عاد الحرث , وجاء المؤذن , فلم يسمعه الحاج صالح , رشوه بماء , فلم تنفتح العينان , صفعوا الوجه الأصفر الجامد , حملوه ومشوا . وفى حظر التجول جاءوا , اخترقوا الزقاق , وبضربة بسطار طار الباب . أشار ضابط إلى فمه وقال :
-على السكت .
ذهلا , فأكمل :
- صالح لازم يندفن على السكت
جأرت الزوجة فلطموها , اندفع الولد العفريت , فصدوه , صرخ :
-أبى .
وصرخت أمه :
-يا خسارة الرجال يا حاج .
صاحت دجاجات البيت , وحنجرة الديك انطلقت .
__________________

قبل الفجر تمدد , في الليل بلا جنازة شعبية
وعلى ضوء خافت أرسله كشاف اليهود , أم الولد العفريت التحمت بالجثة .
-على السكت
اقترب الولد العفريت من القدمين, فانشهرت أصابع القدمين أشواكا صفراء, غرقت عيناه فى الدمع الساخن, جاور أمه عند الرأس, لامسه, رمق الوجه المزرق, العينان رمانتان منغلقتان, ورم , ورم, كم ضربوك ليقتلوك, وورم في القلب, في القلب كيس صديد يعوم, لم تهاجم ولم تدافع.
-على السكت
هز الولد العفريت رأسه , على السكت , نعوى في القلب وندفنه , لا نبكى , الدمل فقط يتحرك , الأحشاء تنوح, أمك تحضنها, وتتمتم لعينيها :
-على السكت يا أمي .
في المقبرة بعيدا , رفع رجال الجثة , لم تصرخ الأم صرخة اللحظة الأخيرة , لم يصرخ الولد العفريت لكن الدنيا فجأة صرخت, الأحراش أطلقت الرصاصة الأولى, زمجرت حمراء، وسطع شهب, فتوقفت الجثة, واليهود تقافزوا, انطلقت أخرى, وأخرى, خط ناري تلاحق, فأطلق اليهود, أمطروا الأحراش رصاصا وزعيقا , الحاج تعلق فوق الحفرة, الزوجة صرخت ما شاءت, بكت قدر ما احتاجت, أما الولد العفريت فرقب الرصاص, رآه جنازة مهيبة وطقوسا مناسبة للدفن

__________________
هرست اليهود الحارة بابا بابا, قلبوا باطن الأرض مترا مترا, صرخوا فى الناس :
-عندك سلاح ؟
-أين خبأت السلاح ؟

وسألوا دوما عمن رأى المنجد خليل التلمس , سحبوا الناس , دقوهم فرادى وطوابير .
وفى حظر التجول المشدد انفلت الولد العفريت
سيجده مهما كلفه الأمر, المنجد خليل ليس حيا فحسب . بل هو الذي يقض مضاجعهم , من أجله قتلوا الأب ودفنوه , ومن أجل الأب جاء المنجد في الليل، وأطلق رصاصاته تحية للصاحب المدفون , لم يعد في الصدر صبر, لم تعد هناك أنفاس تلفظ من غير رفقة المنجد خليل , وعلى السكت , قانون مكتشف, آخر حكمة نطقت, هوت الجثة وقال الأب, اكظم غيظك وتحصن بالكتمان, فى ظلمة الحظر تعب الولد العفريت, لم يهتد للمطلوب رقم واحد, فتسلل إلى بيت حربي, قفز سوره, فكادت الأرملة عزيزة تصرخ, أسكتها بإصبعه, ثم توجه إلى حربي المذهول, صمت جواره, ثم قال:
-أريد شايا يا أماه .
قامت, فقال لحربي الباهت :
-إلى متى يا حربي ؟
وقال :
-إلى متى نذبح كالدجاج ؟
-ماذا تعنى ؟
-ما تفهمه بالضبط يا حربي , قتلوا أباك وأبى , يقتلوننا كل يوم .
وتفرس في عيني حربي
ولم يتحدث حربي , فقال الولد العفريت :
-أنسيت الفخ فى الأحراش , هيا نحضره .

اهتز حربي فاقترب الولد العفريت منه أكثر حدقا معا, جاء الشاي, فوقفا, رأتهما يتهيئان, بهتت وسألت :
-إلى أين يا ولدى ؟

لم يتكلما, ولم تنتظر جوابا, قفزا عن السور، وتركاها, ولم تدر الأرملة عزيزة .

أتبكى أم تزغرد
في الأحراش جلسا, هنا لاحقهما عباس عندما حاولا اصطياد طير الكركز, هنا نهشتهما الكلاب, جلسا بلا كلام إلى أن أضيئت الدنيا, ودوى انفجار, صرخا معا:
- المنجد خليل
ودوى الرصاص ، هتفا مجنونين لأصوات ارتطام يطول ويتجدد :
- القطار, نسفوا القطار

كانت المقطورات تنصفق, فتدوي تباعا، والأرجاء تجيب صداها.
قال الولد العفريت :
يكفى ما قطروه من سيناء
وصاح ممسكا حربي :
حربي , تعال أريك المنجد خليل .

تلاحقا متسللين , فشاهدا المصفحات تجأر صوب الشرق, الرشاشات كانت تطلق, ليضيع صياحهم العبري, احتميا بالأزقة, حتى وصلا إلى الكينيا .
همس الولد العفريت :
-ورائي .

لم يفهم حربي , لكنه رآه يتسلقها , تبعه وتشبت بجواره ومن القمة شاهدا تفاصيل الدنيا , انبطح القطار في الضوء كحوت نافق, طائرة هليوكوبتر كانت تزمجر وجنودهم تحتها يركضون بحمالات أما المخيم فكان تحت الكينيا صامتا ينتظر هجوم اليهود القادم .
دقق الولد العفريت بعين الصقر , وفجأة صاح :
- يا منجد خليل
كانوا بعيدا في الظلمة , بضعة أجساد صامتة مرت في مرمى عيني الولد العفريت , فضرب الهواء بقبضته .


- رواية, الجزء الثامن, عمر حمش

المراجع

موسوعة الصداقة الثقافية

التصانيف

تصنيف :فنون   أدب  أدب عربي