العنف العائلي
نجوى هاشم - كاتبة صحفية سعودية يرى الدكتور مصطفى عمر المنير في كتابه العنف العائلي الصادر عن أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية (ان العنف العائلي سلوك موجود في جميع المجتمعات وخلال الأزمنة المختلفة، وهذا العنف يأخذ أشكالاً كثيرة، ويتعرض له في الغالب الضعفاء في الأسرة.. ويظل جزء كبير من هذه الأفعال بعيدا عن نشره، لأن الكثيرين يبذلون مجهودا كبيراً لكي تبقى ضمن أسرار الأسرة. إضافة إلى أن هذه الأفعال قد لا تعتبر أفعالاً غريبة ولا مستهجنة في بعض المجتمعات، والأزمنة. فضرب الأطفال، وحتى الزوجة قد يدخل ضمن برنامج التربية أو التنشئة الاجتماعية.
والعنف العائلي هو جميع الأفعال التي يقوم بها أحد أعضاء العائلة، وتلحق أضراراً مادية أو معنوية، أو كليهما بعضو آخر في نفس العائلة.. ويعني هذا بالتحديد الضرب بأنواعه، وحبس الحرية، والحرمان من حاجات أساسية، والارغام على القيام بفعل ضد رغبة الفرد، والطرد، والتسبب في كسور أو جروح، والتسبب في إعاقة، وقتل). (ويرى الدكتور عمر ان المجتمع يعلم أفراده العنف.. ودور التنشئة الاجتماعية لإعطاء العدوانية ثوبها الثقافي، فالمجتمع عن طريق مكوناته الثقافية يعلم أعضاءه أشكالاً للتعبير المقبول أو غير الضار للعدوانية.. وعن الطريق نفسه يتعلم الفرد خلال مختلف مراحل نموه التي تلي مرحلة الطفولة المبكرة). أما العنف العائلي فيتركز عادة ضد المرأة، والأطفال، والبنات بشكل خاص كما هو واضح في كثير من المجتمعات. وتبدو الحالات التي يعرضها الكتاب لزوجات واخوات وبنات وأطفال تعرضوا للعنف الجسماني من قبل الرجل مستغلاً فيه حاجة المرأة الاقتصادية وعدم قدرتها في بعض الأحيان على الهروب أو إيجاد مأوى، أو عدم القدرة على ترك أطفالها، وقليلة جداً بل محدودة الحالات التي يتعرض فيها الرجل للعنف، بل قد تكون استثنائية. وإذا كان الضرب هو وسيلة الرجل لإفراغ شحنة العنف لديه فإن المرأة أحياناً تقابل الاعتداء بالبكاء والتوسل، أو الهروب، لكن البعض لم يعد يستسلم بسهولة بل تدافع الزوجة عن نفسها بقوة، وقد يتفوقن أحيانا على الزوج المعتدي، وقد اعترفت نساء بأنهن لا يجدن صعوبة في التغلب على الزوج المعتدي وخصوصاً إذا كان مخموراً. وتعلل الدراسات بأن مستوى التعليم متغير هام في دراسة العنف العائلي، وأن حوادث الضرب تكثر بين غير المتعلمين، أو الذين حصلوا على تعليم بسيط. وتشير نتائج بعض الدراسات ان غالبية مرتكبي العنف من الذكور صغار السن الذين تتراوح اعمارهم بين 15- 24سنة، لكن نتائج اخرى تقدم معلومات متباينة فقد وجد احد الباحثين ان غالبية الرجال الذين ضربوا زوجاتهم تراوحت اعمارهم ما بين الأربعين والخمسين. وضحايا العنف العائلي من الزوجات يعانين من الاكتئاب، ومن مختلف الأمراض النفسية، ويداومن على أخذ المهدئات والتردد على العيادات النفسية وأيضاً بعض الأزواج ومحاولات الانتحاريين الأزواج والزوجات أعلى منها في بقية فئات المجتمع. وقد يتحول الضرب إلى متعة بين الزوجين ويزيد من قوة الارتباط كما يقول الباحث لأن بعض الناس لديه قدرة عجيبة على التكيف مع الآلام والأحزان، فباحثة تروي عن حالة أسرة الزوج يضرب زوجته باستمرار، وفي كل زيارة تقوم بها الباحثة تقضي جزءاً من الوقت تتفرج على آثار الضرب على الزوجة وهما يتحدثان عنها بسهولة، ومع ذلك لا يطيق هذا الزوج أن تغيب زوجته عنه ولو لفترة قصيرة، ولم يخطر على بال الزوجة الابتعاد عن زوجها، وفي حالة أخرى كانت الزوجة هي المعتدية وبفأس، وصلت القضية للقضاء، وصدر الحكم بالحبس، حزن الزوج وقدم التماساً بالتنازل والإفراج عن زوجته وبأنه لا يطيق العيش بدونها\". وإذا كان الكتاب يتحدث عن حالات تمت عليها دراسات بحثية، فإنني أختم المقال بحالتين أعرضها الأولى لموظفة ومتعلمة تنقلب احوالها باستمرار إذا لم يضربها زوجها كل شهر أو شهرين لاعتقادها انه لم يعد يحبها على الإطلاق.. فضربه يعني لا يزال يحبها.. والأخرى أيضاً متعلمة يمارس عليها الزوج عنفاً نفسياً أقسى من الضرب الجسماني بسبب غيرته وشكوكه المريضة التي ليست في محلها، وهي تضربه بكل ما يقع في يدها، ومع ذلك لا يطيقان البعد عن بعضهما ولا يفكران في الانفصال. تظل الزوجة والأبناء وبالذات البنات هم الأكثر تعرضاً للعنف العائلي في الأسرة إما بالضرب أو التهديد بالضرب أو حبس الحرية أو الحرمان من الضروريات أو الطرد من المنزل. لكن يظل العنف النفسي من أقسى أنواع العنف التي تمارس ضد النساء. فالرجل قد يمارس على المرأة ابتزازاً مستمراً من خلال التهديد بأخذ الأبناء إن هي طالبت بحقوقها، أو فكرت في مغادرة المنزل رغم سوئه. فالزوجة تضطر للبقاء في منزلها وتحمل ومكابدة الألم من أجل أطفالها. يمارس الزوج اضطهاداً من عدة أنواع ضد الزوجة ولا يستطيع أن يقف في وجهه أحد طالما هناك أطفال، ولا يدفع الثمن سوى الزوجة وحدها. المشكلة ان المجتمع يتعامل مع هذه الأمور بعادية شديدة على اعتبار ان المرأة لابد أن تتحمل وتصبر. زوج مدمن يضرب زوجته، ويمتهن كرامتها ويعرضها مع أطفالها للمخاطر، وكل من في الحي يعرف ذلك، وتتحول الزوجة بفعله إلى هيكل عظمي متحرك على الأرض فاقد لكل أنواع الحياة والأمل. زوجة خالية من أي مظهر يجعلها امرأة، بل تحولت إلى إنسان صامت يعاني من عدة أمراض نفسية، تتحرك دون هوية أو وعي لمن حولها. المحصلة سنوات طويلة ظلت تركض في المحاكم بحثاً عن الطلاق وحضانة أطفالها، والرجل قد فصل من عمله بسبب إدمانه ومع ذلك لم تطلق بسهولة ولم يرتض هو الطلاق، بل هرب بأطفاله لشهور في منطقة لا تعرفها وعرضهم للخطر وعاش بهم في مكان غير آمن، والنتيجة طلقت لكن الأطفال معها اسمياً وهو قادرعلى أخذهم وتعذيبهم وتعريضهم للمهالك. والزوجة بقايا إنسان يغيب عنه أي ملمح من ملامح الإحساس. بل إنها تحتاج إلى علاج نفسي طويل لتستعيد توازنها. رجل آخر منذ أيام طارد زوجته في الشارع وخطفها وهي مع أطفالها في ليموزين وترك أطفالها في سيارته المتوقفة، وهرب بالزوجة من منتصف الطريق ما هذا الذي يجري؟ زوجة أخرى تحكي ان زوجها قد طلقها لكنه لا يفارق باب العمارة في حراسة مستمرة على الباب ليعرف أين تذهب وأين تغادر والتهديد أطفال في سن الحضانة. شابة لم تتعد الخامسة والعشرين مقبلة على الحياة.. ولديها طفلان في الثالثة والثانية من عمرهما. تقول انها اكتشفت بعد الزواج الذي فرحت به للخروج من سجن والدها العنيف والقاسي والذي يغلق الباب عليهم جميعاً ان الزوج لا يختلف عن الأب فهو طويل اليد يضربها بسبب وبدون سبب، ولا يتفاهم إلا بيده كما قال لها حتى مع اخواته .. في البدايات تقول خرجت إلى بيت أهلي، لكن والدي طردني، وقال لي إذا أردت ان تبقي فأعيدي أطفالك إليه. إضافة إلى سجن بيت والدي. لأن زوجي بعنفه، لا يمانع أن اذهب إلى الأسواق أو الملاهي أو المناسبات مع صديقاتي، أو بالليموزين فهذا الأمر لا يعنيه وفي النهاية اخترت الحرية مع الضرب وتعايشت مع وضعي وأنا الآن في اعتياد على ما أشعر به. زوجة في الأربعين منذ فترة وجدتها وهي تمسك بعصا فييدها ورجلها تلفها جبيرة كبيرة وعندما سألتها، ابتسمت وقالت لي سأحدثك بعد ذلك. أنا أعرف أن زوجها يضربها بعنف، ويمارس عليها ضغطاً نفسياً رهيباً وهي كما تقول ترتضي ذلك من أجل أبنائها. تسنى لنا الجلوس بعدها ففوجئت بها تقول ان زوجها قد كسر لها رجلها ودعس عليها بعنف ليزيد من تأديبها، وكان السبب تافهاً، وكشفت عن تحت إذنها لتريني ألواناً من الأزرق والأخضر وكدمات متعددة لضربه بها بالبوكس لأنها حاولت أن تضرب ابنتها. والغريب انها كانت تبتسم، وقالت عندما سألتها هل غادرت المنزل إلى بيت أهلك، اجابت لا الأمر عادي. بعدها بفترة عرفت ان بناتها الكبار في سن دون العشرين اصبحن يضربنها أيضاً وهي تتحمل، بحجة انها تريد ان تربيهن، وتخاف ان تترك البيت فتفسد البنتان، اللتان قامتا بالدور في الضرب بعد زواج الأب من أخرى. المشكلة هنا إدمان الضرب والاعتياد عليه والاستسلام له، وممارسة الحياة بعادية رغم كل هذا العنف. وضع هذه الزوجة وما تتعرض له من ايذاء جسدي عنيف ونفسي من بناتها يطرح اسئلة عديدة لعل أهمها من يحمي النساء من أنفسهن؟ ومن يوقف استمتاع بعضهن بالعنف بحجة حماية الأسرة؟ منذ سنوات نظمت الجمعية الخيرية الفيصلية بجدة أسبوعاً عن العنف العائلي، وكان عدد الحضور هائلاً، والمتحدثات عن مشاكلهن والمشاركات بأسئلة كثيرات من خلال ما يتعرضن له من عنف داخل الأسرة. واشتكت إحدى النساء من أن زوجها يضربها في أنصاف الليالي ولا تجد من ينقذها وهي وأطفالها. وطرحت مشكلة الشرطة، وكيف انها لا تتدخل في أمور كهذه على اعتبار أن ضرب الزوج للزوجة جزء من منظومة اجتماعية ترى أن لا شيء في ذلك. وأن الضرب أحياناً تأديب وتربية، وإعادة للطريق الصحيح. إذن من يحمي الزوجات من العنف غير المسبّب؟ لماذا لا تكون هناك أقسام لمعالجة مثل هذه المشاكل؟ وموظفات، وأخصائيات نفسيات وأيضاً نفسيون، مهمتهم مساعدة النساء المغلوبات على أمرهن. لأن العنف أحياناً يصل إلى القتل، والتعطيل أيضاً. لنتخيل زوجة يضربها زوجها ويحبسها ويطاردها. ان تشتكيه في القسم وماذا سيقول لها المسؤول إذا كان هو أصلاً لا يؤمن بحقوق النساء ويرى أن لا موقع لهن من الإعراب، ويحتقر وجود المرأة، ويرى أن رأيها لا قيمة له حتى وان أصبحت عالمة أو طبيبة أو مسؤولة قيادية، من منطلق ان الحرمة حرمة ولا أحد يسمع كلامها. ابن اعتدى على اخته في أحد الأيام وحاول ضربها وهي امرأة متزوجة وحضرت لزيارة أهلها وتصادف وجود اخيها المتزوج أيضاً ويسكن في بيت منفصل، لكنه يرى أن اخته مسؤولة عن مساعدته ومنحه شيئاً من راتبها الكبير وهو أيضاً موظف، ويفترض أن لا حاجة له إلى راتب اخته المسؤولة عن أسرة مع زوجها، وتعيش حياة هادئة، لكن شعوره المستمر انه كان يحصل على جزء من راتبها قبل زواجها، وتزوج أيضاً من راتبها، وأمن أشياء كثيرة في حياته من راتبها بمساعدة أمه، التي تؤمن بأن للولد حقوقاً على البنت، وهي في الأساس تفضله على البنات. هربت الأخت الكبيرة من أخيها الذي حاول ضربها واختبأت في أحد الغرف ودافع عنها والدها بقوة فهجم عليهما بعنف وأسال الدماء وحضرت الشرطة وذهبوا إلى القسم، وحكى الأب للضابط انه حاول في الأصل أن يضرب اخته وهي المحترمة أم الأولاد. فبادر الضابط فوراً: هل رأى عليها شيء؟؟ سؤال مفخخ يعطي المبرر لضرب النساء، والمسببات أيضاً، لم يسأل الضابط مثلاً عن ظروف الأخت الاجتماعية، عن سنها، عن تعليمها، عن ولي أمرها وهو الزوج الذي إذا جئنا للحقوق المغلوطة له حق الضرب إن رأى عليها شيئاً، ومن ثم الأقارب فرداً فرداً. هذه الاستهانة بمفهوم كرامة المرأة وحق الرجل في ضربها مهما كانت قرابته بدون وجه حق تجعل كثيراً من النساء لا يذهبن إلى أقسام الشرطة عند التعرض للعنف والايذاء الجسدي فمن هو المنصف إذا الأهل قد جاروا؟ التأسيس لمفهوم قانوني وسلطوي جديد يحكم العلاقة بين أفراد الأسرة تحت مظلة حماية مجتمعية تحمي الأفراد من بعضهم، ومن تعسف فرد أقوى على آخر ضعيف أصبح الآن هو الأهم، في ظل أن المرأة بالتحديد أصبحت محور هذا العنف دون أي قدرة على المواجهة أو التصدي، مع قبول صامت داخل المجتمع بما يجري بحجة حماية الأسر من التشتت أو عدم افشاء أسرار كل أسرة خارج اطارها. والمشكلة أن العنف يتجذر ويزداد كلما صمت الطرف الآخر وكلما زاد الاضطهاد له، لأن من يستخدم العنف يشعر أن لا أحد يستطيع أن يقف في طريقه أو يردعه وحتى من هم خارج اطار الأسرة قد لا يعجبهم أن تحكي امرأة عما تتعرض له من عنف من زوجها أو اخيها، أو أبيها، على اعتبار انها لا تستر على أهلها. وينسى هؤلاء أن أغلب النساء اللاتي تعرضن للعنف اصبن بآلام نفسية واكتئاب دون أن يتحرك أحد لإنقاذهن. فالحريم ما لهم إلا الضرب.
أرسلت في Monday, March 01 بواسطة المشرف العام
المراجع
www.swmsa.net/articles.php?action=show&id=1269موسوعة الأبحاث العلمية
التصانيف
تصنيف :الأبحاث