وراء السراب قليلاروايةابراهيم درغوثي / تونسالباب الثالثو فيه حكاية الرجال دوي القرون و ما جرى لهم من غرائب.و أخبار عن الزنوج الذي حررهم ' الباي ' من العبودية ب ' فرمان ' أميري . و كيف رد العبيد إلى ' باي ' تونس حرية لا يعرفون ماذا يصنعون بها.و ملح و غرائب و طرائف أخرى.( 1 )فجرا ، قام ' عزيز ' من سريره و كأنه لم ينم دقيقة واحدة . سمع المؤذن ينادي لصلاة الصبح فتوضأ و قصد المسجد . وصل و الإمام لم ينته بعد من قراءة الفاتحة فالتحق بالصفوف الخلفية للمصلين و كبر ثم أنصت للقراءة المرتلة :قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدادا
- قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمكن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا.و خرج من المسجد وهو يحث الخطى . قصد بيته لعله ينعم ببعض الراحة قبل طلوع الشمس . استمع إلى وقع خطى وراءه فظل يمشي.و ظلت الخطوات تلاحقه إلى أن وقف أمام بيته فبادره صوت بالسؤال :- سيدي ، هل هذا بيت ' سلطان ' سيد ' عتيقة ' السابق؟- نعم ، و لكن ماذا تريد من قصر ' سلطان '؟و التفت يستجلي الأمر.رأى رجلا أسود يقف أمامه. رجل يلبس بدلة أنيقة و يضع ربطة عنق.اقترب منه الرجل و مد يده مسلما.- صباح الخير سيدي . اسمي سعد بن مسعود الشوشان.وضغط الرجل على يد ' عزيز ' بود وهو يتفرس في وجهه.- هذا هو أنت . ' عزيز ' السلطاني كما عهدتك أيام الصبا.و أمعن ' عزيز ' النظر في وجه الرجل وهو يردد:- سعد . أنت سعد بن العم مسعود . يا الله . كم هي غريبة هذه الدنيا .واحتضنه بود بين يديه ، مسلما عليه ، سائلا عن أحواله . فأعلمه الرجل بأنه وصل منذ أيام من فرنسا و أنه جاء إلى ' عتيقة ' يبحث عن عبق الذكرى و عن مفتاح قبور الأهل الذين تركهم وراءه في الصحراء أيام المتاهة.و استقبل ' عزيز ' صديقه القديم في القصر السلطاني ، و أكرم وفادته فذبح له تيسا أسود ، و فتح في وجهه أبواب البيوت المنغلقة منذ هجرة أجداده . طافا بالحجرات بيتا بيتا و هما يبسملان و ينفضان الغبار عن الحكايات القديمة :- أتذكر يا ' عزيز ' يوم تسابقنا في هذه الساحة للفةز بهدايا عيد 'فرعون ' فغلبتني فدفعتك فوقعت على الأرض فجرحت في ركبتك جرحا بليغا فبكيت ولم تقدر على الوقوف فتفلت أمي بين أصابعها و مسحت على جرحك فقمت واقفا و كأن الضر لم يمسسك منذ حين.فعاد ' عزيز ' إلى جرحه يكشف عنه و يبتسم .نعم يا ' سعد ' ها هو ذا الجرح . لقد تحول إلى ضفيرة بالية تؤلمني كلما تذكرت تلك الأيام.و دخلا إلى دار عراف العبيد ، فوجدا طبلا يتوسط الدار.الطبل كبير . تشد جلده حبال غليظة شدا محكما .اقترب الرجلان من الطبل . رأى 'سعد' عصا ملقاة قرب الركن فأمسك بها و بدأ في قرع الطبل. دق على الطبل برفق دقات عديدة و كأنه يختبر الجلد الهرم فأجابه الجلد أن اضرب بعصاك الطبل و لا تخف فدقه بعنف وهو على الأرض ، ثم علق حبل الطبل في عنقه و خرج إلى ساحة المنزل . رقص رقصات مجنونة فتحلق حوله الزنوج بصفقون . جاؤوا من كل مكان . خرجوا من تحت الأرض ومن بين شقوق الجدران . حضروا الحفل ثم ذابوا مع أصوات الدق على الطبل التي خفتت شيئا فشيئا إلى أن تلاشت في الأثير(2)و نادي عمي الأكبر العبيد الذين ورثهم عن جدي و قال لهم :- دقوا طبول الحزن هذا اليوم ففي الغد لن يكون لي سلطان عليكم.و لم يفهم العبيد مغزى كلامه و لكنهم أخرجوا الطبول الكبيرة و أشعلوا نارا لتسخين جلودها ثم حملوها على رؤوسهم و بدأوا في قرعها بعصي غليظة . و نز العرق من الأجساد اللماعة كحبات الزيتون فتفنن الرجال في استخراج ألحان حزينة من تحت الجلود المشدودة شدا عنيفا بحبال المسد.و دار العبيد حول تمثال الجدة سبع دورات . رقصوا رقصا محموما كأنهم مردة من جان ثم خرجوا إلى الساحة . داروا فيها حتى التهبت الشمس في السماء فذهبوا يجوبون أزقة القرية . خرجت النساء لاستقبالهم نادبات ، نائحات ، لاطمات وجوههن و صدورهن.قال لهم شيخ العبيد :- هذا طبل ' سلطان ' سيدنا ، نقرعة اليوم للذكرىوواصل الطواف حول أسوار القرية.و قال لقارعي الطبول :- هذا باب النصر ، سلام عليه، ادخلوا منه آمنين. و هذا باب هزيمتنا، لا حياه الله ، سنخرج منه قريبا.و تجمع الرجال و الأطفال و النساء و الشيوخ حول جوقة العبيد ، فرفع عرافهم رأسه و أشار إلى : ' لا غالب إلا الله ' المنقولة من ديار الأندلس و المنقوشة بخط كوفي أنيق أعلى أبواب السور . و لم يفهم الرجال معنى الإشارة لكنهم رفعوا طبولهم فوق رؤوسهم و قرعوها عنيفا تحية لتلك النمنمة ، ثم هجعوا و ناموا تحت السور.حين أفاقوا ، أخرج كبيرهم من طيات ثيابه سكينا تلمع و بقر بطون الطبول . كان شرسا وهو يبعج بالسكين أصداء الفجيعة و الهوان . ثم ذهب إلى الجبانة ، دفن السكين في قبر مهمل و عاد إلى الدار و قد نبت في رأسه قرنان كقرني الثور.كان خائفا و مهزوزا وهو يجتاز العتبة . لكن خوفه زال حين رأى القرون نابتة فوق رؤوس كل رجال القرية . قرون اختلفت حسب الوجاهة و المكانة السامية . فمنهم من كان أقرن كالكبش الذي أنزله الرب على سيدنا إبراهيم الخليل فداء لجدنا إسماعيل . و منهم من كان له قرنان صغيران كقرني الحمل . و بين هذا وذاك عامة الرجال الذين حملوا قرونا كقرون الخرفان و الجديان و التيوس . رآهم يتحسسون القرون و هم بين مصدق و مكذب . ثم حاولوا قلعها . حركوها يمنة و يسرة . ضربوها بأيديهم . نطحوا بها الحيطان ، و لكن بدون طائل . و حين أعيتهم الحيلة ، صاروا يتبارون في إخفاء القرون تحت العمامات الكبيرة . و سكن قلوبهم الهلع ، فجروا إلى الدور يحكمون إغلاق أبوابها و يرقبون طلوع النهار لعلهم يخرجون سالمين من من هذا الكابوس.( 3 )ظل العبيد في دورهم إلى أن جمعهم عمي في السقيفة ، تفقدهم بنظرة واحدة و عدهم . لم يبق سوى عشرة رجال أشداء و عشر نساء فارعات الطول و عدد لا يحصى من الأولاد و البنات و بضعة شيوخ و ثلاث عجائز.قال : ' أين البقية ؟ 'فرد عليه شيخهم: : ' بنى برؤوسهم قائد الوجق الدكة التي حاكم فوقها سيد هذا القصر .' و صمت.و ظل العبيد واقفين يترقبون الأوامر ، لكن عمي لم يكلمهم . كان ساهما يخطط بعود على تراب السقيفة ، ثم فجأة طلب أن يصرف الأطفال الذين ملوا الوقوف و الصمت . أشار إليهم الجد فخرجوا ضاجين بالضحك . و عاد العم يخطط على التراب أشكالا هندسية و كلمات بلا معنى ثم طلب من العم ' مسعود ' أن يقترب منه . قال له :أنت يا شيخ حكيم هذه الأمة – أمة السودان – و صاحب الرأي و التدبير فهل لك في الاستماع إلى كلامي لعلك تحسن تبليغه لقومك . و طلب منه أن يجلس. لكن الرجل رفض الجلوس بين يديه . و ألح العم في طلبه ، فجلس العبد قريبا من قدميه على أطراف الفرش.قال عمي : ناديتك يا شبخ العبيد لأعلمك بفرمان الباي الذي يطلب فيه من الأسياد تحرير عبيدهم و يمنع فيه – تحت طائلة الحبس – الرق و تمليك النفس البشرية لغير الله . و قال عمي كلاما كثيرا حول المساواة بين بني البشر و أنه لا فرق بين أبيض و أسود إلا بما كسبت النفس الأمارة بالسوء . و قال إن بلالا الحبشي سيؤذن في الجنة و سيداعى لصوته الشجي كل المؤمنين من عرب و أعاجم : فرس و روم و فرنسيس وطليان و صقلب و طليان و بلغار وزنج و من بني الأحمر و الأصفر و غيرهم من أمم الأرض قاطبة . كلهم سيستجيبون لنداء بلال الأسود الذي سيقيم الصلاة وراء النبي الأمي و سيرفع نداء ' الله أكبر ' في أرجاء الجنة .و لم يفهم شيخ العبيد حديث العم فظل صامتا بينما العم يحكي عن فرق الخيالة التي طول الإيالة و عرضها لتتثبت من تطبيق هذه القوانين العلية و الأوامر السنية.و لم يدر الرجل بماذا يجيب ، فالتفت إلى بنيه و أحفاده يستشيرهم في الرد على هذا الكلام . فنكس الجماعة رؤوسهم و قال قائلهم :- هذه بلية حلت بنا و إنا لصابرون.و قال العم :- الباي يهبكم الحرية يا عبيدي ، فاضربوا في الأرض آمنين.قال الجد :- إنا لن نغادر دارك إلا إلى القبر يا سيدنا فاردد على باي تونس حريته.لكن عمي الخائف من أن تنصب له دكة جديدة في الساحة العامة رفض رد شيخ العبيد و أمهله و قومه ليلة يجمعون فيها أدباشهم و يودعون أحبابهم ليذهبوا بعد ذلك إلى الحرية خفافا كغزلان الصحراء.و انفلتت عجوز من ركن قصي من أركان السقيفة ، جرت عنيفة و ارتمت في حجر عمي وراحت تقبل يديه و تبكي ثم أخرجت من صدرها ثديها و قالت :- أحلفك بالحليب الذي رضعته من هذا الثدي ألا تمي بنا إلى الحرية التي لا نعرف ماذا نفعل بها .فرد عمي :- هي يا أمي أوامر الياي و إني لا أقدر على عصيانه .و لعن العبيد الباي و خرجوا من السقيفة و قد تداعوا إلى اجتماع عام في دار العراف.( 4 )و كبرت المناحة . ارتفع العويل و البكاء في كل البوت القريبة . فكلما اقترب موعد مغادرة عبيدنا للقصر حط الحزن أكثر في كل مكان . الحرائر يتبادلن مع الزنجيات تمائم السعد و عقود الخرز الملون و الودع اللماع . و الشيوخ يهبون للشابات عود القماري و قطعا من جلد التمساح و قشورا من بيض النعام و عاجا من أنياب الفيل و ماء من بحيرات إفريقيا. و أطفال الزنوج يهربون من مكان تجميعهم و يلجؤون إلى السطوح و المخابئ التي وفرناها لهم في أقبية القصر . كنا ندس في جيوبهم كل ما يصادف طريقنا ، التمر المجفف و حبات اللوز المقشر و الزبيب و أقلام القصب و مصاحف القرآن و حكايات العفاريت و النكت الماجنة و الذكريات ...وكانوا يبكون و يضحكون ، يهمسون و يصرخون ، يقتربون و يبتعدون ، إلى أن وقف شيخ العبيد في الساحة العامة و نفخ في بوقه فتنادى السودان من كل مكان ، من دار جدي و من دور الموسرين الذين ملكوا العبيد ذات يوم . تجكعوا في الساحة و خرجوا في مظاهرة احتجاج كبيرة . طافوا في الشوارع كامل الصباح ثم قصدوا دار ' الوالي ' الجديد و هم يقرعون طبولهم و ينفخون في مزاميرهم و يحرقون البخور و يرقصون رقصات مجنونة . ظلوا في هذا الصخب إلى أن خرج لهم ' الوالي' . وقف في شرفة قصره محاطا بجنود مدججين بالبواريد التركية و الانضباط . رأى الرجال ظل ابتسامة ساخرة عالقة بين شفتيه حين حمد الله و صلى على رسوله ثم مجد سيدنا و مولانا ' باي ' تونس و دعا له بالعز والرفعة و طول العمر و السؤدد ثم طلب من العبيد أن يتفرقوا . قال لهم إن لنا في رسول الله أسوة حسنة ، اذهبوا فأنتم الطلقاء. لكن العبيد لم يبرحوا المكان . وعادوا إلى اللغط و الهياج . و صاح شيخهم:- قل لسيدنا لا حاجة لنا بحريته ، و اطلب منه أن يسمح لنا بالعودة إلى أسيادنا.و أسقط في يدي الوالي . لم يدر بماذا يجيب هؤلاء الرجال الذين يرفضون حرية وهبها لهم سيدهم . ارتبك في وقفته ثم استل من جنبيته بارودة قصيرة وصار يطلق في الهواء طلقات طائشة و هو يعوي كالذئب المجروح ، فخرج جنوده من كل الأمكنة ، فكأن الأرض انشقت و دفعت بهم دفعا إلى ظهرها . و انهال خيالة الوالي و مشاته على الرافضين لنعمة مولانا ' الباي ' ففروا هاربين في كل الاتجاهات. تدافعوا و تصايحوا و سقط الشيوخ على الأرض فتناوشتهم الأقدام و الهراوات و لذيء الكلام . و غابت شمس اليوم كاسفة وراء هامات النخيل.ووجد العبيد أنفسهم في العراء ، فباتوا ليلتهم الأولى تحت الأسوار يشعلون النيران لعلها تصنع لهم دفئا ، و يرددون نبوءات العراف :' اليوم سنولد من جديد و سنبدأ حياة أخرى .'( 5 )و مرت الأيام بطيئة على العبيد الذين حررهم ' فرمان ' الباي فلا هم قادرون على العودة إلى القرية و لا بمستطاعهم بداية مشوار الحياة الجديدة التي وعدهم بها العراف.حاولوا مرات عديدة الاقتراب من الأبواب فمنعهم الحراس من تخطيها . ضربوهم بالهراوات و رشوهم بالزيت الحامي . حرق الزيت جلودهم ففروا إلى البساتين القريبة من الأسوار و بدأوا في قطع الطرق على الأسياد . نظم الشبان كمائن لخيالة الوالي و أغاروا على الفلاحين العاملين في الواحة . و بلغ خبر ثورة العبيد فرسان الباي فتداعوا من كل مكان . حاصروا الواحة مدة أسبوع و ألقوا القبض على مثيري الفتنة . صلبوا ثلاثة منهم على جذوع النخيل ثم جمعوا البقية في قافلة و رحلوهم إلى قلب الصحراء.قال لهم قائد الفرسان:- ستصنعون سعادتكم في واحة جديدة تزرعون في سرابها المخل و التين و الزيتون و الرمان و الورد وخد بوقرعون .و ساق الجمال المحملة بمتاع العبيد . سارت القافلة نحو جنوب الجنوب مخفورة بفرسان الباي إلى أن بلغت نبع ماء شحيح فقال القائد لأمة السودان :- هنا لن يستعبدكم أحد بعد الآن .و ابتلعه و جنده السراب. و ضاع الغبار الذي أثارته الخيول في الأفق الرحيب. و لف المكان صمت كصمت المقابر المهجورة . و انحدرت الشمس ببطء من السماء ثم هوت في فم الصحراء الواسع كجب بلا قرار.اتجه العراف نحو النبع ووقف على كثيب الرمل المشرف على الماء و أخرج من قميصه الداخلي عود حطب أملس ووترا . شد الوتر و أقعى يجمع قبضة من الحشائش اليابسة . ثم حرك الوتر جيئة و ذهابا على العود حتى اشتعلت النار فوضع على الشرارة الأعشاب اليابسة و حمل النيران الملتهبة فوق كف يده اليمنى و مشى فوق ماء النبع حتى قطعه و قصد الجهة الأخرى من الكثيب . ثم أخرج قوسه و شد إليها سهما وشد القوس بعنف ثم سدد نحو قلب النبع فنفر الماء و علا حتى كاد يبلغ عنان السماء.وارتفع هتاف العبيد و صياحهم و صخبهم و أخرجوا طبولهم و انهمكوا في قرعها بعنف المحرومين من السعادة حتى أنهكهم التعب فارتموا على الرمل ينخرون و يشخرون.و أخرج الأطفال من جيوبهم الحلوى و اللوز المقشر و الزبيب و اللحم المقدد فشووا اللحم على كف العراف و أطعموا القبيلة حتى شبعت ثم شربوا من ماء زمزم و ناموا على حافة السراب.( 6 )نبع الماء قريب من طريق قديمة تمر منها القوافل الذاهبة من بلاد نفزاوة * إلى غدامس
- . و القوافل تريح جمالها هناك عند النبع ، فنبت على جنباته نخل هو الآن قد استطال و مد أعناقه إلى السماء.كانت نخلات النبع حين أفاق أطفال أمة السودان شبيهات بعجائز قد هزلن ورققن حتى صرن كالعيدان اليابسة . و علتهن رؤوس صغيرة جرباء منتوفة الجريد . جرى الأطفال ناحية النخل . التقطوا بعض التمرات اليابسة التي أكل الطير و الجراد أكثرها فنفضوها مما علق بها من رمل ثم التهموها و هم يهمهمون و يبكون ، ثم كرعوا من ماء النبع و عادوا إلى قيروانهم . و جد الأطفال الرجال ينصبون الخيام فمدوا أيديهم الصغيرة للمساعدة . دقوا الأوتاد و ربطوا الحبال و كدسوا جلود الماعز و الخرفان و الخرق القديمة فوق أسقف الأكواخ ثم تكوموا قريبا من بقع الظل الشحيحة و أخرجوا من صدورهم الحكايات التي طالما سمعوها من الجدات في ليالي الشتاء في القصر الكبير .و هاجت الرمال عنيفة و غطت عين الشمس . و نفخت الريح حارة كأنها خرجت لتوها من أفواه الجحيم ، فتذكر الأطفال مياه القرب الياردة . و لعن الكبار فرمان باي تونس.
الباب الرابعفي ذكر الحوادث و الماجريات التي وقعت ل' عزيز ' بعد أن طار حصان أبيه بألف جناح . و تفصيل وقائع هروب أمه ' ريحانة ' إلى قصر الوالي الجديد . و أخبار عن موت أخيه و فرار زوجة أبيه من القصر.( 1 )بعد أن غادر جند ' الباي ' القرية سكنت الفجيعة أزقتها عاما كاملا.سكتت الكلاب على النباح .و ما عادت طيور الحمام تهزج على القراميد.و لم يدق طبل.و لم يرتفع موال.إلى أن فاجأت أمي الجميع بزواجها من الوالي الجديد بعد أعدت الصفقة في الخفاء. تنكرت أخت الوالي في ثياب بائعة جوالة و جاءت إلى دارنا المجللة حيطانها بالقطران . وقفت المرأة أمام الأبواب التي ما عادت تفتح حتى ركبها الصدأ ثم بدأت تشهر بضائعها بصوت محايد . أطل خادم من أعلى السطوح و طردها فذهبت دون أن تلتفت وراءها. و عادت في اليوم الثاني تقف تحت الأسوار و تنادي بصوت مسكين هز قلوب نساء القصر . و عاد الخادم يغلظ لها في القول . و عرفت أمي صوت المرأة و لم تجرؤ على الكلام . و غاب صوت البائعة الجوالة أسبوعا ثم عاد يرن داخل أرجاء القصر الصامت . تشاورت نساء القصر فيما بينهن و طلبن من الخادم أن يدخل المرأة خلسة من باب العبيد . فقال إن الأمر صعب و إن الرجال حجروا دخول القصر على الغرباء إلا بإذن خاص و إنه يجازف بقطع رقبته. فدست أمي في يده حفنة من النقود ، فوافق و أدخل العجوز من باب سري يفتح على الإسطبلات.عرضت البائعة على نساء القصر فساتين الحرير و عطور الهند و جواهر كثيرة و ما لا عين رأت و تركت لهن البضائع يجربنها و يلهون بها و اختلف بأمي ساعة من الزمن.سمعت من وراء الباب الموصد وشوشات المرأة التي ما أن اختلت بأمي حتى احتضنتها و صارت تقبل وجنتيها و يديها و تبكي . و أمعنت النظر من ثقب الباب . تطلعت إلى البائعة الجوالة فبهرني جمالها . كانت وهي تنزع الخمار عن وجهها و تستقيم في جلستها و تضع الوسائد وراء ظهرها و تحكي مع أمي كأنها تكلم صديقة عمرها . و كانت أمي تستجيب لنداءاتها و تضحك لضحكاتها و تمسك يدها الصغيرة و تضمها إلى صدرها في حنان و لطف .ثم خرجت البائعة الجوالة من الدار . لم تلتفت إلى البضائع التي جاءت بها في قفتها و غادرت القصر وهب تتكئ على عصاها و تحرك رجليها بمشقة عجوز في السبعين .و تحول وجه أمي وهي تودع المرأة إلى الأحمر القاني فكأنها قد عادت إلى عمر الصبا.و عرفت أن أمرا خطيرا سيحدث في البيت.( 2 )مات أبي و ترك لأمي كنزا توارثه عن أجداده.ليلة هجوم جند الباي على القصر ناداها إلى مقصورته . تحدث معها طويلا . قال لها إنه يعرف أنها لا تحبه و أنه اغتصب قلبها لأنها ابنة عمه و من العار أن تتزوج غريبا وابن عمها في الدار.بكت أمي وهي تستقبل حنان أبي لأول مرة وحاولت فتح قلبها لهذا الحنان الذي وصل متأخرا جدا لكنه ظل موصدا وراء أقفاله الصدئة .و لم يدم اللقاء طويلا.قاد أبي أمي من يدها ة أوصلها إلى الإسطبلات ثم أخرج من جرابه فأسا صغيرة و حفر حفرة صغيرة في الركن الغربي من الإسطبل ة قال لها : - هنا يرقد صندوق فيه قطع ذهبية ورثتها عن جدتي . هي لك و لولدك فلا تفرطي فيها لأحد . اتركيها الآن في هذا المكان و لا تعودي إليها حتى تفوت هذه الغمة. ووقعت الواقعة …و دللتني أمي رغم عنف المعارضة التي لقيتها من أعمامي . كانوا يعرفون أنها تمتلك مفتاح الكنز فلم يفكروا في قتلها . قال كبيرهم :- أتركوا الأمر لي فأنا أعرف كيف أستخرج من جوفها السر المكنون .و أخذها باللين ثم بالشدة فلم يحصل منها على شيء . و عرض عليها أن يطلق نساءه الأربع و أن يتزوجها و يرحل بها إلى تونس فقالت له إنها عازفة عن الزواج . و هددها بالقتل فعرت له عنقها الجميل ، فغض بصره و لعن الشيطان و ضرب حولها حصارا و كلف بها عيون القصر ترعاها ليلا و نهارا.و طلبت أمي رجال العلم فجاؤوا إلى دارنا.وضعوا كتب التدريس فوق الموائد ، قريبا مني و قرأوا على مسامعي علوم النحو و الصرف و الجبر و الهندسة و علم الميكانيكا و علوم الدين : القرآن و الحديث و الصرف و الجبر و الفقه و التجويد ، و التاريخ و الجغرافيا.ثم صاروا يحكون لي عن هارون الرشيد و يقرأون لي من أشعار أبي مواس و بشار بن برد و المعري و أهدوني رحلات السندباد البحري و مقامات الهمذاني و بخلاء الجاحظ و لزوم ما لا يلزم . و كانت أمي تدس في جيوبهم الذهب و تسخر من أعمامي و ترقب ساعة الخلاص ، إلى أن جاء اليوم الموعود.في الصباح ، سمعنا قصفا كقصف الرعود و رأينا عمودا من الدخان يصعد نحو السماء، يظهر ثم يغيب فجأة وراء الجبل.جرت القرية برجالها و نسائها و شيوخها و أطفالها و كلابها وحميرها نحو مصدر الصوت . و لم يبق خلف الأسوار سوى نساء قصرنا و رجل يتنمر على ظهر جواد.اشتاقت النساء للفرجة على أعجوبة الكفار و لكنهن كن خائفات من بطش أعمامي فأوصينني بأن أشاهد لهن هذا الوحش الذي يحمل في بطنه الرجال و الدواب ليطوي بهم المسافات البعيدة و لا يتعب. وعدتهن خيرا ثم قفزت خارج الأسوار بعد أن قدمت رشوة لحارس باب الخدم: خبزة كبيرة مرشوشة باللوز و الفستق كانت زوجة أبي قد مهرت في صنعها. فألبسني الحارس كدرون ابنه و طلب مني ألا أتأخر كثيرا .كنت قد ابتعدت مسافة عن القصر حين وصلني نداء أمي ملحاحا . التفت فرأيتها تلوح لي فوق الأسوار ، فلوحت لها بيدي و جريت باتجاه الجبل تقودني حاسة السمع إلى أن رأيت بناية عالية تجمع حولها خلق كثير . و سمعت هرجا و مرجا و بكاء أطفال و تسبيح شيوخ تتدلى من ذقونهم اللحي حتى الصدور و ضرب على البنادير و تهليل و تكبير ... ثم ظهرت في الأفق البعيد نقطة سوداء بدأت تكبر و تكبر و تهجم باتجاه الجمهور الذي تجمع تحت البناية. و ملأ الضجيج و الدخان المكان ثم انبعث من الوحش صوت أجش و صفير مبحوح يصم الآذان.و اقترب الوحش الذي كان يدب على خطين من الحديد مني حتى كاد يلامسني ثم توقف فجأة و نغث دخانا أسود و همدت حركته . رأيت شيطانا يخرج من جوفه و يقترب مني قفزا ثم يحملني بين يديه و يرفعني عاليا حتى كدت ألامس السماء ثم وضعني على الأرض بعيدا عن سكة الحديد.التفت يمينا و شمالا فلم أجد أحدا في الساحة . تفرق الخلق المذعور في كل الاتجاهات. فر الناس من أمام وحش الحديد و امتلأ المكان بالرهبة.يومها ، فرت أمي من القصر و من قسوة الأعمام. ربطت حبلا في سارية مدقوقة أعلى السور و تدلت حتى وصلت ظهر حصان الوالي الجديد. و نفر الحصان يعدو في أزقة القرية الخالية.كان الوالي يتشهى أمي و هي طفلة . رأى في منامه أن جدي قد وهبه نبتة فل من بستان فصرنا فجمع أهل بيته و طرق باب الجد طالبا يد ' ريحانة ' لكن الجد شتم شجرة عائلته و أطلق وراءه كلاب القصر و عبيده.( 3 )عشت في حجر زوجة أبي خمس سنوات بعد فرار أمي.يسطت علي المرأة الغريبة حمايتها و هددت أعمامي إن هم مسوني بسوء أن تنشر في القرية ما لا يرغبون في سماعه . فخافوا و تركوني لها.صرت أنام معها و مع ابنها في فراش واحد . ترقدنا على جانبي السرير و تضطجع في الوسط و تحكي لنا حكايات عجيبة.هي لا تمل الحكي حتى ننام فتذهب إلى حيث لا يعلم أحد و لا تعود إلا حين يفلق الضوء صدر السماء . فتنام حتى منتصف النهار.حكت لنا عن مدن غريبة جبالها من ذهب و سماؤها زمردة خضراء و رجالها و نساؤها أجمل من الملائكة . إذا اشتهوا الأكل تنصب أمامهم موائد الملوك . و إذا تمنوا الكساء تتغطى أجسامهم بالحرير و الدمقس.و نسألها إن كانت هذه المدن قريبة من قريتنا ، فتغمض عينبها و تقول :- إنها بعيدة جدا . أبعد مما تتصورون .و نقول : - هل هي وراء الجبل الأجرد؟فترد:- أبعد...أبعد كثيرا...و تتنهد. و تواصل كمن يحدث نفسه. تحكي عن هذه المدن التي عاشت فيها مع أبينا قبل أن تستقر في هذه البلاد المسكونة بالرمال و الفجيعة. و على العكس مما تصور الجميع لم تترك زوجة أبي القصر و ظلت تقف على السطوح كل فجر ترقب عودة حصان أبي من سفره الأخير.ثم مات ابنها فجأة و بدون مقدمات. فقد عادت الحياة إلى القرية و نسي الأهالي جند الباي و نسي أعمامي فجيعتهم في والدي و حضروا زفاف ابن عمي على إحدى قريباتي . و انهمكت مع الأطفال في اللعب تحت جبل من الرمل و الحصى. تجمع أطفال حينا و أطفال الأحياء القريبة على ضربات الطبل و تكدسوا تحت الجبل يحفرون نفقا . ملأنا السلال بالرمل الذهبي و غطينا بها تراب الحوش الذي بلله المطر و حوله إلى وحل يلتصق بالأرجل و يلطخ الثياب الجديدة ببقع رمادية قبيحة . ثم لعبنا بعد العشاء لعبة الغميضى . اختفى أخي في النفق و جاراه الأطفال الآخرون . و تكررت اللعبة حتى أصابنا الضجر فتركناها إلى لعبة أخرى. ثم تفرق الجميع و عاد الأطفال إلى منازلهم بعد أن لطخ ابن عمي القماش الأبيض المدسوس تحت كفل العروس بالدم. فلعلع الرصاص و زغردت النسوة ابتهاجا للشرف الرفيع.و هدأت الحركة في الحي فعدت إلى دارنا . وجدت زوجة أبي نائمة فتمددت في مكاني حذرا حتى لا أشوش أحلامها و همدت بسرعة فقد أنهكني تعب اليوم الذي هرب.أفقت على لمسات على شعر رأس . كانت زوجة أبي تفرق بيني و بين ابنها بلمس شعر كلينا. شعر أخي سبط رقيق كالحرير و شعري خشن ورثته عن أجدادي الذين هجوا منذ ألف سنة من صعيد مصر و قطعوا البرور البعيدة ليستقروا في هذه الواحة الصحراوية . لمست المرأة الشعر الخشن ثم بحركة لا إرادية لمست الجهة الأخرى . لم تجد أثرا للشعر الحريري فطار النوم من عينيها و صارت تخبط في كل الاتجاهات . ثم قامت واقفة . أشعلت قنديل الزيت المعلق بحبل وسط الدار و بحثت بعينيها عن الصغير.بحثت تحت السرير ووراء الخزائن ووسط الصناديق و لكنها لم تجده . ظنت أنني تواطأت معه و ساعدته كعادتي على الاختباء في مكان لا يخطر على بالها . خضتني فأفقت مذعورا . سألتني عن أخي فقلت لها و أنا أغالب النعاس أن آخر عهدي به كان وهو يلعب مع الأطفال في ساحة الحي . و علا شخيري من جديد.تركت المرأة الدار كالمجنونة ورفعت صوتها بالعويل . فأفاق الخدم و قاموا مذعورين . طلبت منهم أن يبحثوا معها عل الصبي قكثر الصياح و ارتفعت النداءات في كل مكان ، و لا مجيب إلى أن وصل الأعمام فعم الذعر و الارتباك الجميع و فاحت رائحة فجيعة جديدة في القصر.و عاد الأعمام يستجوبون الأطفال فعرفوا منهم أنه كان يلعب قرب النفق الذي حفروه لجلب الرمل لحوش العرس . فجرى الأعمام باتجاه النفق و جرى وراءهم الخدم و الجيران . وصلت الأم قبل الجميع و بدأت تحفر . حفرت بيديها و رجليها و بكامل بدنها و قفاف الرمل بعيدا . قذفت به إلى أبعد من تخوم الصحراء الكبرى . وحفر الرجال بالفؤوس و الرفوش و المساحي إلى أن اصطكت فأس بخلخال الصبي.كانت زوجة أبي تريد أن تغالط الموت .الموت الذي يعشق الأولاد و لا يبالي بالإناث .لكن الموت عرف طريقه هذه المرة .عرف طريف ابنها و لم تنجح حيلة الأم.دفعت الأم الخدم و الأعمام بعيدا ثم عرت الرجل برفق و قبلت الخلخال ثم مسحت الرمل عن الفخذ و البطن و الصدر و الوجه و نفضت التراب عن الفم و الأنف و الشعر و العينين و قبلت وجنتيه و الخال المرسوم على صفحة الخد ثم وضعت سبابتها على شفتيها و أشارت إلى الحاضرين أن يصمتوا حتى لا يوقظوا الصبي النائم . و عادت إلى البيت.مالت عنق الطفل مرة إلى اليمين و مرة إلى الشمال فأعادتها المرأة برفق إلى صدرها و مشت إلى أن وصلت إلى البيت فوضعت الطفل على يمينها واضطجعت في وسط السرير و نادتني . طلبت مني أن أطفئ ضوء القنديل المعلق وسط الغرفة و أن أملأ المكان الشاغر على يسارها . رأيت عمي يشير لي بعينيه أن نفذ رغبة زوجة أبيك فامتثلت للأمر .بعد مدة أحسست بها تلمس شعر رأسي و بدأت حكاياتها عن المدن البعيدة.في الصباح ، أفاقت زوجة أبي باكرا . أيقضها ضجيج الأعمام و هم يجهزون الطفل للدفن فوضعت ثيابها و مجوهراتها في حقيبة و صعدت إلى سطح القصر. قالت لأعمامي أنها تترقب الحصان المجنح الذي سينقلها إلى مدينتها البعيدة. و لما طلع قرض الشمس ولم يظهر الحصان طلبت مني أن أحمل لها حقيبتها و أن أرافقها إلى محطة القطار.و لم يبق لنا من ذكرى زوجة أبي سوى بكاء الأجنة الذين زرعهم أعمامي في رحمها و دفنتهم أحياء في بيوت القصر المهجورة.
- رواية
- ابراهيم درغوثي
- الجزء الثالث والرابع
المراجع
موسوعة الصداقة الثقافية
التصانيف
تصنيف :ثقافة