تشميس مشاعر

 

رجال الطوارق (وهم من بربر الصحراء الكبرى شمال أفريقيا) لا يفكون لثام وجوههم أبداً، ليس اتقاء من زوابع الرمال وسوافيها، بل لأن على الطارقي أن يبقى غامضاً ومبهماً ومقفلاً، ويجب أن لا تظهر على وجهه أية تعابير تشي وتنبئ بمشاعره وجوانيته سواء كانت مفرحة أو محزنة، وهذا ربما ما ينسجم في مع مثلنا الأردني الشائع: الرجال صناديق مقفلة.

تذكرت الطوارق ولثامهم الأبدي وفائدته الجوهرية، عندما شاهدت بعضاً من مقاطع حفلة إستثنائية أقامها عدد من الرجال اليابانيين في حديقة عامة، وكانوا يلبسون أجمل ثيابهم ويحملون ورودا يانعة، ثم يخرجون واحداً واحداً إلى منصة عالية ليوجهوا كلمات حب رقيقة وعذبة إلى زوجاتهم، فالرجل الياباني كالعربي من عاداته أنه يحب لا يكشف مشاعره خصوصا لزوجته.

أحيانا أشعر بأننا لسنا نزقين وعصبيين وسريعي الغضب كملح البارود محمص فحسب، بل أرى بالعين الملآنة أننا أسرع من الضوء في بث مشاعرنا السلبية تجاه الآخرين، في حين أننا كتومون لدرجة الطمس والدمس في إظهار مشاعرنا الإيجابية والبوح بها، مع أن الحكمة تقودنا إلى أن نحب و(نواري) أي نظهر هذا الحب، وأن نكره و(نداري) ما استطعنا في الإخفاء من سبيل، وهذا المسعى يتوازى بكل تأكيد مع الحديث النبوي الشريف الذي حثنا أن نخبر من نحب وجاها بأننا نحبه.

علاقاتنا الزوجية لا تحتاج إلى التشميس والتهوية، كل أسبوع أو كل شهر على أقل تقدير فقط، لنخلصها من عفن الإعتياد القاتل الذي يولد السأم والملل في النفوس، فيجعلها راكدة حتى تأسن وتتكاثر فيها جراثيم وطحالب المشاكل، بل هذه العلاقات في جوهرها تحتاج إلى بوح وإذكاء لنارها، كلما لاحت فرصة، فالرجل يرى بأنه قد حصل على صك أبدي بأنه محبوب في نفس زوجته، وكذلك المراة.

لست مطلق نصائح، ولكني أرى أننا نحتاج أن نفك اللثام عن وجه مشاعرنا ونشمسها، حتى لو ضربتنا زوابع العادات والإعتياد، نحتاج بين الحين والحين أن نفتح صناديق نفوسنا، ونقول للذين نحبهم أننا ما زلنا نحبكم، بل نحن نزداد حبا بكم، الرجل يحتاج أن يعرف كل يوم، وحتى لو اشتعل راسه شيبا، بأنه ما زال ذلك الفتى الجميل في نفس زوجته، والمرأة تريد أن تعرف كل كل ساعة بل كل لحظة بأنها ما زالت سيدة قلب زوجها: أحيانا على المشاعر أن تقال تصريحا وليس تلميحا كما فعل الأخوة اليابانيون.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية