الباب الخامسو فيه قصة استعادة ' ريحانة ' لعزيزها من أعمامه ، و تفاصيل عن الحمائم ذات الوجوه الآدمية . و أوائل منسوبة إلى ' عزيز السلطاني ' في التهتك و الفجور.كما يروي لنا تفاصيل عن لقاء العزيز بزوجة أبيه في ' الدار الكبيرة ' بمدينة ' صفاقس ' المعمورة' سبعه صبايافي قصباياانسمنهمو انطمنهمواعقاب الليلناكلهم 'من خرافة: ' الغول و البنات السبعة 'خرافة مشهورة في : بلاد الجريد / جنوب تونس( 1 )ظلت كلاب قصرنا تنبح وراء ' الوالي ' إلى أن مزقت خيول باي المحال أطراف أبي ، فكفت الكلاب عن النباح و فاح الفل فوق سرير الوالي الجديد.عاد حبه لريحانة يدق على أبواب قلبه بعنف الشباب و تهور المجانين. و لكنه لم يندفع وراء جنونه. و ترقب عاما كاملا حتى تنجلي غمامة الحزن و يطحن تكرار الأيام ضراوة الفجيعة. ثم بعث أخته للقصر لعلها تستكشف بقايا عشقه في قلب ريحانة. وعادت الأخت بالبشارة فهزه الطرب و أمر أن يسيج قصره بالفل.واشتطت أمي في طلباتها فاشترطت عليه ألا تساكن نساءه و أن يبني لها دارا جديدة، فوافق بسرعة واستقدم البنائين المهرة من الجهات البعيدة و أطلق أيديهم فشيدوا لأمي قصرا تفننوا في تعميره و في تزويقه وزخرفته حتى استوى تحفة تسر الناظرين. و طلب منها أن يربطه ببقية دوره بسرداب فوافقت على طلبه راضية مرضية.ثم أثث الوالي الدار الجديدة. جلب لها الأرائك و الفرش و الزرابي و التحف الثمينة من المدن البعيدة . و أعلن أمي مليكة على قلبه. لكن أصوات نباح كلاب جدي ظلت تفزعه في مناماته و تفسد ساعات صفوه مع امرأته ففتش عن أعذار ليمتهن أعمامي و يحقرهم . و جاءته الفرصة حين طلبت منه أمي أن يحضرني على قصرها لأنها ترغب في شم غرتي.و عرف أن الأعمام لن يلبوا هذا الطلب ، فأدخل الإمام وسيطا بينه و بينهم. لكنهم صموا عنه آذانهم و كابروا و لم يتركوا الإمام يتكلم في هذا الموضوع. فلم تنفع وجاهته و لا ادعاءه أنه من سلالة الرسول في تليين رفضهم بل زادوا فتطاولوا على الإمام وحاولوا تعنيفه.و جن جنون الوالي فبعث جنده يطوقون القصر ثم يحاولون اقتحامه لكن الأبواب المنيعة وقفت في وجوههم و أحرق جلودهم الزيت الساخن الذي سكبه عليهم الخدم من فوق الأسوار فولوا الأدبار هاربين.واشتد الوالي على أعمامي فقطع الماء على بساتينهم شهرا كاملا إلى أن جفت أحواض النعناع و تساقطت أوراق أشجار الخوخ و المشمش و ذبلت الدقلة في عراجينها.وظل أعمامي متمترسين وراء الرفض و الضغينة إلى أن أشار على الوالي واحد من جلاسهبالتظلم لدى إمام الجامع الأكبر و المطالبة بإلحاق العزيز بأمه. وراقت له الفكرة فأركب أحد أصفيائه على خيل البريد و بعث به إلى تونس مصحوبا بالهدايا و العطايا: برنس جريدي من حرير الشام و جبة مطرزة بخيوط الذهب و غرائر من أجود أنواع التمور وصندوق مرصوص بقراريط الذهب ومرصع بالياقوت و الزمرد.وازداد أعمامي شراسة في معاملتي كلما ازداد الوالي في اذلالهم قما عدت أبرح ظل الجدة نهارا و سرير زوجة أبي ليلا. كنت في النهار أستند على جذع التمثال الواقف في وسط الحوش و أحتمي بمظلة أبي المنتصية فوق رأس الجدة فيهابني الأعمام و لا يجرؤون على الاقتراب مني . فأملأ أوقات فراغي باللعب مع طيور الحمام. طيوري الجميلة لها وجوه آدمية بعيون زرقاء شبيهة بعيون أولاد أعمامي و رموش سوداء طويلة و أصوات هامسة كخرير الماء . تحط هذه الطيور على كتفي و فوق رأسي و على يدي و تملأ الجو هديلا و أنسا إلى أن يسرق فرحنا الظلام فأعود على سرير زوجة أبي و يعود الحمام إلى غرف القصر المهجورة . و يتحول هديله اليومي إلى عويل مكتوم كأنه طالع من بطن الأرض.و عاد رسول الوالي الجديد من تونس مصحوبا بوثيقة مدموغة بخاتم الباي . قرأ الوالي الوثيقة و سلمها إلى القاضي فقرأها متشفيا و استدعى عمي الأكبر ورماه بالوثيقة التي تلحقني بأمي و ترفع عن كاهلي أيادي أعمامي .رجا القاضي عمي تطبيق مطلب الباي و هدده بأن حامية الجند ستطبق القانون إذا امتنع و عاند.و أذعن عمي لكنه اشترط أن ترجع ريحانة للعائلة الكنز الذي سرقته من القصر و أن يعادي ' العزيز ' طيور الحمام ذات الوجوه الآدمية.وجاء رد القاضي قاطعا كحد السيف:- سلم العزيز لأمه يا رجل ، ة إلا فعلى الباغي تدور الدوائر.و ذهبت وحدي إلى القصر الجديد لأن فاطمة قاطعتني بأمر من الأعمام فسهوت عنها و نسيت بعد موت والدي أنها ركبت ورائي على جواد جامح ذات يوم.قاطمة التي تفوح من شعرها الطويل روائح الحنة بقيت في القصر القديم تحرس تمثال الجدة و تطعم الحمام.( 2 )فتحت أمي أبواب قصر الوالي وسيعة في وجه كل الزوار و أولمت للفقراء وليمة كبيرة تداعى لها الخلق من الجهات الأربعة . و أوكلت أمي إلى الجزارين محر الجمال السمينة فذبحوا مائة جمل .قالت لهم :- هذه قطعان إبلي دعوا الفقراء يأكلون من طيباتها و اتركوا لضواري الصحراء نصيبا.واحتفلت القرية بعودتي إلى وسادة أمي وحنانها احتفالا مجنونا. رقص و غناء و سكر و عربدة على مدى سبع ليال و سبعة أيام.ولم يمانع زوج أمي في أن أعربد و أتهتك في قصره بل صار يدس لي ندمانا جددا كلما فترت علاقتي بالأقدمين فعلموني تدخين ' التكروري ' و الرقص و أنا عريان السوأة تحت ضوء القمر.و صرت كلما ذكرت ' فاطمة ' أخرجوا لي من صندوق عجيب طفلة فاتنة فآكل من تفاجها و ألحس عسلها و أشرب من رضابها و أتوسد زندها و أنام.و يقول والينا :- أنت وريثي يا عزيز ، سأترك القصر في حمايتك.و يغيب ضاربا في الأرض أياما طويلة بحثا عن الغزلان و الأرانب البرية.يخرج الوالي إلى الصيد مصحوبا بالندامى و إحدى نسائه . يطلب معه دائما الأصغر و الأجمل و الأقرب منهن إلى قلبه . و يترك البقية.و يملأ القصر الضجر فتتهافت النساء على المجون . يبدأن بالغناء و الموسيقى و لعب القمار و ينتهين بين أحضان الوصيفات .يملأ لياليهن السحاق و اللحس و المص و العض و نهش اللحم الطري و النهود النافرة و الأرداف السمينة المكتنزة.في الصباح يذهبن إلى الحمام . تخرج كوكبة من الفرسان تعتدي على كل من يجرؤ على المرور في الطرق ساعة خروج نساء القصر على الحمام ضربا بالكرابيج و رفسا بالأرجل و خبطا على الحيطان. فيختفي الشباب وراء الأبواب الموصدة و يكتفون بالتفرج على الموكب من وراء الشقوق و الكوى الصغيرة. و تموت القرية إلى أن ينادي ' البراح ' بصوته الجهوري مصحوبا بدقات طبله معلنا أن نساء الوالي عدن إلى الدار سالمات غانمات ، فتمتلئ الدنيا من جديد بالحركة . تطير الحمائم و تحط على السطوح و يرتفع صياح الأطفال في الأزقة و يعلو غناء الرجال مخترقا المسافات البعيدة على جناح الأثير ، مندفعا من من تخوم الواحات و أقاصي الوديان لبحط داخل مقصورات القصر. فتلتهب قلوب النساء المنسيات و تقطر الشهوة من عيونهن و تسيل بين الأفخاذ.( 3 )لم ألتفت كثيرا لنساء القصر . في الأيام الأولى، تحرشت بي محضيات الوالي و بناته فلم أبال بهن . خفت من سطوة زوج أمي و سيوفه و كلابه التي تنبح كامل الليل فهربت من طريق نسائه إلى أن أشرق قمر الليلة السابعة . ليلتها ، و أنا أهم بالنعاس أحسست بجسدين يلتحمان بي. وضعت الأولى يدها على فمي حتى لا أصرخ و همست:- لا تخف، أنا بنت الوالي و هذه أختي ، جئنا نؤنس وحشتك في هذا الليل.تحركت بعنف فوق السرير إلى أن تحررت من قبضتها ثم صحت زاجرا:- اخرجا حالا.فقالت الثانية بدلال و غنج:- دعي هذا الصبي يا ' رباب ' هو أصغر من أن يعرف معنى أن تؤانسه بنتان في ليل الشتاء.و خرجتا خفيفتين كرفة الفراش.وضعت خفين في رجلي و جريت وراءهما ، فما وجدت لهما أثرا.قلت : لعله بداية حلم ، و عدت إلى سريري.و لكنني شممت روائح عطر لذيذ في غرفتي . عطر لم أشم له مثيلا قبل تلك الليلة ، فزاد اضطرابي وخفت أن أكون ضحية جنيات تسكن القصر. و أرعبتني الفضيحة فنمت بع أن أغلقت الباب ورائي .في صباح اليوم الثامن قدمت لي أمي بنات الوالي اللاتي جئن يهنئنها بقدومي . رأيت سبع بنات جميلات كحور العين . لذيذات كالتفاح الرومي . بشوشات. ودودات. ينضرن نحوي بخفر كاذب . و يضحكن و يتغامزن . و لم أميز التي طرقت بابي البارحة.اقتربت لأسلم عليهن فشممت رائحة العطر الذي ملأ أحلام الليلة الفائية. و أعطتني كل واحدة منهن خدين طريين لأقبلهما ، و أمسكن بأصابعي و ضغطن عليها بلطف. و أشعل ارتباكي ابتسامات أمي المتواطئة، فتركتهن و ذهبت.في الليل، زارتني بنتان من بنات الوالي. لم أدر هل هما اللتان جاءتا البارحة أم هما أخريان؟و لم أطردهما.و تواصلت زيارات البنات إلى القصر مدة خمس سنوات بعت خلالها كثيرا من أملاكي لأهديهن عقود الزمرد و خواتم الياقوت . و شجعني الوالي على بيع ميراث العائلة طالبا من أعوانه أن يشتروا مني كل ما أبيع ثم كان يحول سندات البيع باسمه . و انهمكت أمي في دفن الملائكة التي صنعتها في أرحام بنات الوالي كما علمتها زوجة أبي . كانت تحفر حفرة في التراب تواري فيها اللحم الطري و تسقيها بالماء الطهور فتخرج منها بعد أيام حمائم ذات وجوه رائعة الجمال شبيهة بوجهي تطير عاليا في السماء ثم تحط على البيوت تهزج و تهدل في النهار و تنوح ليلا على الشرفات العالية.و يأكلني السأم فأسافر إلى المدن القريبة و البعيدة . أختلق أتفه الأسباب لأسافر ، فأنام مع مومس في ماخور قذر و أعود إلى البيت .أو أشرب قارورة خمر رخيص في حانة و أعود .أو أحتسي قهوة و أعود.أو أكتري حماما مكتظا بالنساء لأمارس فيه ملذاتي . أملأ فم صاحب الحمام بالذهب و أصعد على السطوحأرقب جنون المستحمات من خلال كوى بلورية و أجلد عميرة. أرش المني على نساء الحمام إلى أن يذوب بدني و تفرغ جيوبي فأعود إلى البيت.و لم تسع الدنيا حيرتي إلى أن قال الوالي لأمي ذات ليلة إنه يتشهى الحمام ، و أخرج من بين طيات ثيابه خنجرا يلمع كعيون القطط .و فهمت أمي الرسالة فأعطتني صندوقا يكتظ بقطع الذهب و طلبت مني أن أهرب إلى مكان يعز فيه طلابي.ولوحت لي بيدها.و كان هدير القطار يملأ الأفق الرحب.( 4 )حالما وصلت مدينة ' صفاقس' سألت عن ' الدار الكبيرة' ، فأرشدني كهل إلى دربها. ملأت زوادتي بالخيرات السبعة و قصدتها. تقاذفتني طرق كثيرة . طرق ملتوية كالثعابين فمشيت و حثثت الخطى إلى أن شممت الرائحة المميزة لحي البغايا. هيجني الجو الغائم و ضربت قطرات مطر خفيف جبهتي فزادتني رهقا. و طارت بذاءات نساء الحي في الجو فقلت في نفسي:- هنا مربط الفرس يا رجل.وانفتحت الأبواب في وجهي فجلت في أزقة المبغي نصف يوم دون أن أطرق باب واحدة من البنات اللاتي كن يقذفنني بسباب فظيع كلما مررت أمامهن. و كاد الليل يهجم على الشارع فاستجرت بسيدة الحي ، فأجارتني.كانت المرأة ربعة القوام ، في الخمسين من عمرها ، سمينة دون امتلاء ، يكاد الدم يقطر من وجنتيها . و كانت لا تكف عن الضحك و عن إطلاق النكات البذيئة. سلمت عليها ، فردت على سلامي بأحسن منه . و سألتها إن كانت تقبل أن تغلق أبواب ماخورها في وجوه كل الزبائن على أن أعطي كل واحدة من بناتها مرغوبها و أن أزورهن السبعة كل ليلة يآلة لا تكل و لا تمل ، فضحكت وصارت تخبط الأرض برجليها و تضرب برأسها على الحائط حتى ظننت أنها جنت . ثم قالت : ' موافقة ' . و أضافت بعد أن مسحت دموعها : ' عرفت طريقي إذن .' و لم تزد.و لم أفهم قصدها، فبقيت واقفا في فتحة الباب.اقتربت مني المرأة بعد أن غطت وجهها بقناع من الجد فقبلت جبيني و أخذت زوادتي فوضعتها فوق طاولة قصيرة القوائم في الركن الشرقي من البيت ثم نزعت عني برنسي وجبة الحرير و أشارت إلى الحمام.قالت تحدثني بود : ' أترك الماء الساخن يطهر عظامك يا صغيري'فامتثلت لأمرها و دخلت الحمام.جاءتني بسطل كبير به ماء ساخن و قطعة صابون معطر و أغلقت الباب وراءها. تركتها تمضي ثم نزعت ملابسي الداخلية و صببت الماء على جسمي صبا لطيفا فسرى الخدر في كل كياني . و أحسست بجسمي يخف حتى كاد يطير.كان للماء رائحة مخدرة و طعم لذيذ.و كنت كلما هممت بالكف عن الاغتسال عادت يدي إلى السطل تغرف منه و تدلق على روحي . فقد تحولت في تلك اللحظات إلى كائن شفاف.و خف وزني فبدأت أرتفع شيئا فشيئا في فضاء الغرفة . و أفزعني الرعب من الوقوع على الأرض التي كنت أبتعد عنها رويدا رويدا ، فبادرت إلى سطل الماء و قطعة الصابون وقارورة العطر أثقل بها بدني المرتجف . و كنت كلما أثقلت بدني ازددت ارتفاعا إلى أن لامست السقف فأغمي علي وسقطت على الأرض محدثا دويا هائلا. حين أفقت ، رأيت المرأة الجميلة جالسة وسك سرير كبير و أنا ممدد إلى يمينها. و سمعتها تحكي عن مدينة بعيدة يملأ الرمل أفواه أطفالها و تسير قطاراتها على خطى قوافل الجمال و يطير أمواتها على خيول لها ألف جناح و جناح.و تنحنحت فصمتت مدة ثم قالت : - ماذا جاء بك إلى هذه المدينة التي تأكل رجالها يا ولدي ؟فقلت :- جئت أبحث عمن يأكلني يا امرأة.و أخرجت من زوادتي جرة ملأى بقطع الذهب و قلت لها :- هذا كنزي ، ورثته عن أبي ، به مائة قطعة من الذهب الخالص . تزن كل واحدة منها مائة مثقال . أريد أن أبيع هذا الكنز و أشتري به نساء الحي مدة سنة ، فهل توافقين ؟قالت : أعرف هذه القطع.و أخرجت من صندوق صغير مركون وراء السرير واحدة مثلها.و قالت : - إذا صباحا سأطلب من حارس الحي أن يبدل لك قطعة منها عند الصائغ و سأشتري لك بثمنها واحدة من بناتي و سأزف لك هذه البنت بالطبل و المزمار .نم الآن يا صغيري سأجعلك تحلم بالجنة.ووضعت راحة كفها على جبيني فنمت في التو والساعة نوم الرضيع في مهده إلى أن حط حمام السيدة على قضبان سريري وانطلق هديله يسكر الروح الظمأى.وصارت سيدة الحي تمعن في تمتعني بضروب من اللذة ما كنت أحلم بها.أحضرت إلى بيتها المغنيات الشهيرات و الراقصات البارعات و ضاربات العود الماهرات و صارت توفني كل ليلة عريسا على واحدة من بناتها . و أنا أنام النهار بطوله متوسدا فخذيها و لا أفيق إلا عندما يسكن الظلام الحي فأنهمك في اللهو و المجون و الأكل و شرب الخمر.و أسرني سحر السيدة . كانت تشير بإصبعها إلى طاولة عجيبة فيصف فوقها في الحين صحون من الذهب و الفضة و أواني أخرى من خزف الصين . ثم تشير مرة أخرى إلى الصحون فتفوح في البيت رائحة اللحم المشوي و السمك المقلي و أطعمة لم أر لها مثيلا في حياتي . و تزدان الطاولة بعناقيد العنب و بالتين و التفاح و الموز و الأجاص و الكمثرى و البطيخ . و أنا أتشهى الحاجة في خيالي فتحط على الطاولة في الحين و اللحظة. و جن جنوني فطلبت منها أن يبدل كل قطع الذهب التي مازالت في حوزتي بريالات اسطنبول و أن تشتري لي بتلك الفلوس ما يلزمنا لمدة سنة قمرية.قالت : فهمت قصدك . ثم استأجرت الحمالين و ذهبت إلى سوق المدينة . اشترت لنا الدقيق و اللحم المقدد و السكر و القهوة و المكسرات . و تفننت في اختيار أصناف الخمرة المعتقة. و أنا أراكم تلك المؤن في بيوت البنات السبع اللاتي حولتها إلى مخازن . و دعوتها إلى شراء المزيد من الحلويات و المكسرات فقالت وهي تضحك إنها تستطيع إفراغ مخازن دكاكين صفاقس في بيوتها بإشارة من إصبعها . و لكنها تأبى ذلك.و ضربت لي مثلا.قالت : انظر ، و أشارت بسبابة يدها اليمنى إلى ميزاب على سطح البيت ، و أغمضت عينيها و تمتمت بكلمات مبهمة . فبدأت قطرات من النبيذ تهطل من فم الميزاب . ثم سال خيط أحمر و جرى على أرضية الزقاق. ذقت رشفة من السائل فوجدته خمرا معتقة أحلى من الخمور المنسية من عهد ساسان . فقلت لها : آمنت بك و صدقت ، و لكنني أردت أن يطمئن قلبي.فقالت : لك ما تريد يا صغيري.و رجعت إلى الأسواق فشرت لنا نا لا عبن رأت و لا أذن سمعت و ما لا يخطر على بال . ثم عادت منهكة فنامت ثلاثة أيام بلياليها.كنت خلال نومها أتجسس على أحلامها فأسرق منها حكايات تحدث بها طفلين ينامان على سرير في بلاد بعيدة.عندما أفاقت من نومها دعت بأمهر البنائين. ملأت جيوبهم الكبيرة بالنقود و طلبت منهم أن يسدوا علينا باب الدار بالحجارة و الملاط . ثم أكرمتهم بما بقي لديها من أوراق نقدية من خلال آخر ثقب في الحائط و طلبت منهم أن يعلقوا أمام الباب لافتة تعلن للزوار أن ' الدار الكبيرة ' مغلقة لمدة عام و أن على الراغبين في زيارتها ترقب طلوع هلال السنة القمرية الجديدة.و كررت طلبها للبنائين بفتح الباب بعد سنة . وغاب بقية حديثها وراء الملاط.وجدت نفسي الفحل الوحيد في بيت مسكون بالجنون مع امرأة أكاد أعرفها . أحوم حول تخوم قلبها فتتحول إلى حورية تفتح لي فخذيها بمجون و لا تشبع من ضمي و لثمي و مص لساني صارخة عند بلوغ النشوة الكبرى باسم أبي . و أحس في أعماقي أنني شممت رائحة روحها و أنا طفل فألجها برفق تارة و عنيفا مرات أخرى. أخضها خضا فيطلع من حلقها نطق لذيذ لحرف القاف الخفيفة . قاف لا يعرفها رجال الصحراء . و يزداد شكي قأبطش ببناتها . سبع صبايا . كلما باشرت إحداهن وجدتها بكرا كأن لم يطمثها قبلي إنس و لا جان. سبع صبايا عارفات بفنون الحب و لذائذ الغرام . سبع صبايا شهيات عند الغناء و الرقص على نغمات آلة عجيبة شرتها السيدة من دكان تاجر يهودي جلبها من بلاد الكفار. آلة تغني أحسن من أمهر المغنيات . تضع السيدة أسطوانة على صدرها و تمرر فوقها ذراعا به سن كالمسمار الصغير فتدور الاسطوانة و يخرج من فم الآلة صوت أحلى من تغريد البلابل يخدر الأعصاب و يمر على القلوب كالبلسم الشافي فأرى روحي تخرج من بدني و ترفرف بأجنحتها الصغيرة أمام ناظري ثم تطير في ملكوت الرب نشوى بالسحر الحلال.
الباب السادسفي ذكر عودة ' العزيز ' من صفاقس و دخوله ' عتيقة ' فاتحا .و يحتوي على أسرار طرده من رحمة العائلة و تفاصيل عن العريضة التي تم بمقتضاها الطرد .كما يحتوي على الحوادث التي قادته إلى الهجرة القسرية من ' عتيقة ' إلى ' قرط حدشت '.( 1 )و أفقنا يوما على ضربات البنائين على باب الماخور . هدم الرجال الحائط و أطل أحدهم من كوة صغيرة و هو ينادي :- لقد وفينا بالعهد يا ' سيدة ' فافتحي للزائرين.قالت : - هل وصل هلال السنة الجديدة ؟فرد :- عامك سعيد يا سيدتي ... هات البشارة .أعطته قرطين من الذهب الخالص ، فباشر إصلاحاته في الحي الخارج من سبات عام قمري.و طلبتني من دار إحدى بناتها ، فوسدتني فخذها و همست :- غدا ، عند انبلاج الفجر ، حين يصير بمقدورك أن تميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، سيصل حصان له ألف جناح . سيطير الحصان قريبا من سطح بيتنا هذا فلا تخف . إنه حصان أبيك العائد من طوافه بين جنان الخلد.سأركب الحصان وراء رجلي .و سكتت مدة ثم قالت :- غادر هذا الحي يا ولدي عند شروق الشمس و لا تعد إليه أبدا .و قامت .فقمت وراءها ألملم ذاكرتي المقتولة و أسأل عن طريق محطة القطار .( 2 )حين نزلت من العربة الخلفية للقطار في المحطة الخالية ، أطلق صفيره و اندفع غربا . أزت عجلات الحديد على الحديد برهة ثم بدأت في طحن الرمل . كنت أعرف أن هذه المحطة هي الأخيرة و أن لا سكة حديد بعدها لكنني رأيت القطار يبتعد داخل المهمه القفر و يغيب عن ناظري شيئا فشيئا إلى أن ابتلعه الشفق الأحمر .مشيت مدة وراءه إلى أن انتهت سكة الحديد و عوضتها آثار أخفاف الجمال على الرمال الطرية فوقفت أستكشف الموقع.هل أخطأت محطتي و هبطت في مكان آخر ؟ ربما...لكن شجيرات الرتم المقابلة للمحطة مازالت في مكانها.و بحثت عن القرية فلم أجد لها أثرا. و قادتني خطاي إلى تلة . صعدت التلة و أمعنت النظر فرأيت في البعيد شكلا يشبه البيت . قصدت البيت ، لكنني كلما أمعنت في الاقتراب منه أمعن في الهرب مني . و مشيت بقية ذلك اليوم و كامل الليلة التالية وراء البيت إلى أن هدني التعب و لم أصل إليه ، فنمت في مكاني.أفقت في الصباح على هدير القطار . رأيته يبتلع آثار أخفاف الجمال المرسومة بإتقان على الطل النازف على الأرض ثم يركب سكة الحديد من جديد و يهرب شرقا. و أنا ألوح بمنديلي في كل الاتجاهات لعل راكبا يراني . لكن عربات القطار كانت خالية. كل العربات كانت خالية بدون استثناء . حتى عربة القيادة لم يكن بها سائق . و كنت الوحيد الشاهد على مرور القطار .و انتبهت إلى أنني مازلت جالسا في المكان الذي نزلت فيه عشية الأمس ، قريبا من شجيرات الرتم .بحث مرة أخرى عن أثر يدلني على طريق القرية فلم أجد غايتي فقلت لأضربن في الأرض كالعميان ، و عصبت عيني بمنديل و هجمت على مسارب الجبل فقطعتها خفيفا أسرع من المبصرين و لم أقف إلى أن شممت رائحة النار.هذه الرائحة أعرفها. و أمعنت في الشم فعرفت رائحة حطب النخل الملتهب . ورفعت العصابة عن عيني فرأيت باب السور . باب ضخم واقف أمامي بدفتيه الكبيرتين . دفتان عاليتان مصفحتان بالحديد و النحاس تزينهما رسوم و طلاسم.و تلفت في كل الاتجاهات أبحث عن السور فلم أجد له أثرا . فاندهشت و قلت متعجبا : ' باب ينغلق على لا شيء '.و بقيت مدة أمام الباب أفكر . هل أمر من خلاله أم أجانبه و أدخل القرية ، فلا حائط يعيق تقدمي.و عزمت على دخول القرية فاتحا فوضعت يدي على الخشب برفق و قلت : ' باسمك اللهم أدخل هذه القرية آمنا '، فانفتح الباب و كأن أيادي خفية تجذبه من الخلف.و دخلت القرية من بابها الكبير . بسلمت و أوسعت الخطى فرأيت المباني تخرج من الأرض ثم ترتفع رويدا رويدا إلى أن تستوي على اليابسة . و سمعت الكلاب تعوي و الديكة تصيح . وجرى أمامي الأطفال . و خرجت النساء إلى الغدير يملأن الماء و يغسلن الثياب و يطهرن من الجنابة .و ساق الرجال الحمير أمامهم باتجاه الواحة.قلت : هو سحر ورب البيت.و قصدت دارنا.حين قرعت باب السقيفة تجاوب الصدى مع دقاتي . فظللت أدق و أدق إلى أن كل متني.و هممت بمغادرة المكان لكن الباب فتح و أطل منه رجل لم أعهده في خدمتنا.قال : تفضل . مجلس العائلة في انتظارك قلت متعجبا : في انتظاريرد لا مباليا بحيرتي : لقد انتهوا الآن إلى قرار بشأنك ، ووافق جميع أعمامك على القرار.و سار أمامي ينير لي الطريق بقنديل زيت فمشيت وراءه و أنا أتخبط في الضوء إلى أن صدمني تمثال الجدة الواقف في وسط الساحة . فذهبت أولا للسلام عليها . قبلت يدها الحجرية فأحسست بها حارة تحت شفتي . ثم رأيتها تحط خفيفة على شعر رأسي و تمسح عليه بحنو ورقة.و عم الهدوء المكان فسمعت خشخشة ، و رأيت جنود الأرضة منهمكين في أكل العصا التي تتكئ عليها الجدة.مسحت شعري نافضا عنه آثار رمال يد الجدة . و ذهبت رأسا إلى قاعة الاجتماعات . وجدت الأعمام جالسين على كراسي واطئة و بين أيديهم أزمة كبيرة وعلى وجوههم غيظ مقيت . سلمت عليهم فلم يردوا على سلامي . وفاحت من أبدانهم رائحة المقت والضغينة فظللت واقفا أنظر في عيونهم إلى أن قام كبيرهم فحمد الله و أثنى على نبيه و على التابعين و تابعي التابعين بإحسان إلى يوم الدين . ورفع في وجهي عريضة و بدأ يقرأ:' قرر مجلس العائلة بإجماع أفراده طرد ' العزيز ' من رحمة العائلة و القرار بات لا عودة فيه و ذلك لما لحقها منه و من أمه من أضرار ستظل ماثلة على الجبين إلى أن يرث الله الأرض و من عليها . و سيعلق هذا البيان الختامي على جدران المسجد الجامع و سيعلن عنه من على رؤوس المآذن .و الله على ما أقول شهيد.وانفض المجلس .خرج الأعمام و تركوني واقفا في وسط الدار. فعادت أصوات الأجنة الذين دفنتهم زوجة أبي في هذه الدار تملأ رأسي صراخا و احتجاجا. و أجابتها أصوات في الغرف الأخرى . و امتلأت الغرف بالضجيج و النواح إلى أن كدت أفقد صوابي. فقصدت الباب خارجا لكن خادمين شدا وثاقي بحبل و أحضرا حمارا أركباني على ظهره ووجهي إلى الذيل. ثم علقا في يدي ورجلي نواقيس و جلاجل صغيرة ، و خرجا بي من باب الدار.اقتربت من السقيفة ، فهوت الجدة على وجهها.الآن أنهت الأرضة نخر عصا الجدة فخرت على وجهها بعد أعوام من الوقوف على رجل واحدة . و دقت طبول الحزن من جديد . و ملأ العويل و النواح الكون .و نخس الخادمان الحمار بعد أن طليا وجهي و ثيابي بالقطران . و طافا بي في أزقة القرية و دروبها إلى أن أذنت الشمس بالمغيب فرميا بي خارج الأسوار الوهمية و أغلقا ورائي الباب الكبير . بقيت ذاهلا مدة و أنا أستمع إلى دق طبول الحزن معلنا موت الجدة . و هجم الألم علي من الجهات الأربعة . و طوقني بدون رحمة فقمت أدور حول القرية باحثا عن منفذ في السور الذي يطوقها . كنت كلما اقتربت مما توهمته سورا صدتني الحيطان و قذفت بي بعيدا إلى أن سمعت صفير القطار و دمدمته . ورأيت دخانه يأتي من بعيد ، من وراء الأفق. ثم رأيته يقترب وئيدا . يدوس على آثار أخفاف الجمال المرسومة على الرمل الطري ثم يركب سكة الحديد و يعوي فتئز عجلات الحديد على الحديد . كانت عربات القطار ملأى بشرا و حكايات . و كنت حزينا كيوم شتاء بارد فلم ألتفت إلى صخب الركاب و ثرثرتهم إلى أن سمعتهم يذكرون أحاديث عجيبة عن ' القرية الحديثة ' التي بناها الكفار في المهمه القفر ، قريبا من جبال الثالجة .فصحت : ' قرط حدشت ' على مشارف الصحراء هذه المرة . يا للعجب . ' التفت الركاب دفعة واحدة إلى ناحيتي فأهملت نظراتهم . و عدت إلى عد عواميد الهاتف الهاربة عكس اتجاه القطار.
- ابراهيم درغوثي
المراجع
موسوعة الصداقة الثقافية
التصانيف
تصنيف :ثقافة