لا ليس السكري مرض السكر، إنه مرض عام يصيب كل الجسم، ومن التبسيط الساذج أن نظن أنه مرض يتعلق بالسكر فقط، ولكن ماذا نقول عنه إذا أردنا أن نبسطه؟ نقول أنه اضطراب استقلابي.. وأنه اضطراب وعائي.. وأنه اضطراب عصبي.. هل يجب أن نخاف من السكري؟ لا إفراط ولا تفريط، لا تستهتر بالسكري خاصة إذا كنت تعرف أنه موجود بعائلتك وأنك لا تتبع نمطاً حياتياً صحياً. ولا تخف من السكري إن جاءك هذا الزائر الثقيل، فبإمكانك التعامل معه بالإطلاع والحكمة، بالتصرف وبعدم الإستماع لنصائح جاهلة وغير مسؤولة. حجم المشكلة علينا أن نعترف أن السكري قد أصبح شائعاً جدا في بلادنا, وأنه يعتبر مشكلة حقيقة يجب التعامل معها بشكل موضوعي، بحيث نمنع حدوث الحالات الجديدة ما أمكن، ونسيطر على الحالات التي حدثت بالفعل، لمنع المضاعفات أو على الأقل لنخفف من وطأتها ولنؤخرها ما أمكن. السكري مرض شائع وللأسف فهو في تزايد، ولم يعد أحد منيع عليه، فهو يصيب الكبار والصغار والذكور والإناث. يتسبب داء السكري بربع حالات قصور الكلى الذي يستوجب إجراء الغسيل الكلوي، والسكري من أهم أسباب الإصابة بفقدان البصر في العالم، والسبب وراء نصف حالات بتر الأطراف. الفهم الحقيقي للسكري: الآلية المرضية: الغلوكوز الغلوكوز هو وقود الخلايا، ولا بد لكي تستطيع الخلايا الاستفادة منه أن يعبر إلى داخل الخلية، ولا يمكن أن يتم هذا بدون وجود كمية كافية من الإنسولين. خلايا تتضور في بحر من الغذاء يتواجد الغلوكوز لدى مرضى السكري ويتراكم، ولكنه لا يستطيع الدخول إلى الخلايا، والتي هي في الحقيقة تتضور جوعاً رغم وفرة الغذاء حولها لأنها لا تستطيع أن الحصول على هذا الغذاء. ومهما زدنا من الوارد فإننا نزيد من المشكلة ولا نحلها، فالخلايا لا تريد مزيداً من الغذاء حولها، إنها تريد الغذاء داخلها، وهي لا تستطيع إدخاله بدون الإنسولين. وعندما ينقص استعمال الغلوكوز في الكبد والعضلات والنسيج الدهني، يزداد غلوكوز الدم ثم يبدأ بالظهور في البول ساحباً معه السوائل فيحدث البوال والعطش وإضطراب السوائل والأملاح. الاستعمال غير المجدي للبدائل الغلوكوز هو الوقود المثالي للخلايا، وعندما لا تستطيع الخلايا أن تستفيد منه فإنها تلجأ الى استخدام بدائل غير مثالية، ليس من الحكمة مثلاً أن نحرق الكتب للحصول على طاقة للتدفئة، لكن الخلايا لا تملك إلا أن تحاول الحصول على الطاقة لإستمرار بقائها فتبدأ بحرق البدائل لتوليد الطاقة من الدهون والبروتينات. يؤدي اضطراب استقلاب الدهون الى تصلب الأوعية الدموية، خاصة تلك المغذية لأعضاء حيوية كالقلب والكليتين والعينين، وكما تتلف الشحوم المتراكمة الألياف العصبية. وأما استقلاب البروتينات فيؤدى الى هدم في الجسم يتجلى بضمور العضلات ونقص النمو. حتى بوجود وفرة من مصادر الطاقة، لا بد من الإنسولين: يزيد الانسولين من نفوذ الغلوكوز عبر الغشاء الخلوي الى داخل الخلايا، حيث يجري استقلابه لتوليد الطاقة اللازمة. ويقوم الأنسولين بهذا التأثير اذا توفرت مستقبلات خاصة على سطح الخلايا. السكري مرض استقلابي وعائي عضلي عصبي إن من السذاجة تبسيط مرض السكري والنظر إليه على أنه فقط إضطراب في حرق السكر، إذ أن الشذوذ الإستقلابي الناجم عن النقص النسبي أو المطلق للإنسولين يؤدي الى اضطراب استقلاب السكريات والدهون، ولكن الشذوذ الإستقلابي ليس سوى جزء من المشكلة، والجزء الآخر هو تسارع تصلب الأوعية. أسباب داء السكري: أسبابه الرئيسية: يعد النقص المطلق للأنسولين هو النمط الأول من داء السكري، ويسمى بالشبابي، وهو نمط غير مستقر يبدي ميلاً شديداً لإحداث حالة خطيرة تتمثل بارتفاع في حموضة الدم مع حدوث اضطراب في الوعي والأملاح، يطلق على هذه الحالة الحمض الكيتوني. وأما نقص الأنسولين النسبي، فهو عادة ما ترافقه البدانة، ويعد المصاب به مستقر نسبياً، لكن تكثر فيه حالات تصلب الأوعية الدموية. أسبابه الثانوية: البنكرياس: يأتي الإنسولين من غدة البنكرياس وبالتحديد من خلايا بيتا، ولذا فإن قصورها بسبب جراحة أو ورم أو التهاب يجعلها عاجزة عن إفراز الإنسولين. الأسباب الغدّية: إن في الجسم هرمونات عديدة ترفع من السكر لمساعدة الجسم على مواجهة طوارئ معينة منها نقص السكر. لكن تحدث بعض الأمراض زيادة غير طبيعية في هذه الهرمونات مما يرفع السكر ومن هذه الأمراض: زيادة مستوى الكورتيزون في الدم بسبب فرط نشاط قشرة الغدة الكظرية والتي تعمل على زيادة مستوى الكورتيزون في الدم، أو أن تحدث زيادة الكورتيزون نتيجة إعطائه كعلاج. ورم الغدة الكظرية المسمى بورم الخلايا القاتمة، وهذه الخلايا تطلق الكاتيكولامينات التي تتسبب برفع نسبة السكر. زيادة نشاط الغدة الدرقية مما يزيد معدل الاستقلاب الأساسي وزيادة امتصاص السكر من الأمعاء. إفراز زائد من الغدة النخامية حيث يعتبر هرمون النمو أيضا من معاكسات هرمون الإنسولين. العوامل المساعدة على الإصابة بداء السكري: الوراثة: بعكس ما يظن الكثيرون، فإن دور الوراثة الرئيسي هو في إحداث السكري في الكبار وليس في الصغار، وتشير الدراسات الى إمكانية أن تكون أكثر من مورثة جينية مسؤولة عن إحداث المرض. البدانة: كلما زاد الوزن زادت مقاومة الخلايا لفعل الأنسولين، وبما أن السكري هو بالأساس أضطراب ناجم عن مقاومة عمل الأنسولين، فإن البدانة عامل هام جداً يؤهب لحدوث السكري. إن الغالبية العظمى من مرضى النمط الثاني من السكري مصابين بالبدانة . تكرار الحمل: من الثابت احصائياً زيادة نسبة حدوث السكري عند النساء الولودات أي عديدات الحمل، ويعزى ذلك الى قدرة المشيمة على تخريب الإنسولين، إضافة إلى أن معاكسة عمل الأستروجينات، والتي تزداد كثيرا أثناء الحمل، عمل الأنسولين. وهناك نمط من السكري يسمى سكري الحمل، وعادة ما يختفي بعد الولادة إلا أنه قد يبقى ويتضح بتكرار الحمل. الالتهابات الفيروسية: والتي تؤدي الى التهاب البنكرياس وتتلف خلايا بيتا وخاصة عند الأطفال. التشريح المرضي: هناك تبدلات تحدث كلما مر الوقت على الإصابة بالسكري أي ان التغيرات ترتبط بالمدة، وليس من الضروري أن ترتبط مباشرة بالشدة، فقد يكون مستوى السكر عالياً دون أن تكون التبدلات التي أحدثها السكري في الجسم شديدة وخاصة في المراحل الأولى من الإصابة. وايضا قد تكون مستويات السكر قريبة من المستوى الطبيعي في شخص لديه سكري من فترة طويلة، أي لا يعكس مقدار سكر الدم شدة هذه التبدلات (قد يكون مستوى السكر مرتفع في بدايات المرض مع تبدلات مرضية خفيفة أو أن تكون مستويات السكر قريبة من الطبيعي في مرضى قدامى مع تبدلات مرضية شديدة). والتبدلات المرضية هي: في البنكرياس: تغيرات تحدث تلفاً في خلايا بيتا في جزر لنغرهنس، وهي الخلايا المفرزة للأنسولين. في الجهاز القلبي الوعائي: تصاب الأوعية الدقيقة بشكل خاص بالتصلب، أما إصابة الشرايين الكبيرة والمتوسطة بالتصلب فتكون بتضافر أذى السكري مع أذى أمراض أخرى غير سكرية. تصاب أوعية القلب التاجية أو الأكليلية مما يجعلها أضيق من أن تستطيع إيصال تروية كافية للقلب، مما يحدث الخناق، أي نقص التروية الدموية وقد يتفاقم الأمر وتصل الحالة الى مرحلة الإحتشاء القلبي المبكر. وتصاب أوعية القدمين مما يحدث الموات بنقص التروية، كما تصاب أوعية الكلية بالتصلب مما يؤدي الى قصور كلوي مزمن أو يحدث تصلب كببي منتشر وهو من المضاعفات التي تحدث في السكري وفي أمراض أخرى، وقد يحدث تنخر في حليمات الكلية يؤدي الى قصور كلوي حاد. العين: تصاب عدسة العين بالساد المبكر، وهو إعتام في عدسة العين، ومن المعروف أن الساد مرض يحدث مع تقدم العمر لكنه في المصاب بالسكري يحدث قبل العمر المتوقع. كما تحدث إصابة الشبكية إما بالنتحات أو بالنزيف أو قد يصل الأمر إلى تشكل تبدلات التهابية غنية بالأوعية التي تمتد عبر الخلط الزجاجي وقد تؤدي الى تشكل أوعية جديدة وندوب ونزف الخلط الزجاجي ثم انفصال الشبكية. التبدلات العصبية: يصيب التلف المحاور العصبية للأعصاب، كما قد تتجرد الألياف العصبية من النخاعين الذي يوفر لها التغذية والحماية، وقد يكون سبب ذلك إصابة الأوعية المغذية للعصب. المظاهر الأخرى: كتراكم الشحوم على الكبد وترسبها في الجلد وبخاصة في الأجفان (الأورام الصفر). تنقص وسائل الجسم الدفاعية والمناعية مما يزيد التأهب للأخماج ويجعلها أبطأ شفاء. المظاهر السريرية: الأعراض الرئيسية للسكري هي كثرة التبول وبالتالي العطش، وتكون الشهية عالية مع فقدان للوزن. إن معالجة الداء باكراً تؤخر حدوث الاختلاطات، وتجعلها أخف وطأة، ولكن لا تمنعها، ومن المهم الانتباه للأعراض الموجهة للداء السكري فهي هامة للتشخيص المبكر للمرض وأهمها : عند الأطفال وصغار السن: بوال وعطش ونحول وتأخر نمو وتكرر الإلتهابات والوهن العام، وقد يكون السبات السكري هو المظهر الأول للسكري، وهذه حالة خطيرة ناجمة عن ارتفاع في حموضة الدم مع اضطراب الوعي والأملاح وتسمى الحماض الكيتوني. عند الكبار : · تذكر أن الاستعداد الوراثي أهم عند الكبار من الصغار للتأهب للإصابة بالسكري. · إن العنانة قد تكون المنبه الأبكر للإصابة وقد يظهر السكري بعد فترة من زيادة الوزن لتبدأ بعدها فترة من نقص الوزن. · وبما أن الأوعية التاجية أو الإكليلية من ضحايا السكري حيث يؤدي السكري الى التصلب الباكر فقد يحدث الاحتشاء القلبي المبكر كأحد المظاهر الباكرة للسكري الكهلي. · أما في الإناث فتشمل المظاهر تأخر البلوغ وعدم ظهور الطمث مطلقاً أو غياب الطمث بعد فترة من ظهوره كما قد تحدث إجهاضات متكررة، ويعتبر السكري من أسباب زيادة كمية السائل الأمنيوسي عن الطبيعي ومن أسباب الزيادة غير الطبيعية في وزن الأجنة . · الالتهابات: يؤدي السكري إلى تكرر الالتهابات خاصة الجلدية كالدمامل، والإلتهابات البولية والمهبلية وكذلك كثرة حدوث الإلتهابات الفطرية. · الاضطرابات العينية الساد (إعتام عدسة العين) واضطراب الرؤية بتأثر الشبكية. · ارتفاع الضغط الشرياني وتسارع التصلب الشرياني.

المراجع

www.sehetna.com.jo/pages/DiabetesAndOurLives.aspx موسوعة بوابة صحتنا

التصانيف

حياة