في العالم العربي والاسلامي يقف الجميع رافضين منددين لكل اشكال التطرف وقتل المدنيين. وحين تتم عملية تفجير في اي عاصمة غربية، يتدافع الجميع، حكومات ومؤسسات اهلية واحزابا، لإدانة قتل الابرياء. وقد قدمت مجتمعاتنا الكثير من الجهد لفك الارتباط بين الاسلام وعمليات قتل المدنيين في اي عاصمة غربية، بل وذهب بعضنا الى إدانة قتل المدنيين الاسرائيليين، رغم حالة العدوان والقتل اليومي الذي يمارسه الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني.
وهذا الموقف هو محاولة عربية اسلامية جادة لعدم اشاعة ثقافة الارهاب والعنف، بل ان حكومات العالم العربي والاسلامي تقوم بدور الشريك الكامل في الحرب الدولية ضد “الارهاب”. لكن كل هذا ليس اكثر من نصف المعادلة. وهنا لن أتحدث عن السياسة الاميركية تجاه قضايا الأمة، من احتلال للعراق ومساندة مطلقة لإسرائيل، فهذا ملف كبير، لكنني أشير الى ممارسات استفزازية في بعض العواصم الاوروبية، تثير الغضب، وتعمق التباعد، وتعطي للخلاف والصراع ابعادا دينية تتجاوز حدود الانظمة الى الشعوب.
فمثلا، لماذا تلجأ بعض الصحف الدنمركية والنرويجية الى رسومات للرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام؟! وما الذي تشكله هذه الرسومات التي تسيء للاسلام والمسلمين، من اضافة الى الاعلام الاوروبي او الى حرية التعبير؟! فمثل هذه الممارسات لا يمكن تفسيرها الا في سياق استفزاز العرب والمسلمين في الحد الادنى، او الاهانة والاساءة، وكل هذا لا يصدر الا عن قناعات وعقلية تقصد توجيه الرسائل.
ومثل هذه الممارسات الاستفزازية تعمق حالة التطرف في اجواء العالم، فالارهاب ليس فقط قتل الابرياء والمدنيين، ذلك أن استهداف الاديان والأنبياء والاستهزاء بهم هو تطرف وارهاب لا يقل في أثره ودلالاته عن تفجيرات الانفاق والسيارات المفخخة! إذ إن من يقتل إنما ينطلق من قناعات وافكار مشابهة تماما لتلك الموجودة عند من يستعمل قلمه او فرشاة الرسم ليسيء لدين او معتقد!
من واجب الحكماء في المجتمعات الاوروبية والاميركية ان يمارسوا عملية ترشيد لكل اشكال التطرف التي تمارسها فئات في تلك المجتمعات؛ فيكفي امتنا التطرف والارهاب السياسي والعسكري الذي تمارسه جيوش الاحتلال في ساحات عربية واسلامية مختلفة، فضلا عن الوصاية السياسية والاقتصادية في ساحات اخرى!
ان السرعة في الاجماع التي تجتاح مجتمعاتنا العربية والاسلامية عندما يمارس البعض القليل قتلا او تفجيرا بحق مدنيين في اي عاصمة غربية يجب ان يقابله موقف مشابه، واجماع على رفض التطرف الذي يستهدف مقدسات ورموزا اسلامية، مثل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، او اي ممارسة او تضييق على المسلمين والعرب في اي عاصمة غربية على قاعدة الانتماء الديني والعرقي، فالتطرف لا يقابل في جهة بالصمت او القبول الضمني، تحت مبررات سياسية او شعارات الحرية، بينما يطالب الطرف الاخر بان يذهب الى آخر الشوط في إدانة ما يفعله بعضه!
ان استمرار ذهاب أمتنا بسرعة نحو ما هو اكثر من الاعتدال، وذهاب الغرب، حكومات وجيوشا وإعلاما، نحو مزيد من التطرف والاساءة للأمة حتى في اهم مقدساتها، إنما يعني في الحد الادنى ان لغة الاعتدال العربي ستصبح مرفوضة من قبل الناس، لا لانها لغة خاطئة، بل لان استجابة الآخر عدوانية، وتتجاهل ادنى قواعد السلوك الحضاري.