أ. سعد بن محمد الموينع .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ) ، ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ( « 6 » سورة التحريم ) .
إن من أجل النعم التي امتن الله بها على عباده المؤمنين الزواج ومن بعده
الإنجاب ، وقد يظن الإنسان أن العبرة بالكثرة وهذا ليس بصحيح ، إذ إن العبرة بالبركة كما جاء في الدعاء المبارك : ( وبارك لي فيما أعطيت ) ، والبركة شاملة في جميع ما يُنعم به الله على العبد المسلم من مال وزوجات وأبناء وغيرها من النعم .
إن المسلم الذي رزقه الله ذرية عليه واجب عظيم من أعظم الواجبات وهو التربية الصالحة والتوجيه الحسن بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، وإن هذه الذرية ومعهم الزوجة أمانة يسأل عنها المسلم يوم القيامة .
إن بعض الرجال يفرط ويبالغ في التفريط في قضية تربية أبنائه ، ويظن أن التربية مجرد توفير المأكل والمشرب والملبس للأسرة ، فيقوم بملء المنزل من المواد الغذائية وإذا نظرت إلى مخزن الأطعمة في منزل ذلك الرجل تظن أنك في محل لبيع المواد الغذائية ، وتظهر آثار ذلك الاهتمام على أوزان الزوجة والأبناء ، ونجد أن ذلك الرجل يهتم بقضية ملبس أسرته اهتماماً كبيراً ، فيشتري لهم أحدث موديلات الملابس ، ويوفر لهم كذلك من وسائل الترفيه الشيء الكثير ولا يُقصر معهم في ذلك .
إن مسؤولية الوالد في تربية زوجته وأبناءه لا تقتصر على قضية الملبس والمأكل والمشرب وإنما تتعدى ذلك إلى أمر عظيم وهو تربيتهم على طاعة الله وجعلهم يعيشون الحياة الطيبة التي تنحصر في طاعة الله سبحانه وتعالى ومحبته ، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومحبة دينه الحنيف والعمل وفق تعاليمه .
إن الرجل الصالح ورب الأسرة المؤمن يكون حريصاً أشد الحرص على صلاح أسرته ويدفع الغالي والنفيس وجميع ما يملك لصلاح أسرته ، وإن الأنبياء كانوا حريصين على صلاح ذريتهم حتى ولو كانوا على فراش الموت ، وقد جاء ذلك في القرآن الكريم في قوله : { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ } ] (133) سورة البقرة [ . وإن الذي يتدبر في هذه الآية الكريمة يجد أن يعقوب - عليه السلام - كان يحرص أشد الحرص على قضية صلاح معتقد وعقيدة ذريته لأن صلاح العقيدة صلاح للأخلاق والسلوك ، وإن هذا الحرص لدى يعقوب - عليه السلام - في أيام صحته وكذلك في مرض موته هو التربية الصالحة والتوجيه الحسن الذي ينفع في الدنيا والآخرة .
إن صلاح الأبناء لا ينفع في الدنيا فقط، وإنما ينفع كذلك في الآخرة ، كما قال تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } ] « 21 » سورة الطور [ .
إن صلاح الذرية ينفع الوالدين في الدنيا وذلك بالبر بهما وطاعتهما ، وإن صلاح الأبناء ينفع حتى بعد الموت ، وذلك بدعاء الأبناء للوالدين كما جاء ذلك في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقةٍ جاريةٍ أو عملٍ صالحٍ أو ولدٍ صالحٍ يدعو له ) . والولد يشمل الذكر والأنثى .
إن المسلم إذا كان عنده ولد صالح فإنه يدعو له بعد موته ، وإذا كان الأبناء غير صالحين لا يدعون لوالديهم ، وهذا هو الواقع .
إن الله - سبحانه وتعالى - يذكر في كتابه أن عباده المؤمنين يسألونه أن يجعل لهم من أزواجهم وذرياتهم قرة أعين وأن يجعلهم للمتقين إماماً ، وذلك في هذه الآية الكريمة : { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } ]« 47 » سورة الفرقان [.
إن قرة العين لا تكون بتنوع المآكل والمشارب وكثرتها وتسمين الزوجات والأبناء أو بفخامة الملابس وجودتها وإنما يكون بالروح الطيبة والنفس المطمئنة وبالإيمان بالله سبحانه وتعالى .
إن تربية الزوجة والبنات على الحشمة والحياء والستر والتأدب بالآداب الإسلامية وطاعة الله من التربية الصالحة التي دعا إليها الإسلام .
وإن تربية الأبناء في المحافظة على شعائر الإسلام مثل الصلاة وقراءة القرآن والتأدب بآدابه والتمسك بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعد من التربية الحسنة التي يؤجر عليها الوالد يوم القيامة .
إن تمسك الزوجة والفتاة بالآداب الإسلامية من حجاب وحشمة وستر دليل على حسن التربية من الوالد ، وإذا حصل الضد من ذلك فإنه يدل على سوء التربية والإهمال من قبل رب البيت وولي الأمر .
وإن الذي ينبغي للمسلم إدراكه أن إحسانه تربية الزوجات والأبناء يساعد على تكوين أسرة مثالية يشار إليها بالبنان ، وإن هذه الأسرة الصالحة تساعد على صلاح المجتمع لأنها تعد لَبِنة من لبنات المجتمع ، وما المجتمع إلا مجموعة من الأسر وكلما زاد عدد الأسر الصالحة في المجتمع كان ذلك من صلاح المجتمع .
إن أفضل طريقة لصلاح أهل البيت صلاح والديهم وولي أمرهم ، وإذا صلح الرجل فإن أهل البيت يصلح أمرهم وإذا فسد ربُّ البيت ، فإن أبناءه وزوجته تبع له ، لذا ينبغي للوالد أن يكون حريصاً على صلاح نفسه واستقامتها حتى تستقيم أسرته .
المراجع
موسوعه المستشار
التصانيف
تصنيف :الحياة