله ، عن شهامته وسيرة المعروفة للجميع ، فما كان من محمود إلا أن يرد التحية بمثلها ويشكره على إصباغه بما لا يستحق.
- لا والله يا ولدي .. أنت تستحق ذلك وأكثر .
- هذا من كرم أخلاقك يا عم .
- لي عندك حاجة وكلي أمل بان تلبيها.
- لن أخيب رجاك ما دمت أقدر على ذلك .
- ليلى .
- ما لها.
- لن نثقل عليك بعد الذي فعلته من أجلها ، نريد أن نخفف الحمل عنك ونردها إلى أهلها.
- ماذا.
- اهدأ يا ولدي .. جحا أولى بلحم ثوره.
- ماذا تقول يا رجل، قال بانفعال تردد صداه في المطبخ، حيث كانت سميحة ترهف السمع لهم وتنظر بين لحظة وأخرى إلى ليلى، التي جلست على مائدة الطعام ترتجف بشكل واضح .
- أقول أن مهمتك انتهت وعلى ليلي أن ترجع إلى أهلها. ، قال الرجل بنبرة حازمة,
- وأين كانوا أهلها حين كانت تجوب الشوارع على غير هدى . ، رد باستخفاف واضح.
- أتظن أنك أحرص منا عليها . ، انبرى وليد محتدا.
- أنت بالتحديد لا تنطق بكلمة ولولا وجودك في بيتي لكان لي معك شأن آخر.
- صلوا ع النبي يا جماعة . ، قال الرجل محاولا تهدئة الخواطر.
- أسمع يا أبني.
- لا شيء عندي لأعيده إليكم.
- سمعت يا شيخ .. أنه يمنعنا شرفنا وعرضنا . ، صاح وليد مرة أخرى
- أقولها للمرة الأخيرة .. أنت في بيتي فاحفظ أدبك يا صاحب الشرف.
- لكن يا أبني ، طرحك هذا لا يقبله شرع ولا دين . ، قال الرجل موجها حديثه لمحمود مرة أخرى .
- إنها زوجتي .
- كانت زوجتك .
- نعم ، لكنها أيضا قرابتي وشرفها يهمني أكثر منكم جميعا.
- لكن الدين لا يبيح لها أن تعيش معك في بيت واحد.
- لن ترجع معكم مهما كان الثمن.
- هذا لا يجوز .قال الرجل ، ثم أطرق بعدها قليلا وقال : إلا إذا قمت بردها مرة أخرى.
أحست بأنفاسها تخمد وصدرها يسحق تحت وقع الكلمات ، ظلمة تغشاها .. تسد عليها المنافذ كلها ، لحظات كأنها الدهر تمر بطيئة مثقلة ، رد تنتظره على أحر من الجمر وحين جاء كان مفجعا إلى أبعد الحدود : نعم سأردها.
- على بركة الله . ، قلها الرجل وهب واقفا ، فتبعه الجمع بصمت لا يخلو من ابتسامات وغمغمات تشي بالارتياح.
المراجع
pulpit.alwatanvoice.com
التصانيف
تصنيف :فنون تصنيف :أدب تصنيف :كتب الآداب
| | |