الشيخ عادل بن سعد الخوفي .
نظرتُ إليه ، فإذا به طفل لم يتجاوز الثانية عشر من عُمُره ، والدموع تتسابق إلى مُحياه ، وهنا أكمل قائلاً : إنك لا تعلم ماذا يصنع بي في المنزل
| ، وكيف يكون بيتنا إذا غَضِبْ | |
مسكينة أيتها الأجساد الغَضَّة ، ومسكينة تلك النفوس الطاهرة ، ومسكينة هذه المشاعر الرقيقة . . إننا وتحت شعار " التربية والتقويم " نقف حجر عثرة أمام استمتاع فلذات أكبادنا بطفولتهم البريئة ، بل إننا لنطبع وسماً سلبياً في حياتهم لا يُمكن إزالته ، إن كثيراً من الآباء وبعض المعلمين لا يعرفون من فنون التربية والتوجيه إلا المفردات المُحقِّرة ، والعصا الغليظة التي تنخر في شخصيتهم المطمئنة الوادعة لتحيلها إلى قائمة من السلوكيات السلبية البائسة ، وهنا يحق لنا أن نتساءل | | ؟
هل أدت " المفردات المُحقِّرة والعصا " الدور المناط بها في التربية الإيجابية | | ؟
هل عالجت هذه الوسائل السلوكيات السلبية لدى الطفل | | ؟
بل هل أنتجت لنا جيلاً مخلصاً لمجتمعه، واثقاً من نفسه، مدركاً حقيقة تصرفاته | | ؟
هل يمكن أن نُدرك أننا لا نُقدِّم لأبنائنا من خلال الضرب سوى الخوف | | وأن ضربه سيكون حائلاً بينه وبين إدراكه للسلوكيات الحسنة ، ولكيفية تعديل سلوكياته الحالية .
أم أن الضرب بالعصا والتوبيخ بالمفردات المُحَقِّرة هو أقصر الطرق وأسهلها ليتخلَّص المربي من الموقف السلبي الذي أقدم عليه الابن | | ؟
إن المتأمل لمخرجات التربية بهذه الوسائل يجد أن قائمة النتائج تحوي : " العناد ، والعدوانية ، والتوتر ، والخوف ، والاكتئاب الشديد ، وضعف الشخصية ، والتردد في اتخاذ القرارات ، وانخفاض مستوى التحصيل العلمي ، وعدم الثقة في المجتمع ، بل إن اعتياد الابن على الضرب والتوبيخ كوسيلة أساس للعقاب يؤدي إلى اللامبالاة لديه ، وهو الأمر الذي يتحول معه إلى أن يكون ثائراً على كل القيود الشرعية أو الاجتماعية أو الأسرية .
وإن كان المربي مقتنعاً بالضرب أسلوباً من أساليب التربية لا محالة ، فقد ذكر بعض أهل العلم ضوابط لذلك منها :
-أن يكون عمر الطفل عشر سنوات فما فوق لقوله صلى الله عليه وسلم: ( واضربوهم عليها لعشر ) ( مختصر إرواء الغليل : 1/60 ) .
-أن يكون الضرب على قدر الخطأ الذي وقع فيه الطفل .
-أن لا يتخذ المربي الضرب عادة مستمرة، وأن يتأكد من آثاره الإيجابية قبل استعماله .
-أن لا يصاحب الضرب توبيخ ، وأن لا يكون أمام الآخرين ، وخاصة أمام الأقران .
-أن يكون الضرب خفيفاً بحيث لا يكسر عظماً ولا يخدش جلداً .
-أن يأتي الضرب بعد التغافل والتعليم والتنبيه والتحذير والتذكير بالله .
-أن يتوقف المربي عن الضرب إذا بكى الطفل أو هرب أو أظهر الندم أو سأل بالله .
-أن يفرق الضرب وأن يتجنب الوجه والأماكن الحساسة.
إن شخصيات أبنائنا ليست بتلك السلبية التي نحتاج معها إلى الحزم التام والضرب بيد من حديد لتقويمها ؛ فالابتسامة ، والنظرة الحانية ، والمسح على الرأس ، والتوجيه بصورة منفردة ، والهدية التشجيعية ، والتربية بالقدوة ، والقائمة تطول . . كلها وسائل أنجع من العصا ، وأفضل من المفردات المُحَقِّرة ، وأقرب لسنة نبي الرحمة وسلوك المربي الأول صلى الله عليه وسلم .
فلماذا لا نعرف في مفردات التربية إلا العقاب وننسى الثواب، وقد جمع الله بينهما فقال:
( فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) ( النساء / 173 )
لم لا يرانا أبناؤنا أمامهم إلا حين يرتكبون مخالفة | | ؟ أما حين قيامهم بالأعمال الإيجابية وانتظارهم للتشجيع والثواب فإننا نتوارى عن أعينهم . . ألا يولد ذلك قناعة لديهم بأن التصرفات الإيجابية ليست مهمة .
بل لم لا يتم العقاب بطرق أكثر إيجابية من الضرب؛ حرمان من بعض المصروف اليومي، منعه من الخروج مع زملائه، تكليفه ببعض أعمال المنزل المناسبة مع سنه، عدم الحديث معه لفترة معينة. . ونحو ذلك .
وإذا أردنا أن نتعامل بإيجابية مع أخطاء أبنائنا، فلنلاحظ الجوانب التالية:
أ. التغافل عن الأخطاء اليسيرة أو العابرة ، وعدم ذكرها أو إعادة الإشارة إليها ؛ حتى لا نؤصِّلها لديه .
ب. تجنب الانتقاد الشديد، ويكتفى بتوجيه الابن بأن ما فعله كان خطأ مع العتاب اليسير ، وبيان سبب هذا الخطأ ، وكيفية تعديل سلوكه في المرة القادمة .
ج. ليكن ذمَّنا للفعل وليس للابن ؛ فلا نقول "أنت ابنٌ مهمل" ،بل نقول : "الإهمال صفة سلبية ينبغي تجنبه يا ابني الحبيب" .
د. تَجنُبْ الانفعال الشديد وكثرة الصراخ ، فلابد من ضبط النفس وعدم رفع الصوت إلا بالقدر المحتاج إليه ، كما ينبغي تجنب كثرة المراقبة لتصرفات الابن ، وكذلك البعد عن المعاملة الجافية معه طوال اليوم ، والتأكيد على عدم الدعاء عليه ، فقد قال ابن المبارك رحمه الله لمن جاء يشكو عقوق أبنائه : ( لعلك تدعو عليهم قال : بلى قال : " فأنت أفسدتهم" . والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يدعو الرجل على نفسه أو أهله أو ماله إلا بخير ؛ لأنه ربما صادف لحظة يستجاب فيها الدعاء فتكون الاستجابة ، وأيضاً تجنب كثرة الشكوى من الابن أمام الناس ، لا سيما إذا كان يسمع الشكوى .
و. في حالة تكرار الخطأ يمكن حرمانه مما يشتهيه لفترة معينة .
ز. وأخيراً فإن الحب والتسامح وتأكيد ثقة الابن بنفسه واحترام استقلال شخصيته ؛ أقوى وأنفع من الغضب والانفعال ، فليكن بيننا وبين أبناءنا علاقة ود وصداقة .
ولنتأمل هذه المشاهد من حياة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم :
عن عائشة رضي الله عنها قالت : (مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَــبِيلِ اللَّهِ ) ( رواه مسلم : 2228 ) .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال : خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا). ( متفق عليه ) .
ثم لننظر إلى الرعاية العاطفية والنفسية للطفل ، ففي صحيح البخـاري (2366) عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: ( أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ ) ؟ فقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا . قَالَ َتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يده .
صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، فليكن دعاءنا : ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) ( الفرقان : 74 ) وليكن دعاءنا كذلك : ( وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ ) ( الأحقاف : 15 ) .
المراجع
موسوعه المستشار
التصانيف
تصنيف :الحياة
|