أكثم بن صيفي التميمي

مَن هو أكثم بن صيفي؟ 

هو أكثم بن صيفي بن رباح بن الحارث بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، وكُنيته هي أبو حفادة، من أشهر واهم سادات العرب في الجاهلية، عرف بالحكمة البالغة، والفصاحة وطلاقة اللسانِ، وأتقن فنّ الخَطابةِ أشدّ ما يكون الإتقان، واشتهر بسدادِ قوله، وحصافةِ رأيه، ونزاهةِ حُكمه، فلا عجبَ لتهافتِ العرب عليه؛ يتقاضون بين يديه، ويستفتونه في أمورهم، غيرَ رادِّينَ لحُكمه، ولا مجادلين في قضائه؛ لشرَفه ونزاهته، وفوق كل ذلك؛ كان أكثمُ فارسًا شجاعًا مِغوارًا، وكان يشارك في وقائع ومعارك قومه بنفسه وماله ومشورته الصائبة.قال عنه الجاحظ: “من الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفي وربيعة بن حذار وهرم بن قطيعة وعامر بن الظرب ولبيدبن ربيعة، وأحكمهم أكثم بن صيفي التميمي وعامر بن الظرب العدواني”.

نشأته

ترعرع أكثم بن صيفي في كَنَف قبيلة بني أسيد، وهي واحدة من القبائل بني تميم من أشرف و كبرى قبائل العرب؛ وأشدها قوة وبأسًا، وهي قبيلة مضرية، انتشر أفرادها من كثرتهم حتى ملأوا البلاد، كما اشتهرت قبيلة تميم بزُخرها بالحكماء والشعراء والأدباء، فنشأ أكثم بينهم ينهلُ من فيوضهم، ويكتسب شتى الخبرات والثقافات، حتى تفوق عليهم بحكمته وفصاحة لسانه، وسادهم بسداد رأيه وحِنكته.

موقف أكثم بن صيفي من الإسلام

وقت ما بَزَغَ فجرُ الإسلام وسطعَ نورُه، وبُعث النبي محمد – صلّى الله عليه وسلّم – وأخذ يدعو الناس إلى الإسلام وعبادة اللّٰه الواحد الذي لا شريك له، ووصل خبرُه الآفاق،  كان أكثم بن صيفي قد أسنّ، فقررَ أن يُرسلَ رجلين ليتفقدَا خبر هذا النبي، وما يدعو إليه، حتى يقضي في أمره ويُحددَ موقفه من هذا الدين الجديد، فلما رجعا أقبلا عليه بما يُثلج صدره، ويُقرُّ عينَه، تجاه الإسلام، بعدما ذهبا للنبي – صلى الله عليه وسلم – يسألاه عن نفسه وعن ربه ودينه فقال: “أَنا مُحَمَّد بنُ عَبْدِ الله وأَنَا عَبدُ الله وَرَسُولُهُ” ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِم قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” [النحل:90] فأتيا أكثم، فقالا له ذلك، فلم يلبث حتى نادى في بني تميم أن يجتمعوا إليه، ثم جهرَ بخُطبته العصماء، لتشُقَ بنورِ الحقِ جموعهم، وتُوحدَ على كلمة الإسلامِ صفوفَهم، إذ يقول فيها:  “يا بني تميم، لا تحضروني سفيهًا، فإنه مَن يسمع يخل أنَّ السفيه يوهن من فوقه، ويثبت من دونه، لا خير فيمن لا عقل له، كبرتْ سني، ودخلتني زلة، فإن رأيتم مني حسنًا، فاقبلوه، وإن رأيتم مني غير ذلك، فقوِّموني أستقم، إنني قد أتاني خبر هذا الرجل، وكتابه يأمر فيه بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأخذ فيه بمحاسِن الأخلاق، ويدعو إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأوثان، وترك الحلف بالنيران، وقد عرف ذو الرأي منكم أنَّ الفضْل فيما يدعو إليه، وأن الرأي ترك ما ينهى عنه، فإن يكنِ الذي يدعو إليه حقًّا، فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلًا، كنتم أحق الناس بالكفِّ عنه، وبالستر عليه، وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته، فكونوا في هذا الأمر رُؤوسًا ولا تكونوا فيه أذنابًا، ائتوا طائعين، قبل أن تأتوا كارهين، إن الذي يدعو إليه محمد – صلى الله عليه وسلم – لو لم يكن دينًا، لكان في أخلاق الناس حسنًا، أطيعوني واتَّبعوا أمري، أسأل لكم أشياء لا تُنزع منكم أبدًا، وأصبحتم أعز حي في العرب، وأكثرهم عددًا، وأوسعهم دارًا، فإنِّي أرى أمرًا لا يجتنبه عزيز إلاَّ ذلَّ، ولا يلزمه ذليل إلاَّ عز، إن الأول لم يَدع للآخر شيئًا، وهذا أمر له ما بعده، من سبق إليه غمر المعالي، واقتدى به التالي، والعزيمة حزم، والاختلاف عجز”.

انتقاص كسرى من شأن العرب

حينما قدم  النعمان بن المنذر على كسرى ملك الفرس، وفي حَضرتِه الجموعُ من وفودِ الهند والصين والروم؛ فذكروا بلادهم وخيراتها، وعدّدوا مناقبَ شعبها، ومجَّدوا ملوكهم وحكامهم، فانتفضَ النعمان هو الآخر يفخرُ بالعربِ والعروبةِ، وما لهم من فضلٍ على سائرِ الأممِ، ولم يستثنِ بلاد فارس ولا غيرها، فاستفزّ ذلك غرور كسرى، وأخذته العزّة، فقال للنعمان مقالةً عدَّد فيها منَاقبَ شعوب الهند والصين والروم والفرس والترك وغيرهم، وأثنى عليهم، واستثنى من ذلك العرب، وذكَرَ أنه لا يرى ما يُذكَر في أرض العربِ من خِصال الخيرِ الدنيويّةِ أو الدينيّةِ، واستطردَ كِسرى في كلمته مُنتقِصًا من شأن العرب، ومُحتقرًا لهم، مُعتقدًا أنه كسرَ شوكةَ النعمان وأَفحَمه أمام الوفودِ، إلّا أن النعمان استطاع بلباقته أن يردَّ على ما قاله كلمةً بكلمةٍ، وحُجَّةً بحُجَّةٍ، واقتلعَ التُّهمَ التي رمى بها العرب من جذورها، حتى أثنى عليه كسرى وكَساه.

لكنّ النعمان حينما عاد إلى الحيرة، ظلّ يتحرّق ألمًا من كلام كسرى المهين للعرب، وقرَّر أن يُرسل إليه وَفدًا مرموقًا من حُكماءِ وخطباءِ وشعراءِ العرب المُفوَّهين، فبعث إلى حاجب بن زرارة التميمي، وإلى الحارث بن عباد، وقيس بن مسعود البكريين، وإلى خالد بن جعفر، وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريين، وإلى عمرو بن الشريد السلمي، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المرى؛ ثم نظر فيمن يجعلُ على رأسهم قائدًا، وفي مقدمتهم مُتكلّمًا بين يدي كسرى، فلم يجد أفصح ولا أبلغ ولا أحكم من أكثم بن صيفي حكيم العرب.

خطبة أكثم بن صيفي أمام كِسرى 

كان أكثم بن صيفي أولَّ المُتكلمين أمام كسرى من بين وفد النعمان بن المنذر، والحقُّ أنه أبانَ وأجاد، وأحكَمَ القول، وكانت خطبته عينًا من عُيونِ الكَلِم؛ فقال:“إنّ أفضلَ الأشياءِ أعاليها، وأعلى الرجالِ ملوكُها، وأفضلَ الملوك أعمّها نفعًا، وخيرَ الأزمنةِ أخصبُها، وأفضلَ الخطباء أصدقُها، الصدقُ مَنجاة، والكذبُ مَهواة، والشرُ لَجَاجة، والحَزمُ مَركبٌ صعبٌ، والعجزُ مركبٌ وطيٌ، آفةُ الرأي الهوى، والعجزُ مِفتاحُ الفقر، وخيرُ الأمورِ الصبرُ، حُسنُ الظنِّ ورطةٌ، وسوءُ الظنّ عِصمةٌ، إصلاحُ فساد الرعية خيرٌ من إصلاحِ فساد الراعي، مَن فَسدت بِطانته كان كالغاصِ بالماء، شرُّ البلادِ بلادٌ لا أمير بها، شرُّ الملوك مَن خافه البريء، المرءُ يعجزُ لا محالة، أفضلُ الأولادِ البَررةُ، خيرُ الأعوان من لم يُراءِ بالنصيحة، أحقُّ الجنود بالنصر من حَسُنت سريرته، يكفيكَ من الزاد ما بلغك المحلّ، حسبك من شرٍ سَماعه، الصمتُ حكم وقليل فاعله، البلاغة الإيجاز، من شددَ نفرَ، ومن تراخى تألف”، فأُعجب كسرى بفصاحته وحكمته الجَلِيَّة، ثم قال له:” لو لم يكن للعرب غيرك لكفى”.

وصيته لقبيلة طيئ

كما أوصى أكثم بن صيفي في وصية كتب بها إلى قبيلة طيئ: “أوصيكم بتقوى الله وصلةِ الرحم، وإياكم ونِكاح الحمقاء؛ فإنّ نكاحها غَرر، وولَدها ضياع، وعليكم بالخيلِ فأكرموها؛ فإنها حصون العرب، ولا تضعوا رقاب الإبل في غير حقها، فإن فيها الكريمة، ورَقُوءَ الدمِ، وبألبانها يُتحف الكبير، ويُغذّى الصغير، ولو أن الإبلَ كُلفت الطحن لَطَحنت، ولن يهلكِ امرؤ عرف قدرَه، والعدمُ عدمُ العقل، لا عدمُ المال، ولَرجل خير من ألفِ رجل، ومن عتَبَ على الدهرِ طالت مَعتبتُه، ومن رضي بالقسمِ طابت معيشتُه”

وفاته

مات أكثم في طريقه إلى مبايعة النبي كما أسلفنا، ولم يُذكر تاريخًا محددًا لوفاته، غير أن الثابت أنه كان من المُعمرين، وقد تجاوز عمره مائة وتسعين سنة؛ لقوله:

وإن امــرأ عـــاش تسعين حجـــةً .. إلى مائةٍ لم يسأم العيش

جاهلأتت مائتان غيــر عشــر وفـــاتهـا .. وذلك من مر الليالي قلائل

أمثال وحِكم أكثم بن صيفي

حيث كانت الأمثال وتدًا من أوتادِ الأدب الجاهلي؛ فلا تكاد تخلو خطبةٌ أو قصيدةٌ من مَثَلٍ سائرٍ يُغني بكلماتٍ قلائلٍ عن الكثير من القَول، ويُجسد بإيجاز فكرةً منشودةً أو مشهدًا فيه عبرة، ويُتحفُ السامع ببلاغته وجميل تشبيهاته، فالأمثال والِحكم هي مرآة للحياة الاجتماعية والسياسية والدينية لشتّى طبقات المجتمع؛ فهي عميقةٌ برغم بساطتها، سائغةٌ غير مُتكلّفة، مُصيبةٌ للغرض بضربةٍ واحدة.

وكان أكثم بن صيفي بارعًا في نَسجِ الأمثال، ومُبدعًا في قولِ الحكم، ومنها:

  • مِنْ مأمَنِهِ يُؤتَى الحَذِرُ : ومعنى هذا المثل أن الحَذَرَ لا يدفع عن صاحبه فواجع الأقدار، فربما تأتيه الفاجعة مما كان يأمنه.
  • مِن العَجزِ والتَّوَانِي نُتجَتِ الفَاقة: أي أنّ الفقر هو نتيجة للتراخي والتقصير.
  • رُبَّ لاَئِمٍ مُلِيمٌ: تُقال في الذي يلوم الممسك هو الذي قد ألام في فعله، لا الحافظ له.
  • قد يبلغ الخضم بالقضم : معناه أن الغاية بعيدة المَنال قد تُدرك بالرفق.
  • في الجريرة تشتركُ العشيرة: يُضربُ في الحثِّ على المواساة.
  • رُبّ عجلةٍ تهب ريثًا: ويضرب للرجل الذي يشتد حرصه على الحاجة، ولا يتريث فيها، فيخرق فيها حتى تذهب كلها.

المراجع

taree5com.com

التصانيف

عرب  سلف   العلوم الاجتماعية   التاريخ