طين الأمنيات 

 

ذات نزوة أحبت زوجة المعتمد بن عباد، وهو أحد ملوك الطوائف في أندلسنا الغابرة، أن تلعب بالطين كطفلة. ولأن ابن عباد أحبها حباً جماً، فلم يكن يقدر أن يرد لها طلباً، فجبل الحناء بالمسك والطيب والعطور وماء الورد، وقال: دونك يا حبة قلبي، هذا طين يليق بسيدة البهاء.

ولكنه عندما وقع أسيراً بقبضة يوسف بن تاشفين، وذاق الأمرين بحبسه بمدينة أغمات المغربية، قالت له حبة قلبه: والله ما رأيت معك يوم سرور قط؛ فتبسم، ونظر إلى عينيها بحسرة وحشرج بدمعه: ولا حتى يوم الطين.

ما علينا من ذاكرة النساء. ولينسَ من ينسى الطين، ولحظاته ومعانيه، فنحن لا ننساه. فمن يجرؤ أن ينسى طفولة، ما زالت يانعة في الرأس والنفس، كعرق نعناع ريان؟. من يجرؤ أن ينسى كيف كنا نسرق ما تيسر لنا من ماء الجرار الفخارية، بعد أن نغافل عين الجدة، لنجبل أحلاماً ناعمة، ونشيد قصوراً من أمنيات ورغبات؟.

وصلتني رسالة من أخت عزيزة، تلومني فيها كيف أسمح لأطفالي بلعب الطين، وكنت نشرت على صفحتي في الفيسبوك صورة لهم يلعبون به. فرددت عليها: شكراً سيدتي، وقد تتفاجئين أنني أحياناً أشاركهم هذا اللعب. وأشجعهم عليه، وأحاول أن أوفر لهم يوماً في الأسبوع على الأقل بلا (آي باد) أو كمبيوتر. فمن لا يلعب بالطين، ومن لا يجبل أحلامه، ويشكلها بيديه، فلن تكتمل طفولته. وسيعاني في شبابه وكهولته.

أشفق على كل طفل يتربى بعيداً عن أديم الأرض، ويظل حبيس بيت كبريتي يضيق، وأصابعه لا تعرف إلا شاشات الحواسيب، وأزرار الهواتف، ومقابض الألعاب. أشفق عليه وأسال: كيف سيكبر هذا الطفل؟. وهل يكبر الأطفال بغير لعب، ومن دون أقامة مدائن من خيال وأمنيات؟.

ربما يغفل الأهل كارثة أن يوغل أطفالهم في عالم الكمبيوتر، والبلاي ستيشن، وأن يصبحوا ويمسوا لصقاء هواتفهم النقالة. ويغفل الأهل أهمية أن نبعدهم قليلاً عن هذا العالم الجارف، ولو ليوم واحد في الأسبوع، كي لا يتحولوا إلى آلات صماء، أو كائنات أخرى منطوية على ذاتها.

التربية الحديثة تؤمن أن اللعب ينمي الأولاد وأنه وسيلة للتعليم، وبه يفرغون طاقتهم فيصقلهم ويشذبهم. ولهذا تعمد المدارس التي تراعي نفسية الطفل وعقليته، أن توفر التراب والرمل والطين، ليصوغوا طاقتهم بالطريقة التي يريدونها.

يعاني أطفالنا اليوم قلة الحدائق، ويواجهون نقصاً في مساحات التراب التي أخذتها منهم غابة الإسمنت الزاحفة. ولهذا أدعو الآباء أن يكونوا أطفالاً مع أطفالهم، ليوم واحد على الأقل. دعوهم يبكرون بالاحتضان واللعب.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية